معايير الرضا عن السياسات الاقتصادية

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

متى يرفض الناس السياسة الاقتصادية أو  لا يرضون عنها أو يرون أنها لا تحقق تطلعاتهم ؟ . كنت أتصور انه سؤال سهل ، لكن شأن كل شيء في عالمنا المعاصر لم يعد هناك ما هو بسيط . لا اتطرق إلى الأسئلة الأخرى والتي من قبيل وكيف يعبرون عن غضبهم أو عدم رضاهم – اذا غضبوا أو لم يرضوا – ودور المؤسسات المختلفة في الدولة في هذه الحالة ، وما هي خبرات النجاح في مواجهة عدم رضا للناس عن سياسة اقتصادية تم تحويله بسرعة إلى رضا عبر خطوات بعينها.الخ . لقد اعتبر كثيرون -وما يزالوا- ان نجاح دونالد ترامب في انتخابات الولايات المتحدة هو احد الشواهد المهمة على عدم رضا الجمهور عن سياسة اقتصادية وهو طريقة في التعبير عن هذا السخط أي اختيار مرشح يميل إلى غلق الأسواق في مواجهة تدفق بضائع الآخرين وتشجيع الشركات الأمريكية على أن تعمل في أمريكا وتشغيل عمالة أمريكية بدلا من العمل في دول أجنبية مهما كانت المزايا التي تقدم لهم هناك أو زيادة المزايا بالداخل لجذبهم . هذا اختيار واضح لسياسة أخرى وبغض النظر عن تقييمنا لسياسات الرئيس ترامب الاقتصادية أو رأينا فيها .
العقدة التي لا حل لها حتى الآن وربما لن تجد حلا على الأقل في المدى القريب هي احتمال أن تكون قراءة الناس للمؤشرات الاقتصادية متعجلة أو ليست صحيحة أو مبتورة ، وأيضا قد تكون تحركاتهم في مواجهتها و مقترحاتهم أو رغباتهم أو تمنياتهم ، لتغيير السياسة التي لم ترضهم مؤشراتها ، انفعالية أو غير مدروسة بشكل كاف أو حتى خاطئة وضارة .
وبالطبع فإنه يحدث أيضا في المقابل أن تكون قراءة الناس لما يدور – وبالفطرة قبل العقل – أعمق نظرا من صناع السياسة الاقتصادية انفسهم وربما ومنفذيها .
في كل الحالات فإن الكتاب الذي صدر بالقاهرة مؤخرا لاستاذ الاقتصاد المعروف ووزير التخطيط الاسبق في جمهورية مصر العربية ، الدكتور عثمان محمد عثمان ،  يستحق ألْفَ توقف عنده لمن يريد ان يتعرف على جوهر قضية القبول او عدم القبول لما هو اقتصادي في عالمنا وعبر دراسة حالة عاشها المؤلف بنفسه -وليس من رأى كمن سمع  – الا وهي حالة الجماهير المصرية التي خرجت تحتج في الميادين في يناير 2011 .
يحلل الدكتور عثمان في كتابه ( ثورة المصريين بين الاقتصاد والسياسة والطريق الى التنمية) حالة الحراك الاجتماعي في مصر منذ 1981 مع التركيز على فترتين أولهما ما بعد إبرام اتفاق مع كل من البنك وصندوق النقد الدوليين لإصلاح الاقتصاد في 1991 ، وفترة العقد السابق على يناير ٢٠١١ ، ويتتبع مستويات النمو وهيكله ومصادره وأنماط الدخل والإنفاق وتوزيع الدخل في مصر ونصيب الأغنى و الأفقر وكل 10 % عموما من السكان ، وخطة حكومة ما قبل يناير – التي كان عضوا بها – لرفع معدلات النمو وخفض الفقر والبطالة والتضخم وتنفيذ سياسة اجتماعية شاملة مع التخطيط لتضخم اقل من ٨ %  وعجز ينتهى إلى ١ %  ونمو ٨  % وإقامة مراكز لوجستية لتطوير التجارة الداخلية ومحطة نووية في الضبعة..الخ وكيف استطاعت مصر عبور انعكاسات الأزمة المالية العالمية 2008 بوعي وبأقل الخسائر وبدء تحقيق معدل نمو مرتفع مرة أخرى ، ولا يجد الدكتور عثمان في كل ذلك ولا في غيره من مؤشرات موثقة ما يدل على موجبات لغضب مفاجئ خاصة وان جهات دولية – ذكرها – أشادت مرات بما أنجزته مصر على صعيد التنمية البشرية وتقدم موقعها فيها .
