القوى المؤثرة المرشحة للظهور في العالم

مرتضى بن حسن بن علي –
appleorangeali@gmail.co –

منذ أن أتى الإمبراطور المستنير « ميجي» للحكم «١٨٥٢-١٩١٢» ، تمكن من تحويلها من دولة متخلفة تعتمد على الصيد والزراعة وتعج بالصراعات القبلية الى دولة متطورة عبّرت عن قوتها الجديدة في كل الميادين منها الحرب اليابانية الروسية «١٩٠٤-١٩٠٥» والتي انتهت لصالح اليابان وكذلك الاستيلاء على أراض شاسعة من الصين ومنها في إقليم منشوريا، إضافة الى استيلائها على شبه القارة الكورية.
التحولات الكبيرة التي يمر بها العالم تستوجب على دول الخليج اعادة النظر في مجمل السياسات التي اتبعتها ومواقفها مع الأحداث العربية والإقليمية والعالمية وحدود الارتباطات والتعهدات والترتيبات التي قامت بها مع أطراف عديدة ، إقليمية او دولية وفِي ذات الوقت اعادة النظر في نوع العلاقات مع القوى الفاعلة العالمية فيه.
وعلى سبيل المثال عليها التساؤل : الى اي مدى وبأي ثمن تظل علاقاتها مركزة بالدرجة الاولى على قوة واحدة هي الولايات المتحدة ؟ كيف ينعكس تأثير علاقتها بطرف واحد مستقبلا على قرارها خصوصا مع نشوء مراكز تأثير ومراكز ضغط وقوى قريبة او مجاورة؟ ربما قد تكتشف ان ذلك العالم او تلك القوى الذي تنتظر منه حلا سوف يلقي على أكتافها حمولات ثقيلة ولا يحِملُ عنها ، يزيد من عللها ولا يشُفي منها.
الولايات المتحدة كأية دولة عظمى لها مصالح متشابكة متنوعة، والعالم الآن أوسع من مصالحها. ولو أرادت ان تُدير شيئا او تُركز عليه لكان محتما عليها ان تهمل اجزاء اخرى منه. لا يستطيع المدير الأمريكي ان يدير الكرة الأرضين وان يتفرد بها وحده اذ ان العالم يتحوّل الى عالم متعدد الأقطاب. هناك شواهد كثيرة تشير الى ان الولايات المتحدة بَدت مرتبكة في أماكن متعددة ومقيّدة في مساحة حركتها امام قوى اخرى تنهض وتتحرك في اتجاهات مختلفة كما تبدو عصبية وغير واثقة من نفسها احيانا . وطريقة تعاملها مع الأحداث في سوريا وكوريا الشمالية والعراق وايران على سبيل المثال احد الشواهد على ذلك.
هناك الصين بحجم سكانها الضخم وحجم ناتجها المحلي الإجمالي الذي سوف يتجاوز الناتج المحلي الأمريكي قريبا. ويضاعف من تأثير الصين وجودها في منظمة بريكس التي تتكون من دول هي الأسرع نموا في العالم كما يضاعف من تأثيرها « مجموعة النمور الآسيوية» وهي تتحرك في نطاق جاذبية الكتلة الآسيوية الصينية .ومع كل المشاكل التي تواجهها الصين وهي تحاول الانتقال من الفقر الى الوفرة ، وضمان توازن بين حجم السكان الضخم وتوفير حجم الغذاء الضروري والتوازن بين توفير فرص عمل لهم ، وبين محاولتها بإحلال الأتمتة في وسائل إنتاجها، فإنها بامكانياتها ومصاعبها سوف تكون عنصرا فاعلا ورئيسيا على المسرح الدولي وربما منافسا قويا للولايات المتحدة في محاولتها للبقاء على قمة الشجرة.
وهناك روسيا التي انزلقت من موقع القمة وتحاول استعادة توازنها والعودة الى دورها السابق كوريثة للاتحاد السوفيتي السابق. هي تملك المياه الوفيرة والأراضي الشاسعة والموارد الاقتصادية والبشرية الضخمة وتحاول ان تبرز كدولة عظمى مؤثرة وخصوصا اذا تمكنت ان تتوصل الى ترتيبات صلبة مع ما يسمى برابطة الدول المستقلة والتي كانت في يوم من الأيام اجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق ، وتلاقي صعوبات بالخروج من نطاق جاذبيته، اضافة الى ذلك فان روسيا تملك ترسانة نووية وصاروخية ضخمة وأصنافا من الأسلحة المتقدمة ومقدرة تكنولوجية هائلة ودخلها القومي في نمو مستمر.
وهناك ألمانيا في قلب اوروبا التي ما زالت حائرة في اتجاه حركتها بين أطراف تدعو الى علاقة خاصة بينها وبين الولايات المتحدة وأطراف اخرى تدعو الى علاقة خاصة متميزة بينها وبين روسيا.
والعلاقة الخاصة والمتميزة مع روسيا قضية حساسة جدا للولايات المتحدة، إذا اخذنا في عين الاعتبار وجود عمق لروسيا في المحيط الباسفيكي ووجود شواطئ لألمانيا على المحيط الأطلسي وخصوصا اذا أصبحت لها علاقة خاصة مميزة مع فرنسا.
وتمتلك ألمانيا القوة الذاتية والكفاءة الممتازة والقوة البشرية المؤهلة تأهيلاً عاليا. ولذلك فان الاختيار الاستراتيجي الألماني المستقبلي سوف يلعب دورا بارزا في المستقبل ولا بد ان يؤخذ بعين الاعتبار .
هناك أيضا اليابان التي قيل عنها انها معجزة بكل المقاييس ، مواردها محدودة ولكن مواهبها غير محدودة. حاولت اليابان تجنب السياسة رغم كونها عملاقا صناعيا واقتصاديا واصبحت قوتها العسكرية مقيّدةً. وخياراتها الاستراتيجية في المستقبل سوف تلعب دورا حاسما وتلقي بظلالها على العالم وعلى منطقة بحر الصين والمحيط الهادي اذ ان كل قوة اقتصادية لا بدّ لها من تعبير سياسي عن نفسها .
كانت اليابان دولة متأخرة ومتخلفة تتقاتل القبائل على أراضيها، ضيقة المساحة مهددة بكوارث طبيعية مستمرة .
ومنذ ان أتى الإمبراطور المستنير « ميجي» للحكم «١٨٥٢-١٩١٢» ، تمكن من تحويلها من دولة متخلفة تعتمد على الصيد والزراعة وتعج بالصراعات القبلية الى دولة متطورة عبّرت عن قوتها الجديدة في كل الميادين منها الحرب اليابانية الروسية «١٩٠٤-١٩٠٥» والتي انتهت لصالح اليابان وكذلك الاستيلاء على أراض شاسعة من الصين ومنها في اقليم منشوريا، اضافة الى استيلائها على شبه القارة الكورية.

