الإعـلام.. وقانـون الجـزاء

أ.د.حسني نصر –
hosnin@gmail.com –

في الحادي عشر من يناير الجاري أصدر جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- المرسوم السلطاني رقم (7/‏‏‏2018 ) بإصدار قانون الجزاء الذي ألغي قانون الجزاء السابق الذي كان قد صدر في العام 1974، وقد أصبح القانون الجديد نافذا ومعمولا به اعتبارا من يوم الاثنين الماضي الموافق الخامس عشر من يناير بعد نشره في ملحق عدد الجريدة الرسمية رقم 1226 الصادر في 14 يناير 2018.
نحن إذن أمام قانون جديد يعد من أهم القوانين التي تضبط حركة البشر وتحدد الحقوق والواجبات الفردية والجماعية وتحقق أمن وسلامة المجتمع، وبالتالي فإن الاهتمام به يجب ألا يقتصر على القانونيين من المحامين ورجال القضاء فقط، ويجب أن يصل للمواطن العادي بكل سبل النشر الممكنة. والواقع -وبحكم التخصص- فإن ما استوقفني في القانون الجديد هو ما يتعلق بجرائم النشر والصحافة بمنصاتها المختلفة. دائما ما نقول إن قوانين العقوبات (الجزاء) تعد من أهم القوانين التي تحكم الصحافة في كل دول العالم، وأن الإحاطة بالواقع التنظيمي القانوني للإعلام في أية دولة تفرض الإحاطة الجيدة بهذه القوانين وغيرها من القوانين ذات العلاقة بالصحافة، وليس فقط قانون المطبوعات والنشر. ولذلك فإن المنظمات الدولية المعنية بقياس حرية الصحافة في العالم تضع هذه القوانين على رأس محددات الحكم على درجة الحرية التي تتمتع بها الصحافة في الدول المختلفة.
ورغم أن مساحة التغيير في المواد الخاصة بجرائم النشر والصحافة في قانون الجزاء الجديد تبدو محدودة، مقارنة بالقانون السابق، إلا أن الصحفيين يجب ينتهزوا فرصة صدور هذا لفهم القانون جيدا، كما أنه على منظمات المجتمع المدني المعنية بالعمل الصحفي، وعلى رأسها جمعية الصحفيين العمانية أن تنظم حلقات عمل لتوعية أعضائها بالمواد المتصلة بالعمل الصحفي في هذا القانون. من المهم أيضا في هذا العصر الرقمي الذي أنتج لنا ملايين المواطنين الصحفيين القادرين على نشر المعلومات والآراء عبر الفضاء الإلكتروني أن يتم توعية الناس بما يتضمنه هذا القانون الجديد من جرائم وعقوبات، خاصة وأن المادة الخامسة من القانون تؤكد أن الجهل بالقانون لا يعد عذرا يمنع المحاكم من توقيع العقوبات المنصوص عليها فيه.
في ضوء ما سبق يصبح من المهم تقديم قراءة لأبرز مواد قانون الجزاء التي تتعلق بجرائم النشر والعلانية، ووضع هذه المواد أمام الصحفيين المحترفين والمواطنين الصحفيين، وهو ما قد يجنب الكثيرين الدخول في مشكلات قضائية هم في غنى عنها. في هذا الإطار يجب أن ينتبه الصحفيون إلى أن المادة التاسعة من القانون، والتي وردت في الأحكام التمهيدية، قد وسعت مفهوم العلانية، أي النشر، ليشمل الكتابة أو الرسوم أو الصور أو المواد المسموعة أو المرئية أو المقروءة أو غيرها من طرق التعبير. ويعني هذا أن نشر ما يتضمن جريمة وفقا للقانون سوف يكون خاضعا لأحكامه، إذا تم نقلها بأي وسيلة تجعلها متاحة للجمهور. وغني عن القول إن المقصود بالإتاحة للجمهور هنا هو النشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
على الصحفيين ومستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي أن يعلموا، وفقا للمادة 102 من القانون، أن الطعن والعيب في ذات رئيس دولة أجنبية أثناء وجوده في السلطنة، أو في سفير دولة أجنبية معتمد لدي الدولة، يمثل جريمة من الجرائم الماسة بأمن الدولة، ويعاقب من يرتكبها بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن ثلاث سنوات. وتجرم المادة التالية أي فعل من شأنه إهانة علم أو شعار دولة أجنبية، أو علم منظمة إقليمية أو دولية. ولا يقتصر الأمر هنا على إنزال هذا العلم أو إتلافه، ولكن يمتد ليشمل أي عمل آخر يعبر عن الكراهية والازدراء. وهو ما قد يعني ضمنا نشر صور أو رسوم للعلم أو الشعار تعبر عن الكراهية والازدراء.
