فكـرة إبداعيـة .. لتشجيـع المُصنعيـن

د. الطيب الصادق –

,, الأرقام والإحصائيات تشير إلي التحسن التدريجي والمستمر للقطاع الصناعي والذي بمقدوره أن يساهم مع القطاعات الأخرى في تحسين وزيادة موارد الدخل الوطني»

لا شك في أن الجوائز والمسابقات أداة مهمة لتشجيع أصحاب الأعمال لما تحمله من إضافة حقيقية للاقتصاد والتي من شأنها رفع الروح المعنوية وتشجيع المتسابقين وتؤدي في القطاع الصناعي إلى معرفة وتقييم كل المنشآت الصناعية وتسهم بشكل كبير في تجويد عملية الإنتاج ومن هنا تعد مسابقة السلطان قابوس للإجادة الصناعية مهمة ودفعة معنوية قوية قبل أن تكون مادية تؤدي إلى تسريع عجلة التنمية الاقتصادية في البلاد وتنطوي في إطار التفكير خارج الصندوق.
والمتأمل لأهداف الجائزة يرى أنها تتضمن بين طياتها فوائد عديدة للمتسابقين خاصة أنها تقوم بتزويد المنشآت الصناعية المشاركة في الجائزة بتقرير شامل يتضمن نقاط القوة والجوانب التي تتطلب التحسين وتطويرها، وذلك بحسب الطرق المستخدمة دوليا في عملية التقييم وهو ما تستفيد منه جميع المنشآت لتقف على العوامل الإيجابية والسلبية وتعمل على معالجة القصور فيها ما يسهم في تحسين الجودة التي تنعكس أولا على المنشآت نفسها ثم على الاقتصاد ككل..
كما أن هذه الجائزة تندرج تحت الأدوات التي تستخدمها السلطنة في تنمية القطاع الصناعي باعتباره السبيل الأمثل لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية بعيدة المدى، ويأتي ذلك في إطار ممنهج وفق استراتيجية الدولة التي تهتم بتنويع مصادر الدخل الاقتصادي والتنمية المستدامة، من حيث تحقيق القيمة المضافة وتوفير فرص العمل للمواطنين، إضافة إلى قدرة القطاع الصناعي على الإسهام في سد جانب كبير من الاحتياجات السلعية للمجتمع، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، واستغلال المواد الخام المحلية.
ومن المعروف أن السلطنة لم تتوقف عند إنشاء المناطق الصناعية والهيئات التي تقدم خدمتها فحسب بل أن هناك مساعي حثيثة من تطوير الصناعات المحلية والمحافظة على قدرتها التنافسية، وتنمية وتعزيز الصناعات التي ترتكز على مخرجات البحث والابتكار العلمي، وذلك من خلال رعاية السلطنة للابتكار والإبداع للتوصل إلى منتجات صناعية متطورة وذات جودة مرتفعة وبأسعار مخفضة تناسب المواطنين، ولذا تعد عوائد الاستثمار في الصناعة مضمونة لأن الصناعة من القطاعات الحقيقية وتعظيم مواردها وزيادة إنتاجها يمثل ركيزة أساسية وموردا مهما للموازنة العامة للدولة وهو من القطاعات الرئيسية التي تدر دخلا مستقرا لا يخضع ولا يتأثر بالتقلبات والأحداث الأخرى كقطاع الخدمات..
إضافة إلي ذلك فإن هذا القطاع من شأنه أن يقود الاقتصاد في المرحلة المقبلة في ظل مواصلة انحسار الموارد النفطية لأنه يساهم في تشغيل واستقطاب الأيدي العاملة بكثرة وخاصة المشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة التي تمتص جزءا كبيرا من الباحثين عن عمل مما يسهم بشكل كبير في تخفيض حجم الباحثين عن عمل في البلاد وهو ما يستوجب تشجيعه سواء ببعض الإجراءات التي اتخذتها السلطنة في الفترة الماضية، من خفض الضرائب أو تسهيل بعض الإجراءات علي المصنعين، وتوفير المناطق الصناعية، والتسهيلات التشريعية، أو من خلال التشجيع المعنوي مثل الاحتفال بيوم الصناعة في السلطنة والمحدد له سنويا التاسع من فبراير من كل عام، أو بتشجيع الابتكار وإطلاق المسابقات ومنح الجوائز كجائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية لتكون كل هذه العناصر منظومة متكاملة لتشجيع الصناعة في السلطنة، وهو ما يسهم في تطوير الصناعات بشكل جيد ويجعلها تعمل في مناخ وبيئة صحية وملائمة من شانها تعزز من إنتاج منشآت هذا القطاع وتنهض بالصناعة كمصدر آخر ولتكون رافدا مهما لا يقل عن عائدات النفط والغاز.
