مجلس الشورى وقضايا التجارة المستترة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

تتميز نوعية الأسئلة التي يطرحها أعضاء مجلس الشورى في كل دورة جديدة لها بالرقي في الطرح، باعتبار أن ذلك من واجبهم في توصيل الرسالة إلى المسؤول، وترتبط تلك التساؤلات مباشرة بكل ما هم يهم الشأن المحلي والقضايا التي تهم الوطن والمواطن، دون أن يقوم العضو المتسائل بتضييع أوقات المسؤولين والحاضرين في طرح مقدمات طويلة ومملة، الأمر الذي يؤكد بأن وجود الأعضاء المتعلمين والملمين بمفاهيم الأعمال التجارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافة العامة في المجالس الرسمية أصبحت من المتطلبات التي يجب توفرها في العضو الذي يتقدم للدخول في مثل هذه المجالس التي تهتم بقضايا المواطنين اليومية. وهذا ما نؤمل أن تتمخض عنها الانتخابات القادمة لمجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عمان التي سوف تجرى قريبا بعد صدور النظام الجديد للغرفة.
فمن الموضوعات التي تثار في كل جلسة مع بعض الوزراء المعنيين عن الوزارات الخدمية هو “موضوع التجارة المستترة” الذي لاقى في الجلسة الأخيرة لمجلس الشورى مع معالي الدكتور علي بن مسعود السنيدي وزير التجارة والصناعة اهتماما كبيرا من الطرح سواء من الضيف أو أعضاء المجلس. وقبل الدخول في الحديث عن التجارة المستترة، نشير إلى أن معالي الوزير ربط بعض القضايا التجارية بهذه الظاهرة من خلال ما ذكره في بيانه السنوي، مشيرا إلى أن الوضع الاقتصادي في السلطنة في عامي 2015 و2016 لم يكن مناسباً للإعلان عن قانون الإفلاس، حيث يجب أن تكون الدولة في وضع اقتصادي جيد عند إصدار مثل هذه القوانين، لتجنب تبعات عدم قدرة بعض المؤسسات على الاستمرار، مؤكدا أن الوزارة ترفض اعتماد أي مشروع اقتصادي في عام ٢٠١٨ بدون دراسة جدوى اقتصادية شاملة، وسيكون هناك قانون يلزم كل مؤسسة بأن تقدم إفصاحًا ضريبيًا، يسهّل معرفة خبايا الأمور ومن بينها التجارة المستترة والشركات الوهمية، لافتاً إلى وجود فريق من وزارتي التجارة والصناعة والقوى العاملة وشرطة عمان السلطانية للنظر في الشركات التي يشك بأن ملاكها لا يتفرغون لإدارتها. كما أكد الوزير أنه تم إيقاف العديد منهم، في الوقت الذي تسعى فيه الوزارة إلى إيقاف القرارات التي تؤثر على توسع القطاع الصناعي في الفترة المقبلة لتضمن استقرار هذا القطاع.
أما الأعضاء فقد تساءلوا عن الأسباب التي أدت إلى تأخير صدور قانون التجارة المستترة والقوانين الأخرى المتعلقة بقطاعي التجارة والصناعة، وما ينتج عن ذلك من فقدان التوازن بين أعداد المواطنين والوافدين في الوظائف العليا والمتوسطة في المؤسسات والشركات التي تدار بالقطاع الخاص. فعدد الوافدين في هذه المؤسسات يتزايد كل عام في الوقت الذي يتزايد فيه أعداد المواطنين الباحثين عن العمل في القطاعين الحكومي والخاص. فقطاع واحد مثل البناء والتشييد أصبح عدد الوافدين العاملين به يصل اليوم إلى 700 ألف عامل وافد. وهناك آلاف الشركات الصغيرة في هذا القطاع والتي تدار بأسس التجارة المستترة، بينما السمة الغالبة للكثير من المحلات والدكاكين في المحافظات والولايات العمانية هو أن ملاكها في الباطن هم الوافدون الذين يستفيدون من هذه المؤسسات ويقومون بتحويلات مالية سنوية تؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد الوطني.
وعلى مرّ السنوات أصبحت التجارة المستترة ظاهرة سلبية في المجتمع العماني، وتحديا يواجهها سوق العمل، وتؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد الوطني وسياسات الاستقرار الاقتصادي، كما تعمل هذه الظاهرة على منافسة المؤسسات الصغيرة التي تدار بأيدي العمانيين وتزيد بالتالي من أعداد الباحثين عن العمل. وإذا ما تمعّنا في بيانات التحويلات السنوية، نجد أن أغلب الأموال الناجمة عن هذه التجارة يتم تحويلها إلى خارج السلطنة بشكل مباشر أو من خلال الطرق الملتوية ناهيك عما تشكله هذه التجارة من سلبيات وتخلق منافسة غير مشروعة مع مؤسسات المواطنين ممن يديرون المشاريع الصغيرة، وما يترتب عن هذه المؤسسات من حالات استغلال والغش التجاري، فيما يقوم بعض الوافدين باحتكار الأنشطة التجارية ومساعدة بعضها البعض على حساب أصحاب المؤسسات التي تدار من قبل العمانيين. كما أن آثار التجارة المستترة لا تقتصر فقط على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي فحسب بل إنها تشكّل أيضا ضغطا على الخدمات الصحية والمرافق العامة وتعمل على استنزاف الموارد الطبيعية، الأمر الذي يؤدي بالحكومة إلى زيادة الضرائب والرسوم على معاملات الوافدين سواء من حيث استقدام العمالة أورسوم الإقامة والهجرة الصحة والبطاقة وغيرها من الرسوم الأخرى.
