الخوالدي: الصحبة الافتراضية في وسائل التواصل الحديثة محفوفة بالأخطاء

من مفرزات هذا العصر –
مجاملة الإنسان صاحبه في أخطائه وتقصيره واعتدائه وفجوره يُعد فتنة –
متابعة: سيف بن سالم الفضيلي –

نبّه فضيلة الشيخ خالد بن سالم الخوالدي عضو هيئة التدريس بكلية العلوم الشرعية إلى مجموعة من الأخطاء التي يقع فيها الناس فيما يتعلق بأمر الصحبة وذكر منها 8 أخطاء.
ومن الأخطاء التي نبه إليها فضيلته – وهي من مفرزات هذا العصر- هي تلك التي تسمى بالصحبة الافتراضية التي تكون من خلال وسائل التواصل الحديثة المختلفة؛ تجد بعض الأشخاص عندهم ألف صاحب أو أكثر يتابعونه ويتابعهم يداعبونه ويداعبهم ويبثون له هموهم ويبث لهم همومه ويطلعهم على أحواله وخصوصياته بشكل فج بالصوت والصورة، وفي ساعة الحقيقة والواقع تكون هذه الصحبة صفرا.
وحذر فضيلته من مثل هذه الصحبة بقوله إن مثلها لا بقاء لها لأنها متغيرة وعلى الإنسان ألا يخدع نفسه بها. فالشخص عندما تحدث معه إشكالية فليثق تمام الثقة بأنه لن يستطيع التكلم إلى أشباح ولن يعالج الأشباح له إشكالياته.
وبيّن الخوالدي أن من أخطاء الصحبة مجاملة الإنسان صاحبه في أخطائه وتقصيره واعتدائه وفجوره يُعد فتنة كما أن التساهل والمجاراة في إخفاقات وانحرافات الصاحب من أخطاء الصحبة. وإفشاء السر في الخصومة والفجور في الخصومة من الأخطاء التي يقع فيه الأصحاب.. والى الجزء الأخير من محاضرة «دستور الصحبة».
يقول فضيلة الشيخ: إن من الأخطاء التي يقع الناس فيها فيما يتعلق بأمر الصحبة (التركيز على المجاملة في شأن الصحبة) مشيرا الى انه هذا هو ديدن كثير من الناس انهم يركزون فيما يتعلق بتعامل الواحد منهم مع صاحبه على موضوع المجاملة، والمجاملة تعني الحرص على ما يرضي الصاحب لا على ما ينفعه ضرورة.

وهذه إشكالية عظيمة فالأصل في الصحبة أنها قائمة على أسس متينة قوية راسخة من العطاء المتبادل من الإخاء الصادق من النصيحة التامة من التعاون التام من التراشد فيما بينهم بالشكل الحسن الذي يحقق نفع كل واحد منهم فيما يتعلق بأمر الدنيا وفيما يتعلق بأمر الدين.
ولكن حينما يجنح الصاحب إلى مجاملة صاحبه فإنه يهدم هذه العبارات كلها، فإن تركيزه لا يكون على ما ينفع صاحبه وإنما يكون تركيزه على ما يرضيه، هو حريص على ما يرضي الصاحب وان كان هذا الذي يرضيه يغضب الله وان كان هذا الذي يرضيه ليس فيه منفعة له، وان كان هذا الذي يرضيه ليس فيه ترق به هو حريص فقط على ألا يغضب عليه وألا يعتب وألا يجد شيئا في نفسه عليه وألا يزعل منه إلى غير ذلك.
