الرمز والغطاء وحدهما .. لا يكفيان !!

د. عبدالحميد الموافي –
إن واشنطن لا يمكنها إهمال الأمم المتحدة أو الاستغناء الكبير عنها لأنها تحتاجها كغطاء في أحيان كثيرة، ولأنها تظل القوة الدولية الأكثر هيمنة في هذه المرحلة من مراحل التنظيم الدولي التي تمهد لمرحلة تعدد القطبية خلال السنوات القادمة وفق ما ستؤول إليه التفاعلات والتطورات الدولية الجارية الآن في اكثر من منطقة من مناطق العالم ومنها الشرق الأوسط، ونأمل أن يكون تأثرنا بها بالقدر الذي لا يضر مصالحنا.

ليس من المبالغة في شيء القول بأن التحركات والتهديدات، الصريحة والمبطنة، ومناورات العمل الدبلوماسي والسياسي، التي شهدتها أروقة الأمم المتحدة خلال الأسبوعين الماضيين، وتحديدا يوم 18 ديسمبر، عندما صوت مجلس الأمن الدولي على مشروع القرار المصري المضاد لقرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل مقر سفارتها من تل أبيب إليها، واستخدام واشنطن لحق الفيتو لمنع إصداره، برغم موافقة بقية أعضاء المجلس – 14 عضوا – عليه من ناحية، ويوم 21 ديسمبر عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع القرار الداعي إلى الامتناع عن نقل أي سفارة في إسرائيل إلى القدس والرافض لأي أعمال أو مواقف أحادية، لتغيير الوضع الراهن لها، إلا من خلال مفاوضات الوضع النهائي، وفقًا لقرارات مجلس الأمن السابقة بهذا الخصوص من ناحية ثانية، تعد من الموضوعات والقضايا المحفزة على الدراسة السياسية لها، ولما يمكن أن يترتب عليها من نتائج وآثار، ليس فقط لما يتصل بوضع مدينة القدس المحتلة ومستقبلها، ولما يتصل بآفاق عملية السلام في الشرق الأوسط، وما بقي من فرص أو إمكانية حقيقية بالنسبة لحل الدولتين الذي يتآكل وينزوي بشدة، ولكن أيضا بالنسبة للولايات المتحدة كقوة عظمى في عالم اليوم، ولدورها في الأمم المتحدة والنظام الدولي ككل، الآن وفي المستقبل، وكذلك بالنسبة للأمم المتحدة، باعتبارها المنظمة الدولية الأم، التي تعوّل عليها كثير من الأطراف الدولية، وخاصة الدول الصغيرة ومنها دول الشرق الأوسط، لحل قضاياها ومشكلاتها، وفي الإسهام الحقيقي، من جانب الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة التابعة لها، سواء في عمليات تحقيق السلام وصيانته، أو في مكافحة الإرهاب، أو في الإسهام بقدر أكبر في تقديم يد المساعدة لها في تنفيذ برامجها التنموية المختلفة. فما حدث في المبنى الزجاجي – مقر الأمم المتحدة في نيويورك – خلال الأيام الأخيرة سيكون له بالتأكيد ما بعده، وقد يتحول إلى علامة واضحة في أداء الأمم المتحدة، وفي إمكانية العمل من خلالها في المستقبل، وإن كان لا يزال من المبكر كثيرا الجزم بإمكانية تحقق ذلك، بالنظر إلى ارتباطه وتوقفه على عوامل عدة، لم تتبلور بالشكل الكافي بعد. وعلى أي حال فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى بعض الجوانب، ذات الصلة بما شهدته أروقة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأسبوعين الماضيين، وذلك باختصار شديد فيما يلي:
* أولا: بالنسبة لمستقبل القدس والقضية الفلسطينية، فإنه مع الترحيب والتقدير العميق بكل موقف إيجابي اتخذته الدول المؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه الوطنية المشروعة، ومنها حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وحقه أيضا في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ومنها الضفة الغربية والقدس الشرقية بالتأكيد، إلا أنه من المهم والضروري كذلك – إذا كان ممكنا وهو مشكوك فيه كثيرا – أن يكون هذا التأييد والتفاعل والدعم خارج نطاق أروقة الأمم المتحدة أيضا.
صحيح أن مواقف الدول في الأمم المتحدة هي مواقف سياسية وليست إعلامية بالقطع، ولكن الصحيح أيضا أن المواقف في الأمم المتحدة وعند التصويت على مشروعات القرارات في مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، تظل أسهل بكثير، من المواقف العملية على مستويات أخرى، على الأقل بالنسبة لعدد غير قليل من الدول.