ومن هذا المنطلق اتخذت الحكومة من خلال وزارة التجارة والصناعة خلال الفترة الماضية عددا من القرارات لمحاربة التجارة المستترة، منها إيقاف عدد من السجلات التجارية المنتهية التي لم يتم تجديدها، وعدم التعامل معها، في الوقت الذي تستمر فيه الوزارة والجهات المعنية الأخرى بمراقبة جميع المؤسسات والشركات التي لم تجدد سجلاتها، أو تلك التي تمتلك عددا كبيرا من هذه السجلات للحد منها، وعدم إفساح المجال لها بالعمل من خلال التجارة المستترة، مع إعطاء الأولوية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تدار بأيد وطنية أو من خلال الاشتراك مع الوافدين، بهدف الحد أيضا من القوى العاملة السائبة أو الهاربة، الأمر الذي يهيئ الأرضية المناسبة للحد من هذه الظاهرة التي تؤرق الاقتصاد الوطني.
الجميع على علم بأن “ التجارة المستترة” نوقشت في كثير من المنتديات والفعاليات، وكانت من القضايا التي أثيرت في الخطاب السامي لحضرة جلالة السلطان قابوس المعظم – حفظه الله ورعاه – بسيح الشامخات بولاية بهلا في عام 2013 ، حيث كان لحديث جلالته صدى كبير في المجتمع العماني عندما قال: “ان الأيدي العاملة الوافدة باتت تنخر في عظام الاقتصاد الوطني وأنها تضر بالاقتصاد العماني، وما يترتب عن هذه التجارة غير المشروعة هو خروج المليارات من الريالات خارج الوطن في شكل تحويلات مالية تقوم بها الأيدي العاملة الوافدة وخاصة العاملة في التجارة المستترة”. وأضاف جلالته: “ أريد ان أقول بكل وضوح هو أن نبتعد عن التجارة المستترة، لأنها ليست في صالح أبنائنا وبناتنا، ولا في صالح الكبار منهم”. وهذا يعني أن هناك شخصيات تجارية كبيرة تقوم بإدارة مؤسساتها من خلال أساليب التجارة المستترة، وهي أخطر بكثير من المؤسسات الصغيرة التي تدار بنفس الأسلوب المستتر، بل أن آثارها مضاعفة على الاقتصاد العماني. وقد أدرك المجتمع العماني أضرار هذه المؤسسات، خاصة وأن الكثير من التحويلات المالية من العملة الصعبة تؤثر بصورة كبيرة على الاقتصاد العماني، ولها مساوئ وسلبيات كبيرة على المدى الطويل. وقد بيّن جلالته أيده الله في حديثه مسألة تحويلات الأيدي العاملة، موضحا “أنها أكثر من الدخل الرسمي المعروف ويتم تحويل مليارات الريالات الى الخارج سنويا مؤكدا جلالته ان على الحكومة وكل فئات المجتمع أن يقوموا بواجبهم حتى تنتهي هذه التجارة المستترة”.
ووفقا للأرقام الأخيرة فإن قيمة تحويلات العاملين بلغت في نهاية عام 2016 نحو 3.952 مليار ريال عماني أي بواقع 10.27 مليار دولار أمريكي، مقارنة مع 4.266 مليار ريال عماني (10.98 مليار دولار) في عام 2015 بنسبة تراجع قدرها 6.4% نتيجة لتراجع أعداد الأيدي العاملة الوافدة لدى المؤسسات والشركات بفعل تراجع أسعار النفط العالمية من جهة وتسفير عدد كبير من أعداد الأيدي العاملة الهاربة وتلك التي كانت تعمل بطرق ملتوية من جهة أخرى. وقد بيّن جلالته في حديثه بأن “ التجارة المستترة تأكل وتنخر في عظم الاقتصاد العماني وبالتالي تقلل الفرص المتاحة لأبنائنا وبناتنا في إيجاد العمل المناسب لهم” مؤكدا جلالته ان هذا العمل “أصبح غير مقبول جملة وتفصيلا”، وهذا ما يجب على الفرد في المجتمع العماني فهمه واستيعابه وتوعية كل شخص يعيش حوله، ليتمكن المواطن العماني العمل في بيئة اقتصادية وتنافسية وصحية.