ولذلك تجد إهمالا في كثير من الأمور بسبب هذه المجاملات، فإن أخطأ جامله بدلا من أن ينبهه الى خطئه وان جهل جامله بدلا من أن يعلمه ما جهل فيه وإذا ما غفل جامله بدلا من أن ينبهه على ما غفل فيه، وان تعدى جامله بدلا من أن يأخذ على يده ويرده على الجادة فلا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ولا تعليم ولا نصيحة ولا إرشاد ولا حتى بذل إشارة نافعة له كل ذلك انه حريص على أن يرضيه وألا يسخطه حتى في مجال الأمانة وهي الاستشارة فرق بين الصاحب الذي يجامل والصاحب الذي لا يجامل، فالصاحب المجامل ما دام يعلم بأن أمرا معينا مما استشاره فيه، فيه هوى له فإنك ستجد انه يحرص الى ان يشير عليه بما يحبه حتى وان كان ذلك الأمر ليس فيه منفعة له، لكن الصاحب الصادق ليس ذلك الذي يحرص على ما يرضي صاحبه بل هو حريص على ما ينفعه ولو كان مرا ويكرهه ولو كان لا يرضيه ليس المهم ان يرضى وإنما المهم ان يحقق له النفع ويرشده الى الصواب هذه هي مهمة الصاحب الصالح النافع.
ويحذّر: فمن الفتنة ان يجامل الإنسان صاحبه في أخطائه في تقصيره في إخفاقه في اعتدائه في عصيانه في فجوره في فسوقه كل ذلك لأجل ألا يقع في سخطه هذا ليس صاحب، وكما يقول الإمام أبو مسلم:
ليس الخليل المداجي عند شائنة
          إن المداجي في العوراء فتّان
لكنّه من رأى عيبا وحققه
       أهداك عيبك غيظا وهو لهفان
ويؤكد أن هذا هو الصاحب المتحرق عليك الذي يحرص على نفعك الذي يرشدك الى المراشد وليس ذلكم الذي لا يعرف إلا المجاملة، هذا خطأ فيما يتعلق بأمر الصحبة لا بد أن ينبه الأصحاب له.
تساهل ومجاراة
أما الخطأ الثاني الذي يشير إليه الخوالد فهو «التساهل والمجاراة في إخفاقات وانحرافات الصاحب»، بحيث ان الصاحب لا يقف وقفة صارمة مع زاوية انحراف صاحبه وأكثر ما يحصل بسببه انحراف الأقران أو الأصحاب انما يكون بسبب هذا.
ويوضح: الشخص يقيم علاقة فيها صحبة خيّرة مع شخص آخر فيرى منه الخير وتستقر أموره وأوضاعه ثم في لحظة من اللحظات او وقت من الأوقات يرى منه إخلالا؛ هذا الإخلال اما ان يكون مقصودا من قبل ذلك الصاحب كأن يكون فسقا او فسادا وهو يقصد إظهاره للتأثير على صاحبه أو انه يكون حالة من الفساد يمارسها ذلك الشخص وحصل بسبب كثرة المخالطة في ذلك اليوم أن ظهر شيء منها لصاحبه، مثلا شخص يصاحب شخصا لا يعيب عليه شيئا ثم حصل أن ارسل له في يوم من الأيام أن ارسل له مقطعا خليعا او أراه في هاتفه صورة خليعة او اسمعه شيئا خليعا هذا الأمر قد يكون باستقصاد من ذلك الصاحب بقصد الإفساد وذلك الأمر هو حقيقته وقد يكون من غير قصد، لكن وان لم يقصد فإن ذلك الأمر يكشف عن حقيقته وعن انحراف يوجد فيه، انه هو يشاهد هذه الأمور حتى لو كان لا يدعوه لمشاهدتها، هذا الأمر يمكن ان نسميه بزاوية الانحراف، وزاوية الانحراف في العلاقة هي فيصل في استقرار العلاقات أو انبتاتها بمعنى أن الإنسان لا بد أن يحسن التعامل مع هذه الزاوية.
الخطأ الذي يقع فيه بعض الأشخاص انه يتساهل في هذا الأمر بعد ان يعتذر صاحبه – يقول آسف لم يكن قصدي وبالخطأ أرسلتها وكنت قاصدا بها غيرك – فلذلك يقوم بمسامحته ويغض الطرف.
