د. أحمد المعولي لـ«عمان»:موازنة 2018 إيجابية وتتسم بالواقعية والمحافظة على النمو

البنود تعكس جهود ترشيد الإنفاق ولا تتضمن أعباء جديدة على القطاع الخاص –
كتبت أمل رجب –

قال الدكتور أحمد بن علي المعولي الخبير الاقتصادي والمستشار السابق في البنك الدولي بواشنطن وعضو الهيئة الاستشارية العليا للمعهد العربي للتخطيط: إن الموازنة العامة للعام الجاري جاءت إيجابية وواقعية وعلى قدر كبير من الحفاظ على النمو من خلال زيادة الإنفاق العام وتقليل العجز معتبرا أن خصوصية الموازنة تنبع من أنها تتزامن مع بوادر تحسن في الاقتصادي العالمي والإقليمي والمحلي، وأشار إلى أن المعطيات الحالية سواء المحلية أو العالمية تدعو للتفاؤل تجاه نمو الاقتصاد الوطني حيث إن تعافي الاقتصاد العالمي وما يصاحبه من ارتفاع لأسعار النفط سينعكس إيجابيا على زيادة نمو الاقتصاد المحلي، وبالتالي من المتوقع تحسن العوائد النفطية في ميزانية عام 2018م مقارنة بالأعوام الثلاثة الماضية، وبناء على ذلك تم احتساب متوسط سعر(50) دولارا أمريكيا للبرميل في موازنة العام الجاري بارتفاع (5) دولارات عن السعر المقدر لميزانية عام 2017م، ومن المرجح أن الإيرادات العامة ربما ستكون أعلى من التوقعات حيث إن توقعات النفط في العام الجاري قد تتراوح بين 60 إلى 65 دولارا للبرميل، كما أن إصلاحات أسعار الطاقة المحلية وترشيد دعم منتجات الطاقة سيكون له انعكاس إيجابي على الموازنة، ويعد ترشيد دعم الطاقة مهما في الجهود المبذولة لزيادة كفاءة استخدام الطاقة وتخفيف الضغط على النمو الاقتصادي.

تحسن مستويات الاستثمار

وأوضح في حوار مع «عمان الاقتصادي» أن التقديرات التي تم إعلانها عبر الموازنة العامة للسلطنة امس الأول تعبر عن توازن المركز المالي للسلطنة فقد تم زيادة الإيرادات المتوقعة لتتجاوز 9,5 مليار ريال، وزيادة الإنفاق العام إلى أكثر من 12,5 مليار ريال عماني وتخفيض العجز المتوقع إلى 3 مليار ريال أي حوالي 10% من الناتج المحلي بعد أن وصل إلى أكثر من 5,3 مليار في عام 2015، فضلا عن أن الدين العام لا يزال ضمن الحدود الآمنة عالميا، إلى جانب تحسن في مستويات الاستثمارات المحلية والعالمية والمشاريع المستقبلية والحالية كبدء إنتاج حقلي خزان ومبروك والعمل في القرية الصينية في الدقم بقيمة 10 مليارات دولار ومشروعي الطاقة في مسندم بقيمة ملياري دولار ومجمع لوى للصناعات البلاستيكية في صحار بقيمة 6,5 مليار دولار ومشروع المدينة الطبية بقيمة 1,5 مليار دولار ومحطة كهرباء الباطنة بكلفة 1,5 مليار دولار؛ لذا فإن هذه الجهود ستعطي دفعة قوية للبلد، حيث تشير التوقعات إلى أن نمو الاقتصاد الوطني سيصل في بين 3% و3.5% ليصل إجمالي الناتج المحلي أكثر من 28 مليار ريال عماني.
وأشار الدكتور أحمد المعولي إلى أن بنود الميزانية ما زالت أيضا تعكس جهود ترشيد الإنفاق الحكومي، وفي الوقت نفسه لا تتضمن أعباء جديدة على القطاع الخاص فالموازنة لا تنص على أي زيادة كبيرة في الضرائب، وتم تأجيل القيمة المضافة خلال هذه السنة مع استمرار زيادة كفاءة التحصيلات الضريبة والرسوم من أجل دعم النمو اقتصادي، ومن المتوقع حدوث زيادة ملموسة في الإيرادات غير النفطية العام الجاري نتيجة زيادة ضرائب الشركات التي بدأ سريانها العام الماضي.
أسس واقعية
ويرى الدكتور أحمد المعولي أنه رغم التفاؤل الذي يستند إلى أسس واقعية فإن الموازنة العامة لا تزال تواجه تحديات أساسية حيث أن الإيرادات العامة تعتمد على مدخلات النشاط الريعي كالنفط والغاز ومشتقاتها، ولابد من تحقيق نمو اقتصادي متواصل لا يقل عن 4% لتوفير فرص العمل ومواكبة النمو السكاني المتوقع أن يبلغ 3,5% سنويا، كما يندرج ضمن التحديات ارتفاع حجم المصروفات الجارية إضافة إلى استمرار الإنفاق على الدعم من خلال دعم الكهرباء والمياه وكذلك مصروفات الفوائد على القروض في الوقت نفسه، كما أنه فيما يتعلق بالعجز سيكون هناك صعوبة في الوصول إلى توازن للموازنة في القريب العاجل، وقد أوضحت وزارة المالية في بيانها أول أمس أنها تأمل في تحقيق هذا التوازن في غضون 3 سنوات، وسيكون مصادر تمويل العجز المالي للعام الجاري من قروض محلية وعالمية في حدود 84% من إجمالي العجز المالي.