ويضع القانون نشر الأخبار الكاذبة، ضمن جرائم أمن الدولة، التي يعاقب مرتكبها بالسجن، إذ تنص المادة 115 علي عقاب من «حرض أو أذاع أو نشر عمدا في الداخل أو الخارج أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة، وكان من شأن ذلك النيل من هيبة الدولة أو إضعاف الثقة في أسواقها المالية أو مكانتها الاقتصادية والمالية». وفي الجرائم المخلة بسير العدالة يجب أن ينتبه الصحفيون إلى المادة 248 التي تعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات كل من أخل علانية (أي بطريق النشر) بالاحترام الواجب للقضاء على نحو يشكك في نزاهته، وهو ما يعني عدم التعليق على الأحكام القضائية، وهو نص معمول به في كل دول العالم تقريبا ولا غبار عليه. وأقرت المادة التالية السجن والغرامة على كل من نشر بإحدى طرق العلانية «دون إذن من الادعاء العام أو المحكمة المختصة أخبارا في شأن تحقيق قائم، أو الدعاوى التي قررت المحكمة نظرها في جلسة سرية أو حظرت فيها النشر». كما جرمت نفس المادة نشر أسماء أو صور المتهمين أو المحكوم عليهم. والجديد في هذه المادة أنها ساوت بين المتهمين وبين المحكوم عليهم في عدم السماح لوسائل الإعلام بنشر صورهم، إذ تقصر قوانين الجزاء والعقوبات والصحافة في دول كثيرة هذا الحق علي المتهمين الذين لم تتم إدانتهم بعد.
ولعل من أهم ما تتضمنه قوانين الجزاء ويتعلق بالنشر الإعلامي، جرائم القذف والسبّ، وهي أكثر الجرائم التي يعاقب عليها الصحفيون وتثير جدلا في العالم. وتبدو العقوبات المقررة في قانون الجزاء للسب والقذف جيدة مقارنة بقوانين أخرى كثيرة. وتعاقب المادة 326 على القذف بإحدى طرق العلانية بالسجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن 500 ريال عماني ولا تزيد على ألف ريال أو بإحدى العقوبتين، وتنخفض العقوبة إلي النصف تقريبا في جرائم السبّ وفقا للمادة 327. ورغم أن المادة 329 تجرم القذف والسبّ في حق الموظف العام أثناء أو بسبب تأديته وظيفته إلا أن المادة 333 تعفي الصحفي من هذه الجريمة في حالتين، هما: إذا أثبت صحة الواقعة متى كان إسنادها موجها إلى موظف عام وكانت الواقعة متصلة بالوظيفة، والثانية في حالة إثبات حسن النية من جانب من قام بالنشر. ورغم أن القانون يضع عبء الإثبات في جرائم القذف على الصحفي وليس على المقذوف في حقه، فإن إباحة القذف في حق الموظف العام أمر جوهري لقيام الصحافة بواجباتها في المجتمع.
من المهم أن يقرأ الصحفيون ورواد شبكات التواصل الاجتماعي القانون الجديد قراءة متأنية، ومن المهم أيضا أن يلتزم الجميع بما ورد به، للحفاظ على مجتمع إعلامي صحي خال من المنغصات والقضايا.