هنا أن لم يكن قد أرسلها لك ويريد أن يرسلها لغيرك فكيف يستسيغ ويستبيح أن يرسل مثل هذه الأمور لك أو لغيرك، فكيف يغض الإنسان البصر عن انحراف صاحب من أصحابه ويراه بيّنا، فهذا الأمر هو مقدح في الديانة ومن شروط الصاحب أن يكون صاحب ديانة فكيف يغض الإنسان الطرف عن تقويم صاحبه فيما يتعلق بأمر الديانة ويتساهل في هذا الأمر، هذا من أعظم الأخطاء وبهذا التصرف الإنسان يقبل ان يكون منساقا في هذه الزاوية المنحرفة.
وبلا شك أن إنكاره في الغد لو تكرر هذا الأمر له سيكون أقل وفي اليوم الذي بعده سيكون اقل وفي الذي بعده اقل وهكذا تجد، فاستبشاع الشر لا يكون بدرجة واحدة إذا ما تكرر ذلك الشر، وإنما يستبشعه الإنسان في أول مرة وعليه أن يستغل ذلك الاستبشاع في أول مرة ما يقبل ان ينساق لأنه لو انساق فإن ذلك الانسياق سيوصله الى متالف عظيمة.
 لو ان صاحبا من أصحابك ما سمعت منه شرا وفي يوم من الأيام يذكر لك الفحش بأقبح ألفاظه ويسب ويشتم ويذكر العورات بأقبح ألفاظها هذا الأمر أمر مستبشع في الأصل يستبشعه سماع ويستبشعه حقيقة وتصرفا، والمسلم ليس فاحشا ولا متفحشا هذا من آفات اللسان وهو من المعاصي أن الإنسان يدرج لسانه على نطق الفحش بسلاسة وسهولة. ولكنه يتسهل في ذلك، ثق تمام الثقة بأنه إن تساهل في ذلك وذكر ذلك الأمر معه مرة أخرى وتساهل لان ذلك الذاكر له هو صاحبه ثم ذكره ثالثة فإن ذلك الشخص سوف يعتاد على هذا الأمر المنكر المستبشع ولن يكون بعد ذلك مستبشعا عنده. بل يكون أمرا عاديا يسمع هذه الأمور ولا ينكرها. والسبب عدم الاهتمام بزاوية الانحراف هذه.
والمطلوب أن الإنسان عندما يرى انحرافا في قول أو فعل في صاحبه عليه أن يوقفه، فيخبره بما يلزمه من التوبة الى الله والإنابة فإن تاب ورجع قبل منه، شرط أن يكون على حذر وتيقّظ من بعد، بحيث انه لا ينسى هذا الموقف ويكون في نفسه، فإذا ما تكرر شبيها له فليعلم بأن هذا الشخص ليس أهلا لأن يكون صاحبا له بل هو شخص منحرف له مآرب في هذه الصحبة فعندئذ يخار صاحبا غيره، فإذا ما بدت توبته ورجعته والتزامه فعلا بترك ذلك الأمر السيئ فعندئذ يقبل منه، لكنه عليه ان يكون واعيا ولا يكون متساهلا ويسكت.
وإذا لم يقبل ذلكم الشخص أن يتوب ويرجع الى الله فليكن حازما في الأمر فينبهه الى ان مصاحبته له كانت لديانته وخلقه والآن تقدح في هذه الشروط التي صاحبتك لأجلها فإن كنت تريد بقاء صحبتنا فلا بد أن تكون هذه الشروط قائمة. وإن كنت لا تريد بقائها فهذا فراق بيني وبينك. فأنا لا يمكنني أن أصاحب شخصا بهذه الصورة والخيار لك. فإن اختار الشر فاتركه، قد أديت ما عليك من واجب النصيحة وليس هنالك مصلحة في التعلق به والبقاء معه ما دام اختار طريق الانحراف، وان أبدى الرجعة فتقبل منه مع التنبه حتى تستوثق من رجعته، هذا هو المنهج المطلوب من الإنسان إذا ما رأى ذلك.
