نوافـذ: هوس .. بـ«الوجاهة»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يسرني هنا أن أشير إلى أنه جاءت تعقيبات وتعليقات كثيرة على مقال الأسبوع الماضي الذي نشر في هذا الزاوية تحت عنوان: «لماذا يكذب هؤلاء؟» – فلكل هؤلاء الأساتذة الأجلاء كل الشكر والتقدير – وهي تعليقات تستنكر هذا الفعل المشين من قبل أولئك الذين آلوا على أنفسهم إلا أن يركبوا هذا المرتقى المعرفي من غير وجه حق، وإنما انقياد لتحقيق غرض متواضع لا يخرج بهم أكثر عن الـ«وجاهة» التي تأتي في غير محلها؛ وهذه الوجاهة التي تحمل عناوين كثيرة من بين المفاهيم السائدة في المجتمع، وهي عناوين مقبولة ومباركة، ولكن على أن تكون في محلها، أما أن تستجلب بطرق معوجة؛ لا يقرها قانون ولا عرف اجتماعي، فهنا يكمن الخطأ؛ لأن خطأ التأسيس يتبعه خطأ في الممارسة بعد ذلك، وخطأ الممارسة كما هو معروف يعقبه خطأ في النتائج، وخطأ النتائج يفضي إلى قاعدة هلامية غير مؤسسة على قواعد علمية أو عرفية على أقل تقدير.
ومن بين التعقيبات التي استوقفتني أكثر التعقيب الذي يقول فيه صاحبه بتصرف: «في اعتقادي لدينا نحن العرب والعمانيين خاصة «هوس» بالوجاهة، والبحث عن التميز ولو كان واهيا؛ رقم سيارة، رقم نقال مميز، لقب شيخ، وقس على ذلك؛ ذات يوم كنت في مهمة عمل للمشاركة في أحد المؤتمرات برفقة أحد الزملاء، فقال لي: أرجوك لا تنادني بـ«دكتور»؛ لأن المنظمين سيطلبون مني المشاركة في النقاش وإدارة الجلسات. ويضيف: هذا تزوير يعاقب عليه القانون، ولكن السلطات المختصة لا توجه لهم الاتهامات؛ لأن من بينهم فلانا وفلانا، ولأن ذلك يرقى إلى التشهير بهم وفضحهم أمام مجتمع لا يرحم، وبالتالي الحل الأنسب هو حفظ الموضوع.
ليس من المبالغة في القول: إن بعض مؤسسات التعليم العالي – ويقصد خارج السلطنة – أصبحت مثل «ماكدونالد» اطلب الشهادة من هذا الشباك واستلمها من الشباك الآخر» – انتهى النص -.
هناك من يرى أن هاجس هذه المسألة «الوجاهة» هو هاجس نفسي «ذاتي» أكثر منه ضرورية مجتمعية، لأن المجتمع في مناخاته الكثيرة هو أيضا لا يقر هذا الترقي الوجاهي بصور ملتوية، بينما يجلها في مواقعها الحقيقية، ويرى فيها امتدادا لأصالة المجتمع نفسه، من بين المجتمعات الأخرى التي يتقاسم معها مختلف التجاذبات الوجاهية، ويرى من تتحقق فيه الوجاهة على أنه سند لمهام كثيرة، ويعتز ببنوته، أو بأبوته على قدر سواء، ولكن للمبالغة الكبيرة التي يجل فيها المجتمع أصحاب الوجاهات تغري في المقابل أولئك الذين تخونهم أنفسهم وتوسوس لهم عن عدم قدرتهم على الوصول إلى ذلك، وبالتالي يجازفون بالدخول في هذا المعترك بمثل هذه الطرق المعوجة، فيقعون في مصيدة الهزيمة.
تسعى النظم الحديثة إلى الحد من هذا الهوس، وذلك من خلال المساواة في مختلف الأنشطة والعلاقات التي تربط الناس بعضهم ببعض، والعبارة «الناس سواسية أمام القانون» لم تأت من فراغ، وإنما تكريس لمبدأ المساواة بين الناس في مختلف شؤون حياتهم اليومية، وأما ما يحدث بين أحضان المجتمع من توازنات اجتماعية مختلفة يوظفها الناس بغية المحافظة على التعاقدات الاجتماعية المتعارف عليها فيما بينهم فهذه مسألة أخرى لا يصطدم بها القانون بصورة مباشرة، حتى لا يحدث إرباك في مختلف علاقات التشابك القائمة بين أفراد المجتمع، ويترك التميز والتفرد والسعي إلى الترقي إلى مستويات مختلف هذه «الوجاهات» وهي شأن فردي من خلال وسائل مشروعة كثيرة، فليس هناك على سبيل المثال من ضرر بأن يسعى الفرد إلى مواصلة دراساته العليا والحصول على أعلى الشهادات للارتقاء بمستواها المعرفي الذي يوصله؛ بلا أدنى شك؛ إلى مستويات سامية من تقدير أبناء المجتمع له، وإنزاله المنزلة المباركة فيما بينهم، تقديرا لمكانته العلمية الحقيقية، وليست المكانة العلمية الـ«مزورة»، وكذلك ليس هناك من إشكالية لأن يسعى الفرد في المجتمع لأن يؤسس مصدر رزق واسع ينقله من حالة الضنك إلى حالة من الرفاه المادي الذي بدوره يوصله إلى مصاف رجالات الأعمال الكبار الذين يشار إليهم بالبنان، بحيث يكون ذلك من خلال التدرج المستند على روح المبادرة والابتكار، وما يضيفه هو من إمكانيات ومواهب للارتقاء بمشروعه ليصبح من المشروعات المتحققة في مجالات ريادات الأعمال، وأما أن يوظف مواهبه هذه من خلال السرقة، أو التحايل على الناس والقانون، ويقاس على ذلك أمثلة كثيرة في الحياة.