وقال الدكتور أحمد المعولي إنه على مدار العقود الماضية تعرضت أسعار النفط وإيراداته للعديد من الصدمات وعدم الاستقرار في الأسعار منذ 1973 التي وصلت إلى أكثر من 7 صدمات، ومن المستحسن الاهتمام والاستعداد الدائم لهذه الصدمات، حيث ارتفع السعر من حوالي 2.29 دولار للبرميل إلى حوالي 147 دولارا للبرميل في منتصف عام 2008 ثم إلى 40 دولارا للبرميل في نوفمبر 2015م، وربما يصل إلى أقل من 20 دولار مستقبلا، مما يؤكد على أهمية إيجاد بدائل دائمة عن إيرادات النفط، لكن السعر الأساسي المرجح للنفط سيكون بين 55- 65 دولارا للبرميل حتى نهاية 2018م، وربما يزيد عن ذلك قليلا في عام 2019م.
تسارع التنويع
وأشار إلى أن التنويع الاقتصادي ما زال يحتاج إلى تسريع وتيرته مع توجيه الإنفاق لدعم القطاعات الإنتاجية (الصناعية والزراعية والبشرية والسياحية) وواحد من التحديات التي تواجه السلطنة الحاجة إلى تطوير قدرات العمالة الوطنية وإنتاجيهم في كافة المستويات كالتـأهيل والتدريب والمعرفة والبحث والابتكار، كذلك يتطلب الأمر إعادة هيكلة وتطوير ورفع إنتاجية الجهاز الإداري للدولة كوحدات وموظفين إلى جانب رفع مساهمة القطاع الخاص في الأنشطة الاقتصادية حيث نسب النمو العالية المتحققة معظمها نتيجة أنشطة حكومية ونفطية، وعليه يتطلب الوضع الحالي تطويرا في التفكير الاقتصادي وابتكار أدوات اقتصادية محفزة للنمو الاقتصادي الحقيقي وزيادة مساهمة مختلف قطاعات الاقتصاد الإنتاجية وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية التي تفيد الاقتصاد و تجلب الأموال والخبرات والتكنولوجيا الجديدة فوجود الاستثمارات الأجنبية في أي سوق يعطي إشارات واضحة وإيجابية لتبني الاقتصاد الحر وتشجيع الاستثمارات، والأهم أنها بمثابة رسالة واضحة للقطاع الخاص بوضوح النظرة الحكومية المستقبلية للدور الذي تقوم به الاستثمارات الخاصة في النشاط الاقتصادي، ولا سيما أننا نشهد حراكا حوال الرؤية المستقبلية 2040 التي من المؤمل أن تكون هناك قراءة جديدة وأسس اقتصادية جديدة وشاملة لكافة السياسات والاستراتيجيات العامة للبلد في إعداد الرؤية، حيث تعتبر فرصة للانتعاش الاقتصادي وتحقيق الرخاء والتنمية المستدامة لكافة الأجيال وأن يكون المواطن محور الارتكاز في التنمية المستدامة وتحقيق السعادة له في كل مكان وزمان، كذلك يتطلب الأمر الاستمرار في إنجاح برنامج تنفيذ لتهيئة البيئة الاستثمارية للاستثمارات الخاصة إلى جانب استغلال العلاقات الاقتصادية الحسنة للسلطنة بتحويلها إلى عوائد اقتصادية، لذا فإنني أؤكد على وجود فرص سانحة لتطوير أداء الملف الاقتصادي من خلال تبني التفكير الاقتصادي العميق والفعال والملموس على أرض الواقع.
مقومات جيدة
وأكد الدكتور أحمد المعولي على أن السلطنة لديها مقومات اقتصادية وسياسة واجتماعية واستقرار أمني ومن المفضل الاستفادة منها وعلى سبيل المثال البنية الأساسية المتكاملة ومكامن الطاقة والمواقع الاستراتيجية والمنافذ الحدودية والعلاقات الممتازة مع مختلف دول العالم. لذا فإنه لا بد من اتباع التخطيط الاستراتيجي الفعال المبنى على الكفاءة الاقتصادية والانضباط المالي ورفع كفاءة النظام الضريبي والجمارك والرسوم وتقديم الخدمات الحكومية بالكفاءة الاقتصادية والأسعار الحقيقية وتوجيه الإنفاق العام إلى تنويع قاعدة الإنتاج الاقتصادي ليبنى على نموذج اقتصادي يقوم على تنويع مصادر الدخل وترشيد الدعم والتوجيه إلى المستحقين والعمالة الوطنية ذات التخصص العالي والدقة في التخطيط والتنفيذ وفقا لرقابة ومسائلة في تحقيق الأهداف والإنجاز؛ وذلك للابتعاد عن سيطرة الاقتصاد الريعي وهزات النفط، وهذا يعد حجر الزاوية في نجاح استمرارية التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع في السلطنة في كل زمن.