لمصلحة ومنفعة
ومن الأخطاء التي ذكرها الشيخ الخوالدي «بعض الناس تكون صحبته للمصلحة أو المنفعة»؛ فيعددون هذه المنافع ويعتبرون أن مصلحتهم في استبقاء هذه العلاقة مع ما فيها من الخطأ والزلل والانحراف لأنه مستفيد مثلا من سلطته و من ماله أو من خدماته التي يقدمها له وهذه تحصل لربما تكون في دنيا الموظفين أو في دنيا الطلاب مثلا يصاحب شخصا لان عنده سيارة يأتي فيها الى البلد ويأخذه ويرجعه في أمر دراسته وعندما يريد الذهاب الى مكان ما يحصل على السيارة وهذه مصالح هو محقق له ومستفيد منها فتجعله هذه المصالح غاضا الطرف عن عيوبه وأخطائه وتقصيره، فيرى انه لو لم يصاحبه فستضيع كل تلك المصالح، فيغلب المصالح والمنافع على أمر الصيانة للصاحب وأداء حقوقه. وهذا خطأ فالمال لا ينفع شيئا إذا ما ذهب الدين والإنسان لا يستفيد شيئا من الخدمات المالية إذا ما خسر عرضه ووصف بالشر لان الإنسان يعرف بصاحبه. فإذا كان مصاحبا شخصا منحرفا فإنه يوصف به، وكما يقول الشاعر:
أصون عرضي بمالي لا أدنّسه
                   لا بارك الله بعد العرض في المال
المال لا ينفعك إذا ما ذهب عرضك وتكلم عليك الناس وقالوا إن فلان صاحبه وفلان ويرافق فلان فمثل هذا التصرف تصرف خاطئ فالإنسان عليه أن يحكم الدين والشرع فيما يتعلق بالعلاقات لا يحكم المنافع والمصالح، المصالح هذه قد تجدها مع غيره كما تجدها معه بل ربما قد تجدها مع غيره بشكل أفضل مما تجدها معه، فلماذا تضحي بالدين لأجل مبلغ زهيد أو لأجل مصلحة أو منفعة أو ما الى ذلك.
خصومة وفجور
ويذكر الخوالدي الخطأ الرابع من أخطاء الصحبة وهو «إفشاء السر في الخصومة والفجور في الخصومة» ويقول: وهذا خطأ ربما يقع فيه بعض الأصحاب فيما بينهم فمما هو معلوم بأن الصاحب يطلع على كثير من خصوصيات صاحبه وأحواله وأسراره ويعرف طبائعه وما يناسبه وما لا يناسبه وما يحبه وما يكرهه كل ذلك مطلع عليها، ولذلك تجد ان الصاحب لو صاحب شخصا بشكل كبير وعرفه وخبره لو جئته مثلا في موضوع بأن يكلم صاحبه فلان فيه، يجاوب عنه بنفسه سواء بالإيجاب أو الرفض فهو يتكلم بهذه الثقة لأنه خبر صاحبه ومطلع على أحواله وأسراره، هكذا عادة الأصحاب، فالإنسان ربما يبوح لصاحبه بالكثير من خصوصياته الإشكالية متى؟ تكون الإشكالية حينما يكون الصاحب فاجرا يفجر حينما تحصل الخصومة بينه وبين صاحبه بثّ كل أسراره أمام الناس وأفشاها، وهذه خيانة للأمانة الله تعالى يقول: «وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ» ما دامت هذه الأمور التي كانت بينك وبينه هي أسرار استكتمك عليها ولم يجعلها مباحة لغيرك فالأصل أنها أسرار لا يطلع عليها أحد، وقد قال أهل العلم: انه إذا كلمك شخص والتفت حينما يكلمك فاعلم انه سر.  والأصل أن تصون السر.
