غيانا وخطورة الاعتماد على النفط

نك بتلر – الفاينانشال تايمز –
ترجمة: قاسم مكي –

الحدث الجديد المحتمل والأكثر إثارة لصناعة النفط العالمية هو تحول غيانا إلى منتج للنفط. إنها ذلك البلد الصغير والفقير نسبيا الذي يقع على الساحل الشمال الشرقي لأمريكا اللاتينية. فخلال العام الماضي كشفت سلسلة من عمليات الاستكشاف التي نفذتها شركة إكسون موبيل عن وجود 3.2 بليون برميل من النفط في مربع ستابرويك على مبعدة 120 ميلا داخل البحر. وبالنظر إلى التحفظ التقليدي للشركة، يمكن جدا أن تكون الاحتياطيات الفعلية المكتشفة أكبر بكثير من ذلك.
ولا تزال المنطقة البحرية قبالة ساحل غيانا بِكرا (غير مُستكشفة) في معظمها. تمثل هذه الاكتشافات النفطية في حوض غيانا انتصارا للشركة. فهي تأتي في وقت يشهد اكتشاف احتياطيات قليلة حول العالم فيما تصارع في الأثناء معظمُ شركاتِ النفط الكبرى لإحلال إنتاجها عاما وراء عام. ولكن ماذا يعني ذلك لغيانا؟ من جهة، يلزم أن تجلب لها هذه الحقول المكتشفة التي ستبدأ الإنتاج بحلول عام 2020 استثماراتٍ ووظائفَ وثروة. ومن جهة أخرى يشير التاريخ إلى أن النفط يمكنه أن يجلب معه الفساد والصراع والعنف. نشر زميلي ليف وينار من جامعة كينجز كوليج لندن قبل عامين كتابا تحت عنوان «الدم والنفط.» لا يعكس هذا العنوانُ المثير التحليلَ العلمي الرصين للكتاب. لكن لا يمكن إنكار أن النفط قد يأتي بالمتاعب. ومن السهل تذكر البلدان التي تضررت من اكتشافه. فهو بمقدوره أن يغذي الاستبداد كما حدث في ليبيا. ويمكن أن توجِد أموالُ النفط حروبا أهلية أو تموِّلَها. ويمكن أن يثير وصول الشركات العالمية لتطوير موارد النفط استياء وطنيا يقود إلى المصادرة كما حدث في المكسيك ونيجيريا وفنزويلا.
وعلى أقل تقدير يمكن أن تتسبب إيرادات النفط (التي تقود إلى ارتفاع فجائي في قيمة عملة البلد المنتج) فيما يسمى بالمرض الهولندي. وهو الظاهرة التي يمكن أن يدمر فيها قطاعُ واحد في الاقتصاد شروطَ التجارة لباقي القطاعات. ( بحسب موسوعة إنفستوبيديا المرض الهولندي تعبير صاغته مجلة الإيكونومست عام 1977 في تحليلها للأزمة التي وقعت في هولندا عقب اكتشاف ترسبات هائلة من الغاز الطبيعي في بحر الشمال عام 1959. أدت الثروة الجديدة والصادرات الضخمة إلى ارتفاع حاد في سعر عملة الجيلدر مما جعل صادرات هولندا من المنتجات غير النفطية أقل تنافسية في السوق العالمية فارتفع معدل البطالة من 1.1% إلى 5.1% وتدنى الاستثمار الرأسمالي فيها- المترجم.) هل هنالك أي سبيل يتيح لغيانا الإفلات من هذه المخاطر وهي التي يعيش سكانها الـ 800 ألف على 8000 دولار للفرد في العام تأتي في معظمها من إيرادات السكر والذهب والبوكسايت والروبيان والخشب والأرز؟ الإجابة بنعم لكن سيحتاج ذلك إلى قيادة قوية داخل البلاد والدعم النشط لشركة إكسون باعتبارها المشغل والمستثمر الرئيسي.
إن الخطوة الأولى والأكثر أهمية لغيانا هي ضبط إيقاع التنمية «بسياسة نضوب» لمورد النفط. يلزم لهذه السياسة مَرحَلَة الإنتاج على مدى فترة طويلة وتجنب «العجلة» والسماح للشركات المحلية ببناء قدراتها لتمكين نفسها من الحصول على حصة من أي نشاط مرتبط بالنفط. وهذا يغطي كل شيء ويشمل ذلك تطوير ميناء جديد وبنية أساسية جديدة ودعم هندسي وكل الخدمات البرية الضرورية من إطعامٍ إلى إسكانٍ للعاملين في إنتاج النفط. ويمكن أن تقود العجلة بسهولة إلى اعتماد تطوير الموارد الطبيعية على الأيدي العاملة الوافدة.
أما الموضوع الثاني فهو كيفية إنفاق المال الذي سيأتي به النفط. ستكون المطالبة بالإنفاق الفوري قوية لكن يجب مقاومتها. فسيكون من الأفضل كثيرا تخصيص نسبة كبيرة من الأموال الجديدة لتطوير البنية الأساسية.
تحتاج غيانا إلى كل شيء من الطرق إلى المدارس لضمان إمكانية استمرار تطور باقي الاقتصاد وعدم تعوُّد السكان المحليين على ذلك النوع من الاقتصاد الريعي الذي أحدث ضررا كبيرا في الشرق الأوسط. بخلاف ذلك على حكومة غيانا إنشاء صندوق ثروة سيادية من أجل وضع نسبة من الإيراد السنوي جانبا للمستقبل في الأجلين المتوسط والبعيد. فالنفط حتى بافتراض تحقيق المزيد من الاكتشافات في المستقبل لن يدوم إلى الأبد. لقد اشتهر عن الاقتصادات النفطية الأكثر نجاحا حول العالم كما في حالة النرويج توفيرها للمستقبل.
لم تلتحق غيانا بعد برابطة كبار منتجي النفط لكن هذه الدروس تظل مفيدة لها. أما التحدي الثالث للحكومة فهو تطوير مهاراتها الخاصة بها وليس أقلها مهارة التفاوض مع الشركات العالمية. فالشركات العاملة في مجال النفط وأجزاء عديدة من قطاع الطاقة تمتلك مهارات عالية وتتميز بقدرة بالغة في استغلال ضعف السلطات عديمة الخبرة. لذلك غيانا بحاجة إلى استجلاب الخبرة والشيء الأكثر أهمية يلزمها تطوير قدرتها الخاصة بها لإدارة عملية الترخيص ووضع الإجراءات التنظيمية والضريبية لقطاعها النفطي الجديد.
إن دور الشركات العالمية المشتركة في هذه العملية حاسم في أهميته. فشركة اكسون تتسم بمهنية عالية ولكن في مناطق مثل غيانا مطلوب المزيد. لذلك على شركة اكسون موبيل والشركات الأخرى تكييف نشاطها مع الحاجات المحلية. عليها دعم سياسة نضوب النفط ومعاونة غيانا على تطوير قدراتها الخاصة بها.
إن التطوير المستدام والناجح ميزة مشتركة (يستفيد منها الطرفان) وليس لعبة مجموع صفري( مكسب أحد الطرفين وخسارة الطرف الآخر.) ففي مناطق كثيرة جدا اتخذت الشركات موقفا سلبيا. نعم تقيَّدَت بحرفية القانون لكنها لم تفعل شيئا لتقليص مخاطر «لعنة» الاعتماد على النفط. سيكون تطوير النفط في غيانا على مرأى من الناس. وسيراقبه العالم.

• الكاتب أستاذ زائر والرئيس المؤسس لمعهد كنجز للسياسات بجامعة كنجز كوليج لندن