هناك قوى اخرى مثل الهند التي لها مواقع أقدام قوية في الخليج ، وكذلك إندونيسيا، كما ان هناك قوى إقليمية مؤثرة في المنطقة ومرشحة ان يزداد تأثيرها وكلها تتحرك بمشاريعها وخططها وطموحاتها وبناء قواها الذاتية مثل ايران وتركيا وإسرائيل. ما هو الموقف الخليجي منها ومن تأثيراتها ومن طموحاتها وكيف نقدر ان نتعامل معها ؟، وهل تتمكن كل دولة على حدة ان تقوم بذلك الدور وباي ثمن؟
ان كل الأحداث التي يمر بها العالم وتمر بها المنطقة تحتاج الى اعادة النظر في كل ما سلكناه وتحتاج الى التحاليل العلمية البعيدة عن العواطف . وكل ذلك يحتاج الى مراكز دراسات استراتيجية تسلط الضوء على ما يحصل ، وقادرة على استشراف المستقبل.
لا يبدو ان الخليج مع الأسف يمتلك استراتيجية لمستقبل المنطقة أو لمستقبله، ولا توجد مع الأسف في الخليج مراكز بحث ولا خلايا أزمات. اصحاب القرار ليس لديهم – في كثير من الاحيان – مستشارون من حولهم بقدر ما يحيط بهم مجموعة من «الربع».
وامام الأزمات المتلاحقة التي مرت بها المنطقة لم يكن لديها موقف موحد . وعلى سبيل المثال فان مواقفها من الاضطرابات التي عصفت بالعالم العربي خلال السنوات السبع الماضية كان يشبه موقف الذي يشتري بطاقة اليانصيب. كل دولة اشترت ورقة اليانصيب في دولة من الدول التي تأثرت بـ«الربيع العربي.» وصرفت مبالغ هائلة من دون ان تمتلك بوليصة تأمين.
ومع كل الثروات الخيالية التي امتلكتها فهي لم تقدر أن تبني مقومات القوة الحقيقية في هذا العالم وهي مقومات اقتصادية علمية وكفاءة بشرية وإنتاجية .
وتجد نفسها الآن وقد تبددت مواردها ، ومع فقدان النفط لأهميته فان مستقبلها اصبح صعبا يستحق التفكير العميق.
وليس المبالغة في القول انها تتجه في ظل سياساتها الراهنة لتصبح اضعف نقطة في المنطقة .