ويقدم استاذ الاقتصاد – وبما له من خبرة سياسية – فصلا كاملا وفريدا فى نوعه حول أسباب الثورة ( يعتقد أن الأدق تسميتها انتفاضة ) سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ودور ومواقف الطبقات المجتمعية منها ومع تقصٍ منهجي ومنضبط لكل الأسباب الرئيسية التي قيلت تفسيرا لها ( السياسية مثلا  أي الحريات والديمقراطية، والاجتماعية أي الفقر والبطالة والغلاء وسوء توزيع الدخل ، والاقتصادية أي النمو وتوزيع ثماره ) ، والتفسيرات الأخرى التي من نوع الشباب وغضبه وتردي اداء المؤسسات وضعفها او عدم رضا الطبقة المتوسطة او التوريث واعتداءات الشرطة ، أو دور السوشيال ميديا او سوء مخرجات التعليم او انتشار العشوائيات أو الإسلام السياسي… بعد كل ذلك يسال وبكل وضوح : هل تفسر مؤشرات التنمية البشرية التي أشيد بها ما حدث ؟ ولماذا الآن ؟ وقد كان الوضع أسوأ في أوقات سابقة ثم لاحقه ؟ ولماذا لم يحدث شيء شبيه في دول البطالة العالية بأوروبا بعد ٢٠٠٨ ؟ ولماذا مصر وتونس وهما حققتا أعلى نمو بعد تراجعات ٢٠٠٨  ؟  ولماذا ٢٠١١ ولَم تكن هناك صدمة اقتصادية او اعلان عن خفض كبير للدعم ؟ . ويشير هنا إلى أن تحولا خطرا حدث بالفعل إلى طريق رأسمالية المحاسيب ما اشعل الغضب لكن هل المدركات عن المحاسيب والفقر والبطالة وغياب الحرية كانت السبب أم تلك العوامل بوزنها في الواقع بالفعل هي السبب خاصة وان اكثر من 65 % من الشعب لم يشارك في يناير 2011  وان من شاركوا كانوا خليطا غير متجانس أي لا أهداف اقتصادية اجتماعية واحدة تربطهم ؟ . وكيف تكون العوامل الاجتماعية هي السبب بينما أتت الاحتجاجات بجماعة سياسية في ٢٠١٢ غير معنية بالاقتصاد ولا التنمية ولكن اقتناص السلطة؟ .   يؤكد المؤلف أن الأوضاع الاقتصادية بعد ٢٠١١ انحدرت إلى قاع عميق وخسرت مصر نحو ٦٠٠ مليار جنيه حتى ‏2016 وتلك تكلفة ضخمة «من أجل هدف لم يحدده مريدو يناير أبدا بوضوح» كقوله .
وقد ساءت كل مؤشرات الاقتصاد مختتما بجملة لا يمكن أن تنسى : لو كان المطالَبون بالتغيير والثوار أدركوا من البداية أهمية الاقتصاد والنمو لما آلت الأمور إلى التردي والمعاناة الشديدة الراهنة ولأدركوا انه لا عدالة اجتماعية مع وجود الاختلالات الاقتصادية وضعف النمو .
هكذا نرى أن قراءة الجمهور للمؤشرات يمكن الا تكون صحيحة أو يكون فهم المسؤولين لمغزاها عند الناس أيضا ليس سليما. وبالتالي لابد من الاثنين معا أي تحقيق المؤشرات الجيدة ورفع مرتبة البلاد – أي بلد – في المؤشرات العالمية المعروفة والتي تقيس التطور الاجتماعي والاقتصادي والتنموي بعامة ، وبين التأكد بوسائل مختلفة أولا من أن الجمهور يدرك فعلا ضرورة  السياسات التي حققت ما تحقق ويتجاوب معها ويلمس أهميتها أو عليه أن يدرك أن لها أهمية للمستقبل وان لم تظهر فوائدها الآن . لقد قلت انه لأمر جدلي حقا – أي قبول أو رفض السياسة الاقتصادية – ولذلك ليس غريبا أن يختلف الناس حتى الآن بمصر ذاتها- كمثال – و هل كانت الأحوال افضل قبل يناير أم أسوأ . ومن الخبرة الشخصية أرى أن القياس اليومي لما يدور في خلد الناس بشأن السياسات العامة أمر شديد الحيوية لصناع القرار، وقد مارست وحتى قبل اشهر تجربة ذات صلة في وزارة المالية المصرية والتي عملت بها لثلاث سنوات وكنت أقوم بقراءة ما يجول بخواطر جمهور متنوع للغاية حول المالية العامة يوميا واعتقد ان ما فعلته لعب دورا مفيدا في تحقيق نوع من التفاعل الصحي بين الجمهور وبين ما يتم في السياسة المالية – وهي عصب السياسات الاقتصادية في زماننا – ، ولا اقصد أن الجمهور تفهم أو قبل السياسات بالمطلق أو على علاتها ولكن أصبحت الأمور أوضح واصبح هناك المتفق عليه والمختلف بشأنه إلى هذه الدرجة او تلك وغير المقبول وعليه أديرت حوارات مستمرة وبناءة لتحسين التوافق العام.