تنمية الادخارات والمشاريع الصغيرة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

تكشف الأزمات الاقتصادية التي تمر بها الدول ضرورة العمل على توعية الأجيال بأهمية الادخار ثم الاستثمار في ظل تزايد أعداد الباحثين عن العمل في البلاد وتوجيههم للعمل الحر، مع تسهيل جميع الأمور المرتبطة في هذا الشأن سواء من حيث التمويل أو التحفيز. كما من المهم جدا أن يقوم المرء بإدارة شؤونه المالية وتحقيق النجاح المالي الذي تعد واحدة من أهم مسؤولياته في الحياة، حيث تعتبر مسؤولية لا يستطيع أحد الاعتناء بها إلا الشخص نفسه، باعتباره المسؤول عن تحقيق الحرية المالية له ولأفراد أسرته خلال مسيرة الحياة بحلوها ومُرها. فالجيل الحالي من الشباب يحتاج إلى من يقوم بتوعيته وتبصيره وتنمية مداركه في هذا الشأن لإيقاظ شعلة ذكائه في الأمور المالية وتنمية مهاراته في مجالات الادخار والاستثمار، وشحذ مهارته للكسب النظيف مع ضرورة الابتعاد عن الإسراف والتبذير. وقد حثّ القرآن الكريم على ضرورة الاهتمام بالمال للعوز وكذلك للادخار في العديد من المناسبات والأحداث، منها قوله تعالى: “ولا تَجعل يدك مغلولة إلى عُنقك، ولا تَبسطها كل البسطِ فتقعدَ ملوما محسورا” الأمر الذي يؤكد حرص الإسلام على نبذ البخل من جهة، والحفاظ على بعض المال، مع ضرورة المراعاة في عملية الصرف من جهة أخرى. فالمال يعد أحد أشكال القوة، لكن الوعي والتعليم المالي هو القوة الأكبر، فالمال يأتي ويذهب، ولكن إن عمل الشخص على إيقاظ ذكائه المالي وشحذ مهارة الكسب لديه، فسوف يملك السلطان النافذ عليه، وسيكون بوسعه تحقيق حريته المالية، كما تحدث عنه (روبرت كيوساكي). وكما يقال أيضا إنه “إذا رغب الناس في كسب المال فلا بد لهم أن يطوروا ذلك الجزء من وعيهم المتعلق بالمال” وهذا ما ذكره (مارجريت ستورتز).
ولكي يصبح الشخص صاحب المال والثروة مستقبلا، فهذا يعني أن عليه أن يمنع نفسه عن إنفاق كل ماله أو دخله في الوقت الحاضر بهدف إنفاقه لاحقا في أمور مهمة. وهناك اليوم رغبة كبيرة بأن تتجه ادخارات الأشخاص نحو وسائل الاستثمار المتاحة في البلد مستقبلا، خاصة وأن هناك الآلاف من الوافدين تمكنوا من الادخار والتوجه نحو الاستثمار في مختلف المشاريع الاقتصادية والتجارية والعقارية خلال العقود الماضية، فكيف بالمواطن الذي يبحث عن مستقبله ومستقبل بلده. وهذا يعني أن هناك العديد من فرص الاستثمار المتاحة للعمانيين مستقبلا في إطار الاهتمام الذي توليه مؤسسات الدولة لفئة الشباب الراغبين في استثمار طاقاتهم وأموالهم المدخرة في المشاريع المنتجة. ولكن القضية تحتاج إلى مزيد من المرونة والتسهيلات لجذب الاستثمار الداخلي والخارجي دون إيجاد أية تعقيدات لهم من بداية الأمر، بحيث لا يهرب الشخص من أول تعامله مع الجهات. إن الشباب العماني على وعي وفهم بأهمية الادخار من أجل الاستثمار في المستقبل، ويحتاجون إلى مزيد التوعية لعدم صرف ما لديهم من أموال دفعة واحدة حتى يتمكنوا لاحقا من استثمار تلك الأموال في القنوات الاستثمارية المجدية والمتاحة، ويصبحوا على سبيل المثال، رواد أعمال أو مستثمرين في مشاريع سواء أكانت تجارية أو زراعية أو صناعية أو غيرها، مع قيامهم بإدارة مشاريعهم بكل كفاءة وإنتاجية ووفق إمكاناتهم المالية والمعنوية. وبذلك يحققون مآربهم في هذا الشأن، خاصة وأن الجهات الحكومية والقطاع المصرفي في عُمان، وفي إطار التشجيع والحوافز التي تقدمها لفئة الشباب الداخل إلى السوق للعمل الحر اتخذت العديد من القرارات لتحفيزهم نحو الادخار والعمل الحر والريادة والتوجه بالاستثمار في مشاريع تجارية صغيرة. فأعداد الباحثين عن العمل في ازدياد مستمر، ووفقا لبيانات الهيئة العامة لسجل القوى العاملة فقد بلغ عدد حالات الباحثين عن العمل في عُمان مع نهاية شهر سبتمبر 2017 نحو 43968 حالة منهم 8335 حالة سبق لها العمل، و35633 حالة لم يسبق لها العمل. أما معظم أعمار هؤلاء الباحثين عن العمل فإنها تتراوح ما بين 25 إلى 29 عاما حيث بلغ عددهم في هذه الفئة 21256 حالة فيما بلغ أعداد ممن تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 24 عاما نحو 11104 حالات ثم الحالات الأخرى التي تزيد أعمارهم عن 30 عاما. ومن حيث المستوى التعليمي لهؤلاء الباحثين عن العمل فإن الجامعيين يأتون في المرتبة الأولى بواقع 17690 حالة، بينما تبلغ عدد حالات التي تحمل دبلوم التعليم العام وما يعادله 12490 حالة، بالإضافة إلى 8381 حالة من حملة الدبلوم، ثم الحالات الأخرى.