وأضاف الدكتور أحمد المعولي أنه من المستحسن أن يتم تدارك التحديات الاقتصادية سريعا حيث إن التطورات العالمية وتسارع البحوث والتقنيات وامتلاك المعرفة واقتصادياتها إلى جانب التنافس العالمي على جذب الاستثمارات لا تعطينا برهة من الزمن وبالأخص في ظل الاعتماد حتى الآن في الإيرادات العامة على النفط، وما يسببه ذلك مستقبلا من إرهاصات اقتصادية واجتماعية على البلد، لذا فهناك أهمية لاستغلال وجود الفرص الهائلة والمرتكزات التي تتمتع بها البلد، وذلك من خلال العمل على تحقيق تغييرات جذرية واستراتيجية في هيكل الاقتصاد الوطني وتطوير كيفية إدارة مخاطره، وزيادة معدل نمو قطاعاته الإنتاجية والمعرفية وزيادة معدل الاستثمار الإنتاجي وتحسين إدارات وإنتاجية الاستثمارات العامة والقدرة التنافسية وإزالة القيود المعيقة وتحسين أنظمة أنتاجية التعليم والتدريب وتطوير سوق العمل لجعلهم تخدم الاقتصاد الوطني إلى جانب ضرورة الاستعانة في إدارة وتسيير الاقتصاد الوطني بالخبراء الاستراتيجيين والمخططين الوطنيين ذوي الكفاءة والتخصص والرؤية والفكر الصائب.
وأكد الدكتور أحمد المعولي أن التوقعات الاقتصادية خلال العام الجاري تصب في صالح النمو المحلي حيث تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد العالمي سيحقق نموا قدره 3,6% في عام 2017م وسيرتفع ذلك النمو إلى حوالي 3.7% إلى جانب النمو الاقتصادي والسكاني وبالأخص في الدول الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وبوادر نزول أسعار الغذاء عالميا إلى جانب توفر العديد من العوامل المستجدة التي سيكون لها أثر جيد في تسريع وتيرة الصفقات عبر العالم، وهي التي ستصل إلى أكثر من 2,3 تريليون دولار إلى جانب الاكتتاب العام التي ستصل إلى أكثر من 290 مليار دولار وسيكون نصيب الشرق الأوسط وإفريقيا 41 مليار دولار لصفقات الدمج والاستحواذ و7 مليارات دولار للإكتتابات العامة وانتشار هائل للتكنولوجيا الناشئة واقتصاد المعرفة والخدمات الاستهلاكية 633 مليار دولار والتمويل 616 مليار دولار ومنها تراجع حدة المخاطر الاقتصادية والسياسية الرئيسية وظهور القوى المحركة الإيجابية لصفقات الاقتصاد الكلي وتنامي الشعور بالثقة لدى المستثمرين في العالم مع بداية العام الجديد 2018م وتحسن معنوياتهم وتزايد إقبالهم متأثرين بعدد من الاتجاهات الإيجابية مثل التجارة العالمية والنمو الاقتصادي الأكثر ازدهارا وتحسن تقييم الأسهم وانخفاض كلف التمويل في الأسواق الناشئة وذلك وفقا لتقرير تم إعداده من قبل بيكر مكينزي بالتعاون مع أكسفورد اكنوميكس. كما أن هناك بوادر لمد الاتفاق الخاص بخفض إنتاج الإنتاج النفطي من قبل الدول المصدرة بهدف إحداث مزيد من التوازن في أسواق النفط واستمرار انتعاش الأسعار لفترات أطول ما لم يتم التأثير على ذلك بزيادة كميات الإنتاج من قبل بعض منتجي النفط خارج أوبك ومنتجي النفط الصخري، وتشير توقعات المنظمات الدولية لعام 2018م إلى ما بين 53 إلى 60 دولارا، وربما نتوقع أنه سيدور بين 60 إلى 65 دولارا للبرميل في حالة الالتزام بكميات الإنتاج.
وفي دول مجلس التعاون تشير التوقعات إلى تحسن النمو في الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 3.2% في عام 2018 متجاوزا توقعات النمو في 2017 التي تبلغ 2.1% كما تشير التوقعات إلى تحسن تدريجي في معدل نمو القطاع غير النفطي ليرتفع من 2،1% في عام 2016 إلى 2,7% في عام 2017 و4,6% في 2018م إلى جانب أن هناك تفاؤلا بتجاوز الأزمات الإقليمية مثل الأزمة السورية والأزمة العراقية وأزمة اليمن وهذا دعم قوي للنمو الاقتصادي في دول المجلس.