الحرب الإلكترونية .. والحفاظ على الوحدة الوطنية !

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي –

أفرز التطور التقني في العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة منظومة جديدة في الاستراتيجيات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الفكرية حيث أصبحت الحرب الإلكترونية أشبه بالحرب النفسية التي استخدمت في الماضي لإضعاف الروح المعنوية للجيوش والشعوب معا ، وكانت تلك الحرب النفسية تستخدم بطرق تقليدية خاصة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية كما استخدمت ألمانيا النازية آنذاك وزير الدعاية الشهير «جوبلز» لإطلاق نظرية المبالغة ، والتي مع تكرارها ، تنتهي بالقبول من الرأي العام .

مع هذا التطور التقني المذهل بدأت الدول المتطورة وحتى النامية استخدام تلك التقنية في التأثير على الأفراد والجماعات بهدف تحقيق اهداف مستقبلية وإضعاف الثقة بالنظم السياسية المستهدفة ، من خلال تكوين ما يسمى الآن بالجيوش الإلكترونية والتي أصبحت ظاهرة بشكل كبير، وتنشط من خلال اندلاع الأزمات السياسية والصراعات المسلحة كما يحدث الآن في عدد من الدول العربية .
وتمثل شبكات التواصل الاجتماعي احد اهم الأدوات التي تستهدف الوحدة الوطنية وإضعاف الثقة بالنظام السياسي لأي دولة يتم استهدافها ، حيث تمثل الرسائل المتواصلة حول عدد من القضايا ذات الشأن المحلي ، وسيلة لإحداث تلك الهزة بين الأفراد والجماعات ، ولعل الأوضاع الاقتصادية ، والهوية التاريخية ، تمثل اكبر الأهداف التي تستهدف النظم السياسية ، بهدف إحداث خلل اجتماعي واستحداث جدل دائم بين أفراد المجتمع خاصة بين الشباب.
هناك استهداف واضح الآن يمكن تسجيله من خلال جملة من الحملات والرسائل والتي تستغل البعض من خلال آليات التشكيك ورسم صورة سوداء للمستقبل ، وأن الأمور تسير بشكل سلبي ، والزعم بأنه ليس هناك شيء جميل ، أو انجاز يشار له بالبنان ، وهذه الروح الانهزامية التي تخطط لها الجيوش الإلكترونية ، هي نفس الوسائل القديمة التي كانت تبث في أوروبا وخاصة من إعلام ألمانيا النازية تجاه اعدائها في الحرب العالمية الثانية ، وكان لها نتائج خطيرة ، حيث سقطت مدن اوروبية ، حتى قبل ان يدخلها الجيش الألماني من خلال تلك الخطة الإعلامية الدعائية .
ان الحرب الإلكترونية هي حرب حقيقية ، وسوف تزداد ضراوة في المستقبل القريب ، مع تواصل الاختراعات في مجال التقنية ، ومع ميل بعض الأنظمة السياسية لاستخدامها ضد أنظمة سياسية اخرى ، لتحقيق اهداف استراتيجية على المديين المتوسط والبعيد . ولعل استغلال بعض الأفراد من المجتمعات المحلية للمشاركة في ذلك ، يعد من الأمور الخطيرة ، حيث يساهم ذلك في التأثير الأكبر من تلك القلة على الأكثرية ، من خلال استغلال بعض أوجه القصور في احدى القضايا الاجتماعية والاقتصادية ، ومن هنا فإن المصلحة الوطنية تقتضي الحرص على مواجهة تنامي تلك الهجمة الإلكترونية من خلال تلك المنصات الاجتماعية التي أصبحت تشكل هاجسا امنيا لعدد من الدول في المنطقة وخارجها ايضا .
ان وجود منصات اعلامية مضادة هو امر مهم وحيوي للتصدي لمثل ذلك التشويش المنظم والمتعمد ، والذي أصبح مفضوحا وشخوصه معروفة ، ولعل متابعة التقارير من كبرى الصحف الغربية وتسريب الوثائق ، اتاح للدول المستهدفة فرصة كبيرة للتعرف على الأهداف الاستراتيجية لبعض النظم السياسية المعادية ووجود خطط للنيل من الاستقرار المجتمعي ، وخلق حالة من عدم اليقين بمستقبل الأجيال القادمة ، والتركيز على الأمور ذات العلاقة بحياة الناس المعيشية ، وهذا هو الهدف الأكبر لخلق تلك الزعزعة ومحاولات التشكيك.