ونستنتج من بعض الدراسات التي تناولت هذه القضية أن فئة الشباب في السلطنة تفكّر بجد في ادخار المال من أجل الاستثمار مستقبلا، فتوفير المال اللازم يساعد أيضا على امتلاك المرء لمنزل شخصي بجانب الاستعانة بالمال في العمل التجاري. ومنذ أن تم صدور المرسوم السلطاني السامي رقم (36/‏‏2013) بإنشاء الهيئة العامة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) عام 2013، فإن عدد العمانيين الذين يتجهون للعمل الحر من خلال الأموال البسيطة المدخرة لديهم والتي تم جمعها من ادخاراتهم الخاصة أو من ادخارات أسرهم في ازدياد مستمر، وقد بلغ عدد المؤسسات الصغيرة التي تم أنشاؤها حتى نهاية شهر يناير عام 2018 أكثر من 32441 مؤسسة تتركز معظمها بمحافظة مسقط، حيث الفرص التجارية والتطوير والاحتكاك مع الوفود الأجنبية أكبر بكثير من المحافظات الأخرى، فيما كان عددها في نهاية عام 2016 قد بلغت 25692 مؤسسة وفق بيانات التقرير السنوي للهيئة العامة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة). فكثير من الشباب العماني أصبح اليوم يعي بأهمية الادخار والعمل الحر وبتفاؤل كبير في ظل القرارات التي تتابعها الجهات المعنية الصادرة عن ندوة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بسيح الشامخات، حيث عقدت تلك الندوة خلال الفترة من 21 إلى 23 يناير عام 2013م بولاية بُهلا بالمنطقة الداخلية، إلى أنهم تنقصهم الخبرة والمال أحيانا. فالقرارات التي صدرت عن الندوة ما زالت تمثل الحافز الكبير من أجل استغلال الادخارات لدى هؤلاء الشباب، وتوجيهها واستثمارها في تأسيس مشاريع صغيرة ومتوسطة في مختلف المحافظات العمانية، خاصة ممن يعملون في الوحدات والمؤسسات الحكومية وممن تقاعدوا منها خلال السنوات الماضية، خاصة وأن تلك القرارات شملت جوانب عدة من أجل تحفيزهم وتفرغهم واستثمار أموالهم في العمل الحر، منها اعتماد وتنفيذ برنامج لتدريب موظفي القطاع الحكومي، من ذوي العلاقة والتعامل المباشر مع القطاع الخاص لتعزيز فكر ريادة الأعمال لديهم ولتحسين تعاملهم وتسهيل وتطوير الإجراءات المتعلقة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بما يحقق تقديم أفضل الخدمات لتمكين هذه المؤسسات من أداء دورها التنموي، وكذلك السماح لموظفي الحكومة الراغبين في إنشاء وإدارة مؤسساتهم الخاصة بالتفرغ لها مع الاستمرار في صرف رواتبهم لمدة سنة وفقا لضوابط محددة بالإضافة إلى قرارات أخرى تصب في مصلحة الأشخاص الراغبين في العمل الحر. ولا شك أن اختيار الطريقة الملائمة للادخار والاستثمار في المستقبل يتطلب من البداية تنظيم الإنفاق بحيث يقوم كل شخص بتخصيص جزء ولو كان صغيرا من الدخل الشهري أو السنوي للادخار، ثم الاستثمار به. ويؤكد الخبراء في هذا الصدد أنه يفضّل دائما الاستثمار بأموال مدخرة وليست مقترضة، حتى لو كان المبلغ بسيطا، فلا توجد قيود على ذلك، وعلى الشخص تحديد حجم استثماراته بالقياس إلى فائض الدخل المتوفر لديه حتى لا تؤثر خسارة أي جزء منه على حياته اليومية أو نفقاته الجارية نظرا للتقلبات وتغير أسعار السلع والمنتجات التي تشهدها الأسواق التجارية والمالية بين حين وآخر.