هنالك حالات شرعية يمكن أن يباح فيها لأجل مصلحة شرعية معتبرة لكن ليس لأجل الفجور والخصومة، الإنسان لا بد أن يكون حافظا للأمانة والخلاف لا يدوم. والخصومة لا تدوم وسوء التفاهم لا يدوم هذه الأمور تنتهي. ويضيف: قد يحصل ذلك فيما بين الناس فلماذا تفجر وتكشف أسرار أخيك وتبثها في الملأ وتخبر بها القاصي والداني فتزيد من فجوة الخصومة إذا كان يمكن ان ترجع الأخوة من بعد أو يصلح بينكما مصلح ويزول بينكما سوء التفاهم أو تكتشف أنك تسرعت في فهمه وتسرعت في النيل منه وسوء التفاهم ناشئ منك تندم حينئذ ولكن حالك لا يترقع معه لأنك لم تبق له شيئا فهذا الأمر أمر خاطئ.
على الإنسان ان يجعل قلبه متسعا لأحوال الناس ولأسرارهم وعليه ان يصونها وان يتقي الله جل وعلا في هذه الأسرار ويكتمها ما دامت فيها حاجة الى الكتمان. قد يكون الصاحب لصفاوة منه بينه وبين أهله إشكاليات في البيت ولربما يبوح لزميله لعله يساعده في علاج هذه الإشكاليات فحصل ذلك، ثم حصل بين الصاحبين سوء تفاهم فهل هذا الصاحب يقوم بنشر كل تلك الأسرار عن بيت صاحبه ويخبر به كل أحد، مثل هذه الأشياء فجور وخيانة.
ودعا الخوالدي الى أن يكون الإنسان رجلا مع السر ويملك نفسه ورجلا مع الخصومة فإن من أعظم صفات النفاق الفجور في الخصومة، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وقال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» فعلى الإنسان أن يصون نفسه في الخصومة ولا يفجر فيها سواء مع الصاحب أو مع البعيد.
إهمال الخصوصية
من الأمور الخاطئة التي يقع فيها الصاحب كما يشير إليها الشيخ الخوالدي «إهمال الخصوصية في بعض الخصوصيات»، تجد أن بعض الناس ليس عندهم شيء خاص في حياتهم كل شيء مباح أو يبوح به لأفراد من الناس وهذا أمر يوقعه في مثل هذه المزالق صاحبه هذا يعرف كل صغيرة وكبيرة عنه في بيته في علاقته مع أهله في مشاكله وفي أحواله، وهذا بلا شك بأنه من الخطأ والخطر فإن غِيَر الحياة ليست مأمونة.
والإنسان عليه أن يحتفظ بأسرار أو يحتفظ بأسرار لنفسه خاصة لا يبوح بها لأحد حتى لزوجه مع أنها مع أقرب الناس إليه، حتى يحفظ ما يحتاج الى حفظه وقد قال الشاعر قديما:
احذر عـــدوك مرة  *** واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق *** فكان أعلم من مضرة
لربما يحصل أن الصديق يعاديك ويفجر في الخصومة وليس معنى هذا الحذر أن يعادي الإنسان صديقه ولكن معناه أن يحتفظ الإنسان بشيء من خصوصياته يعلم ذاته إلا يكون ثرثارا.
الحكر على صديق
من الأخطاء كذلك «الحكر على صديق واحد»، وهنا يوضح الخوالدي أن بعض الناس يحصرون انفسهم مع شخص واحد في صداقتهم، وهذا أمر فيه تضييق على نفسه لأنك لن تجد مع شخص واحد كل ما تريد وما ينفعك بل ستجد مع هذا بما لا تجد مع الآخر فأنت تحتاج الى تنوع الأصحاب لأنك بذلك تزداد معرفة وتطلع على التعامل أو تستطيع التعامل مع نفسيات كثيرة وتستفيد من عقليات عدة وتستفيد من تجارب اكثر وربما يعينك هذا برأي ويعينك هذا بعلم ويعينك هذا بحسن خلق ويعينك هذا بنصيحة ويعينك هذا بحكمة كل واحد منهم ربما تجد فيه تمكنا من أمر قد لا يكون الآخر بتلك الدرجة من التمكن فيه ولذلك انت المستفيد، مع تحري ان تكون شروط الصحبة تتحقق فيه.