وبالنظر إلى ما تحمله جائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية من فوائد نجد أنها مفيدة لجميع الأطراف سواء للحكومة أو للمتسابقين وللمواطنين على حد سواء، لأن هذه الجائزة تعطي وزارة الصناعة ممثلا عن حكومة السلطنة معلومات دقيقة للمنشآت الصناعية وتتعرف عليها بشكل عملي وعن قرب لتطمئن عن تلك المنشآت كما أنها تساعد على جذب العديد من المصانع للتسجيل كشرط أساسي لدخول الجائزة والتعرف على ربحية هذه الشركات في العملية التشغيلية كما تضمن تجويد عمل الشركات ومطابقتها لمعايير الجودة الصناعية وفقا لأفضل الممارسات المعمول بها دوليا إضافة إلى ذلك فإن المنشآت الصناعية تستفيد بشكل أفضل من هذه المسابقة لأنها تسمح لهم بتطوير نفسها لدخول عامل المنافسة مع المنشآت الأخرى فضلا عن تبادل الخبرات مع الآخرين والاستفادة من تجاربهم العملية وخاصة أن هذه المنشآت تخضع للتقييم عن طريق لجنة تحكيم من القطاعين العام والخاص وعدد من الأكاديميين والباحثين وهو ما يعزز من جاهزية هذه المنشآت للتقييم و يساعدها على اكتشاف نقاط القوة والجوانب التي يتوجَّب التركيز عليها لتطوير وتحسين أداء عملها، كما أن هناك استفادة كبيرة ستعود على المواطنين وذلك من خلال حصولهم على منتجات ذات جودة عالية تلبي احتياجاتهم وبأسعار منخفضة لأن المواطن هو المستفيد الأول من منافسة الشركات سواء انعكس ذلك على الجودة أو الأسعار أوكليهما معا.
وليس خافيا أن العمانيين نبغوا منذ القدم في تسخير موارد الطبيعة التي حباها الله لهم حيث قاموا بإنشاء العديد من الصناعات وبرعوا فيها ولذلك يعدّ قطاع الصناعة أحد المحركات الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في السلطنة بجانب القطاعات الأخرى كالنفط، لكن يجب زيادة الاهتمام بالقطاع الصناعي ليقود عجلة التنمية وللعمل على تعظيم مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة وهو ما يؤكد عليه المسؤولون في وزارة التجارة والصناعة واهتمامهم بهذا القطاع وإكساب قطاع الصناعات التحويلية أولوية خاصة ضمن مجموعة من القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية الأخرى، حيث جرى ضمن منظومة البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي (تنفيذ) ـ يشارك فيه القطاع الخاص ـ الذي تبني مجموعة من المشروعات الصناعية ستساهم في الارتقاء بمساهمة القطاع في الناتج الإجمالي المحلي التي وصلت حتى نهاية العام الماضي حسب إحصائيات رسمية إلى حوالي 10% ومن المتوقع أن تصل إلى 15% مع نهاية الخطة الخمسية التاسعة..
كما أن البيانات الأولية الصادرة من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشير إلى أن مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي بلغت حوالي1.883 مليار ريال عماني حتى نهاية شهر سبتمبر ٢٠١٧م مقارنة بحوالي 1.684 مليار ريال عماني خلال نفس الفترة من عام ٢٠١٦م أي بنسبة نمو مقدارها 11.9% وتمثل مساهمة القطاع حوالي 9.3% من إجمالي الناتج المحلي حتي نهاية سبتمبر من العام الماضي، وتبلغ نسبة مساهمة غير العمانيين في رؤوس أموال الشركات الصناعية المساهمة العامة في عام ٢٠١٦ حوالي 18% وهذه الأرقام والإحصائيات تشير إلى التحسن التدريجي والمستمر للقطاع الصناعي والذي بمقدوره أن يساهم مع القطاعات الأخرى في تحسين وزيادة موارد الدخل الوطني.
وأخيرا فإن الجائزة تساهم في تطوير وتنمية الصناعة العمانية بشكل عام، وتمنح للمنشآت الصناعية لإبراز دورها في الاهتمام بالجودة وتحسين منتجاتها وتنظمها بشكل خاص ولذلك قامت وزارة التجارة والصناعة بتطويرها وإطلاقها كل عامين لإيمانها، بأنها تسهم في تحسين وتهيئة بيئة الأعمال وإيجاد روح المنافسة بين المنشآت الصناعية وتشجيع الابتكار والتطوير وتبادل الخبرات وهو في النهاية يصب في صالح الجميع سواء الحكومة أو المصنعين أو المواطنين وبالتالي يساهم في نهضة وتنمية الصناعة الوطنية.