الوحدة الوطنية والرأي العام
عدد من الدراسات الاعلامية والسياسية تشير الى اهمية الوعي من قبل الرأي العام المحلي بمسألة الوحدة الوطنية ، والتي تعد السياج الاهم في مسار الدول الوطنية، وعادة ما يتم استهداف الرأي العام المحلي ، بسبب أي سخط شعبي طارئ للعمل على تغذية ذلك الشعور، والدفع بالرسائل التي تستهدف المبالغة في الطرح ، وحتى بث الشائعات والأخبار المضللة ، حتى تتمكن تلك المعلومات من المواطنين وتتسع دائرة السخط الشعبي ، وبذلك تكون اولى الخطوات التي تستهدف الوحدة الوطنية قد بدأت تؤتي أكلها كما يقال .
ان الاعلام في الدول الوطنية عليه دور مضاعف في ظل هذا المناخ التقني المعقد ، وهناك فرق بين النقد الموضوعي ، الذي يستهدف حل عدد من الإشكاليات والمسائل التي تهم الرأي العام ، وتستهدف معيشته، وبين وسائل التحريض التي تعد مجالا خصبا لزرع الفتنة والشقاق والكراهية بين الأفراد والمجتمعات. ومن هنا فإن مسالة الجيوش الإلكترونية اصبحت واقعا ، وهناك خطط ترسم لتحقيق الأهداف ، ومع مرور الزمن ، سوف يتم تغيير الأساليب الحالية بأخرى مبتكرة ، ولن تمر أي أزمة اقتصادية طارئة دون تواصل الهجمة الإلكترونية ، لأن التكرار هو احدى الآليات التي لابد منها لتحقيق تلك الأهداف السلبية .
ان الوحدة الوطنية لأي بلد ، هي السياج الأهم ، والعبث بهذه الوحدة تحت أي ظرف ، هو أمر مرفوض، ولا يمكن القبول به حتي في الدول المتقدمة ، وهناك أقوال تتحدث عن الحفاظ على الأمن والاستقرار حتى لو تعارض ذلك مع قضايا حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الانسان . وهذا لأن الوحدة الوطنية والحفاظ عليها ، يسبق وينبغي ان يسبق في الاولوية ، أي أمور أخرى ، ولا جدال في ذلك . ومن هنا فإن المجتمع ومن خلال حرصه على وطنه هو السياج الأهم للمحافظة علي الوحدة الوطنية ، وإفشال أي مخطط لزعزعة تلك الوحدة التي اصبحت من الأمور التي تعاني منها دول عديدة في المنطقة وخارجها ، بسبب ذلك الاختراق الذي تسبب بتدمير تلك المجتمعات ، والتي أصبحت مادة اعلامية يومية من خلال نشرات الأخبار والتقارير الإنسانية التي تعبر عن الوجع اليومي للإنسان في تلك المجتمعات ، بسبب الفتن والاختراقات الخارجية وحتى الداخلية اصبحت تعيش مآسي حقيقية ، بعد ان دمرت بنيتها الأساسية او معظمها بسبب الصراعات المسلحة .

