التحول الإلكتروني بين الحتمية والاختيار !!

د سيف بن سليمان بن سيف المعني –
Saifalmaani54@gmail.com –

لا شك أن التطور الإلكتروني الذي يشهده العالم دون استثناء ومواءمة تكنولوجيا المعلومات بوسائل الاتصالات جعلها أكثر فاعلية، فقد قربت المسافة بين الشعوب، وسهلت الكثير من التواصل فيما بينها، فأصبحت وسائل الاتصالات مع تكنولوجيا المعلومات تلعب دورا مهما وحيويا في تسهيل إدارة المؤسسات على مختلف تخصصاتها، وقد أدى ذلك في كثير من الدول إلى إعادة النظر في أداء العمل التقليدي الرسمي، بل إن بعض الوظائف التقليدية قد اختفت ولم يعد لها ضرورة، وبالمقابل فإن الأداء قد ارتفع، وجودة العمل أصبحت أفضل، ونسبة الرضى لدى المتلقين للخدمات قد زادت، وبالتالي فإن الثقة بين مقدم الخدمة والمستفيد منها قد تعززت.
عملية التحول من النمط التقليدي الروتيني الممل إلى النمط الإلكتروني، لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها رفاهية، أو أنها مجرد مشروع آخر كباقي المشاريع، بل هي تغيير ثقافي وتغيير مؤسسي، وأسلوب عمل يمسان كيان المجتمع وهيكلية العمل، وهي بالتالي لا يجب أن تكون خيارا فرديا أو مؤسسيا يمكن قبوله أو تأجيله أو حتى رفضه كليا، بل أصبحت مطلبا أساسيا وتوجها حكوميا عاما لا مفر منه، لذلك فإن طريقة العمل، بل وحتى التفكير ونوعية الموظفين أصبحت غير تقليدية، ولم يعد العمل التقليدي البطيء والممل غير المرتبط بتكنولوجيا نظم المعلومات والاتصالات ذا فائدة في خدمة المجتمع، بل أصبح من أدوات الماضي المرتبط بالتخلف، فالتحول الإلكتروني مطلب أساسي تفرضه معطيات الحياة، وأمر جوهري لمسايرة وتسهيل إدارة شؤون المؤسسات على مختلف مستوياتها وتخصصاتها والخدمات التي تقدمها.
ومن الأخطاء الفادحة والمكلفة في عملية التحول الالكتروني هو عدم إعادة هندسة أسلوب العمل بما يتناسب وينسجم مع تكنولوجيا نظم المعلومات والاستفادة القصوى من قدراتها العالية، وبالتأكيد تختلف آلية العمل الإلكترونية كليا عن إجراءات العمل اليدوي، مع المحافظة على نتيجة ما هو مطلوب، لكنه بأسلوب إلكتروني أكثر فاعلية ودقة، تسخر فيها التكنولوجيا لخدمة البشر.
في كثير من محاولات إدخال نظم المعلومات في القطاعات المختلفة سواء كانت الحكومية أم شبه الحكومية أو القطاع الخاص، يظل هاجس الخوف، بالنسبة للبعض، من إدخال النظام الإلكتروني، هو سلبهم لتلك الصلاحيات التي يتشبث بها المسؤول التقليدي، الذي يشعر بالأهمية للقيام بها وتردد الناس عليه، وبالتالي فإن سلب الروتين القاتل منه، يرى أنها ستقلص من أهميته، بينما النظام الإلكتروني يجعله أكثر فاعلية ودقة، ويمكنه من العناية بالجوانب ذات الأهمية القصوى، كمسؤول بدلا من إشغال نفسه بأعمال روتينية يمكن للنظام الإلكتروني أن يقوم بها آليا، وبعض الدوائر أيضا تخشى من تقليص عدد الموظفين الذين سيصبحون بلا عمل نتيجة للتحول الإلكتروني، فقد تكون الكثير من الوظائف هي في الحقيقة مترادفة، ولا ضرورة لها من الأساس، حيث يقوم التحول الإلكتروني باختصار الإجراءات المطولة والتواقيع الغير ضرورية. من جانب آخر فإن تحولات بعض الإدارات تكون جزئية وغير مترابطة (أي أنظمة داخل أنظمة) تحاكي النظام اليدوي، ولذلك نرى مثل هذه الإدارات ما زالت خدماتها دون المستوى المطلوب، في عصر لم يعد فيه العمل اليدوي ذا قيمة أو فاعلية لعدم قدرته على تلبية احتياجات المواطنين بشكل دقيق ومنظم، ودون إضاعة لوقت الموظف أو المستفيد من الخدمة.