فقدان المصارحة
من الأخطاء «فقدان المصارحة والحوار فيما بين الأصحاب»، وهذا –كما يبيّن فضيلته- انه تجني على الصحبة والأصل بأن الإنسان عليه أن يعود نفسه دائما أن يكون صريحا ومصارحا مع صاحبه، فالأصل انه ليس بينك وبينه حجب أو سدود حتى تبوح له وتكلمه فماذا يعني مثلا أن يصلك شيء عنه وتعتمد ذلك الشيء لأنه جاءك من ثقة مثلا وذلك صاحبك في الأصل وتعتب عليه وتتنكر له وتنصرف عنه، والرجل المسكين بريء مما اتهم به وكل ينقل الثقات مالا يضبطون وكم يقع الناس تحت هذا المفهوم في نقل أشياء ليست لها أساس من الصحة فما يضيرك أن تصارح صاحبك.
هذا الأمر «فقدان المصارحة والحوار» عند كثير من الناس فيه تقصير بالغ ولو أن هذا الأمر يكون حاضرا في حياتنا الأسرية والاجتماعية لانحلت الكثير من الإشكاليات.
غرام وهوس..
أما الأمر الأخير «كثيرا من الناس عندهم غرام او هوس بالصحبة الافتراضية» وهم كما يذكر الخوالدي: صفر في الصحبة الحقيقية وهذا من مفرزات هذا العصر، تلقى شخصا شابا عنده ألف صاحب في وسائل التواصل المختلفة يتابعونه ويتابعهم يداعبونه ويداعبهم يبثون له هموهم ويبث لهم همومه يطلعهم على أحواله وخصوصياته بشكل فج، والآن بالصوت والصورة، ولما يأتي الواقع لا يتفوه بكلمة أمام الناس كونه فقط يتعامل من خلال الشاشة وسائل التواصل. إن مثل هذه الأمور لا بقاء لها لأنها متغيرة فلا يخدع الإنسان نفسه بها. فالشخص عندما تحدث معه إشكالية فليثق تمام الثقة بأنه لن يستطيع التكلم إلى أشباح ولن يعالج الأشباح لك إشكاليتك، سيعالجها الشخص الذي تواجهه وجها لوجه خبرته تعرفه وتثق فيه وتعلم بأنه ناصح لك يجلس إليك وتجلس إليه.
ونبّه الى انه على الشباب ألا يفتتنوا كثيرا بمثل هذه الصحبة الافتراضية ويتركوا الصحبة الحقيقية نحن خلقنا لأجل أن نكون في هذه الدنيا نعمرها تعميرا حسيا واضحا بيّنا جعلنا الله أمة واحدة جعل بيننا أسس ترابط وإخاء وصفاء وتواد وتعاون وتعاضد حقيقي وهذا الأمر لا بد أن يبقى لا ينبغي أن يشغلنا عنه مثل هذه الأمور بل ما قد تشتمل عليه هذه الصحبة الافتراضية من محاذير تجد عنده أصحاب مع رجال ونساء صديق وصديقه، ويتباهى أمام الناس بأن له صديقه وهي امرأة أجنبية قد تكون لها مآرب من صحبتها له وكأن الأمر أمرا طبيعيا، والشرع يحظر على الرجل أن تكون له صاحبة أو صديقة من النساء، فقط هي الزوجة.
والإنسان واقع بسبب ذلك في حظه من الزنا لا محالة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «العينان تزني وزناهما النظر، والأذنان تزني وزناهما السمع، واللسان يزني وزناه الكلام، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها السعي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه»، هذه كلها مراتب في الزنا – عياذا بالله -يقع الشخص فيها، فلذا على الإنسان رجلا كان أو امرأة أن يتقي الله تعالى في نفسه فيما يتعلق بأمر صحبته.
مع الرجال لا يُغرق في ذلك وإنما يلتفت الى الصحبة الحقيقية التي تكون مع أشخاص حقيقيين هي الأبقى والأنفع وهي التي تعين الإنسان على مهامه في الحياة.