الفوضى الخلاقة
ان نشر الفوضى في الدول العربية بشكل خاص ، هي خطة امريكية كشفت عنها وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس ، وهي ايجاد فوضى منظمة في الدول العربية بشكل خاص ، وبعد ذلك اعادة تشكيل تلك الدول الوطنية ، من خلال غرس مفاهيم الطائفية ، ومحاولة تقسيمها الى كانتونات صغيرة ، بحيث تكون اسرائيل في نهاية المطاف هي التي تتحكم في الاقليم . ومن هنا فإن الجزء الأهم من الخطة واضح للعيان في العراق وسوريا واليمن وليبيا واستهداف مصر وتونس ولبنان مما يوحي بأن المناخ الإلكتروني قد ساهم بشكل كبير في الأحداث المأساوية التي حدثت خلال السنوات الأخيرة .
ان العرب قد وقعوا ضحية خلافاتهم وعدم قراءتهم للأحداث بشكل صحيح ، ولعل مسألة الاستقرار والأمن وتماسك الوحدة الوطنية اصبحت من الأمور الصعبة في عالم يتسم بالمؤامرات حتى بين العرب انفسهم ، واصبح عدم اليقين وعدم الثقة هو السائد الآن ، ولعل الأزمة الخليجية هي مثال صارخ على ما نقول ، وهذا يعطي دروسا مجانية ، بأن الذي يفرط في هويته ووحدته الوطنية ، سوف يكون عرضة للتقسيم والتدمير والتدخلات الخارجية من الشرق والغرب ، ولعل الحالة السورية والعراقية ، هي أمثلة واضحة للعيان ، بدرجات مختلفة .
ان الحرص على أمن الوطن وسلامته ووحدته الوطنية ، هي من القضايا الكبري ، ولا يمكن اعطاء التبرير تحت أي مستجدات طارئة للتضحية بالأوطان ومكتسباتها . ومن هنا فإن رسائل الوعي من خلال الإعلام الوطني لابد ان تتكثف ويكون هناك فصل كبير بين مناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية لإيجاد الحلول لها ، لصالح المواطنين ، وبين الدخول في قضايا استراتيجية تحت دعاوى واهية لا تحمل أي مضمون وطني ، ولعل المجتمعات قبل الحكومات هي الضامن الأساسي للاستقرار بحكم طبيعة الإنسان الذي يريد ان يعيش في مجتمع يأمن فيه على نفسه وأهله ومصالحه ، وهذا هو أقصى درجات الأمان النفسي والحياتي لكل شعوب الارض . ومن هنا فإن الحكمة تقتضي الحذر واليقظة لتلك المستجدات ، خاصة على صعيد الهجمات المعلوماتية المضللة ، والتي تستهدف الأوطان والمجتمعات من خلال مغامرات طائشة لا تحسب للنتائج أي حساب ، ومن خلال استغلال احداث محلية قليلة الأهمية في كثير من الاحيان . وجدير بالحكومات ان تعمل على ايجاد بدائل وحلول من خلال اجراءات محددة ، ومن خلال نقاش مجتمعي يقوم على الشفافية والموضوعية والمشاركة الأوسع للمواطنين في البحث عن حلول لها .

استغلال القضايا الوطنية
واذا كانت مسألة الباحثين عن عمل في السلطنة ، هي مسألة معروفة ، وتحتاج الى آليات وحلول ، بحيث يجد المواطن فرصة عمل في وطنه ، كما ان هناك بالتأكيد جهودا كبيرة تبذل في سبيل ذلك ، من جانب الحكومة ، ومع ذلك فإن هناك استهداف وطني لا شك فيه ، من خلال متابعة النشاط الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي التي لا تتحدث عن تلك الجهود ولا حتى عن آليات ينبغي للحكومة ان تستمع اليها لحل مسألة الباحثين عن عمل ، ولكن الاستهداف يتم من خلال القفز على الواقع ، والتشعب تجاه مسائل فرعية تعمد الى التشكيك ومحاولة الحد من اهمية العمل والاتجاه الوطني نحو البناء والتنمية الشاملة . ومن هنا فإن استغلال موضوع التشغيل ينبغي ان يتم التعامل معه ، من خلال التواصل مع الجهات المختصة والمسؤولة وذات الصلة به وليس من خلال الهواة او المغرضين . ان الجيوش الإلكترونية تعمل بلا كلل ، وللأسف هناك من الداخل من يزودها بالمعلومات المضللة ، بحيث تنتشر الشائعات ، وإثارة التشكك وعدم اليقين في مختلف البرامج الوطنية والسياسات التي تتواصل في كل القطاعات بشكل حقيقي وملموس ، ومن هنا فإن المنصات التي تفند وتفضح أهداف تلك الهجمات الكاذبة تظل مسألة في غاية الاهمية من خلال وجود المنصات المضادة ، فالحرب الإلكترونية هي حرب مفتوحة ، ولا شك ان التماسك الاجتماعي وحب الأوطان هو الوسيلة الوحيدة التي سوف تفشل هذه الهجمات ، وتدمر خططها وأهدافها المعادية .