في نظري لا يجب أن يكون التحول الإلكتروني خيارا متاحا للوحدات الحكومية أو أفرادها، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة وتعقيدات العمل اليدوي، ولا بد أن يكون التحول الإلكتروني ضرورة ملحة وليست رغبة، ويطبق على كافة المستويات، وأن أي جهة تقاوم هذا التحول يجب أن ينظر إليها على أنها جهة تعيق التقدم والتحول الإلكتروني المرتبط بتطوير وتنظيم أسلوب العمل بشكل أدق وأفضل، وربما يكون الخيار هو فرض فترة زمنية لكل إدارة تقاوم التحول الإلكتروني وأن أي إخفاق في ذلك سينعكس سلبا على المسؤولين في تلك الإدارة، فطبيعة البشر عندما يشعرون أن مستقبلهم مرتبط بنجاح معين يبذلون قدرات غير عادية والعكس صحيح.
فشبكة الإنترنت تعد أحـدث منجـزات الثـورة التكـنولوجية والاتصـالية في العـالم، التي ربطت العالم ببعضه ولم يعد المكان عائقا للتواصل بين الشعوب، فمجتمع اليوم مجتمع معرفي يقوم على الاتصالات وجودتها العالية فهي تمثل جانبا مهما من الثورة المعرفية وتبادل المعلومات، وقد سخرت الدول المتقدمة هذا التقدم الإلكتروني والمعرفي لتحسين أدائها وخدمتها للمجتمع بشكل حديث ومتطور أغنى المتلقين للخدمة عن الذهاب إلى مقر الجهات التي تقدم الخدمات بكافة أصنافها، وزيادة فاعلية وقوة الخدمات المقدمة بشكل مختصر ودقيق، وقد أدى إدخال البرامج الإلكترونية في الاتصال مثل: البـريد الإلكتروني، وإنشاء مواقع على شبكة الإنترنت، الواتس أب، والتويتر… الخ إلى تمكين المواطنين من أن يصبحوا أكثر مشاركة في تطوير العمل وحسن الإدارة ومتابعة إنجاز معاملاتهم بدقة عالية يغنيهم عن التردد على الجهات المقدمة للخدمة.
إن المتلقي للخدمة أو صاحب المصلحة لا يهمه ضخامة المبنى والزيادة المستمرة في أحجامها حتى تؤوي الأعداد المتزايدة من الموظفين، بقدر ما يعنيه سرعة ودقة الإنجاز، وإذا استطاع أن يقوم بذلك وهو في بيته أو على مكتبه فإنه لن يضطر إلى أن يترك عمله الذي يتقاضى منه راتبه الشهري ليذهب لمقابلة موظف في إدارة الخدمات، إن كان سعيد الحظ سيجده في مكتبه، وإلا فإن عليه أن يعود إليه مرة أو مرات عديدة، وعليه أن يستقل وسيلة نقل للوصول للشخص المراد الاتصال به وبالتالي تحمل تكاليف الوقود ومخاطر حوادث السير، والتسبب في تزاحم المركبات على الطرق والمواقف، وأحيانا التسبب في تعطيل أو إعاقة الموظف الذي يقوم بتقديم الخدمة وعدم قدرته على مباشرة عمله نظرا لتزاحم المراجعين بشكل يومي، فهل هذا يعد مقبولا في القرن الواحد والعشرين في وقت أصبح الهاتف الذكي أداة مهمة لإنجاز المعاملات وتلقي الردود دون جهد أو عناء؟