وإذا كان التصويت في مجلس الأمن الدولي يوم 18 ديسمبر وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 21 ديسمبر قد أظهر تأييدا دوليا تحتاجه فلسطين والقدس وقضيتها الموجودة في الأمم المتحدة منذ إنشائها، ومع التقدير للقيمة الرمزية لهذا التأييد والتعاطف، إلا أن الجانب الأدبي وحده، وبرغم انه يشد الأزر بالنسبة للفلسطينيين والعرب، ويضعف الموقف الإسرائيلي والأمريكي، إلا أنه وحده لا يكفي، لأن السؤال باختصار شديد هو ماذا بعد؟ وإذا كان قد تم الإشارة، في هذا المكان من قبل، إلى أن القرارات الدولية، الصادرة عن الأمم المتحدة، أو غيرها من المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى، تحتاج إلى قوة، أو إلى طرف دولي ليتحمل مهمة وعبء العمل على تنفيذه ووضعه موضع التطبيق، وهذا لا يتحقق بالنسبة لقرارات الأمم المتحدة، إلا إذا كانت هناك مصالح لقوى دولية كبيرة كالولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين وبريطانيا في تحقيقها وترجمتها عمليا، عبر توافق فيما بين تلك القوى الكبرى أيضا، فإن عدم تحقق ذلك يدفع عادة بالقوى الدولية المؤثرة، والقادرة، إلى العمل من خارج نطاق الأمم المتحدة، وبعيدا عن مناكفات التصويت في أجهزتها. وليس مصادفة أبدا أن تحرص الولايات المتحدة على أن تكون عملية السلام في الشرق الأوسط، منذ عام 1991، بل منذ عام 1969 خارج الأمم المتحدة، وأن تكون محصورة بين موسكو وواشنطن، كما حدث في أواخر الستينيات، أو بمشاركة فرنسا وبريطانيا، ثم الاتحاد الأوروبي، والأمين العام للأمم المتحدة، في إطار اللجنة الرباعية الدولية المعنية بعملية السلام في الشرق الأوسط، والمؤكد أن الأمين العام للأمم المتحدة ليس هو الأمم المتحدة، ثم ظلت واشنطن مهيمنة على ما يتصل بحريك عملية السلام في الشرق الأوسط، بشكل كبير، خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، ولا تزال حتى الآن. ولعل السؤال هو هل يمكن أن يؤدي التصويت الكاسح في الأمم المتحدة إلى إعادة هيكلة عملية السلام في الشرق الأوسط، بمعنى وضعها تحت رعاية الأمم المتحدة وتقليص الدور الأمريكي فيها، لأنه لن يمكن إبعاد واشنطن عنها لاعتبارات كثيرة؟ للأسف الشديد، وبعيدا عن الأماني، والتلويح بإمكانية الضغط بشكل أو بآخر، فإن هذا غير ممكن، ليس فقط لأنه ليست هناك أطراف دولية يمكن أن تحل محل الولايات المتحدة، فموسكو وحتى مع الصين لن تستطيعان، وأوروبا تصيغ موقفها في إطار الموقف الأمريكي ودون ابتعاد كثير عنه، ولكن أيضا لأن سفير واشنطن في تل أبيب أعلن مؤخرا أنه بدون رعاية أمريكية لن تشارك إسرائيل في أي جهود للسلام، وكان ذلك بمثابة موقف بالغ الدلالة، انتقده الفلسطينيون كثيرا. على أي حال فإنه من المهم والضروري للفلسطينيين والعرب إدراك انه لا مناص من التعامل مع وضع بالغ التعقيد والصعوبة، وهو وضع تؤثر فيه واشنطن بشدة، من موقع انحيازها الكامل إلى إسرائيل، ولكن أن أمكن توحيد الموقف الفلسطيني وتحقيق تنسيق عربي اكبر، والتعاون مع أطراف دولية مهمة، فإنه يمكن على الأقل الحد من الجموح الأمريكي بقدر أو بآخر. أما مقاطعة أمريكا، أو الدعوة لفرض عقوبات عليها، فإنها دعوات تفتقر إلى الإحاطة بأبجديات الواقع السياسي الدولي في المرحلة الراهنة.
وقد يقول قائل هل يعني ذلك القبول بالعمل مع واشنطن برغم ما حدث؟ الجواب ليس نعم أو لا، ولكنه محاولة استثمار ما حدث، وحرص واشنطن على القيام بدور، من اجل الاستفادة من ذلك بشكل أو بآخر، وبالتنسيق الفلسطيني العربي، وإلا قد تدخل عملية السلام في مرحلة تجميد أخرى، لأن القوى الدولية الأخرى لن تستطيع تحريكها بدون موافقة ومشاركة أمريكية . أما أحاديث الشعارات والينبغيات، فإنها لا تجدي شيئا، فضلا عن أنها تفتح المجال لأطراف عديدة للمتاجرة بالقضية الفلسطينية والمزايدة حتى على أبنائها، خدمة لمصالح تلك الأطراف التي لا يهمها مستقبل الشعب الفلسطيني ولا معاناته الراهنة.
* ثانيا: بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فإن ما تعرضت له في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة يعد لطمة كبيرة، وكما قالت هايلي مندوبتها في الأمم المتحدة، فإن ما حدث (لن ينسى)، لأنه ببساطة مؤشر واضح إلى حد كبير، على تآكل الهيبة الأمريكية على المستوى الدولي وداخل الأمم المتحدة. وقد يؤدي ما حدث إلى مزيد من الاستقطاب ضد الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة الأخرى، بالنسبة لقضايا أخرى في المستقبل. نعم قد لا تهتم الإدارة الأمريكية كثيرا بالأمم المتحدة والعمل من خلالها، ولكن الصحيح هو أنها لا يمكنها إهمالها لأن ما يجري فيها يوفر في الواقع غطاء لا يمكن الاستغناء عنه أحيانا لمواقف أو لتدخلات وممارسات من الأفضل أن تتم تحت الغطاء الدولي، ولأن ما يحدث من مساومات واتصالات في داخلها يظل مهما للقوى الدولية المؤثرة ومنها بالطبع الولايات المتحدة. ولذا فإن واشنطن مهتمة، ومنذ عقود بدراسة نمط تصويت الدول المختلفة في أجهزة الأمم المتحدة، ودراسته وحساب مواقف الدول منها، قربا وابتعادا بالنسبة للمواقف المختلفة، وإدخال ذلك كعنصر من عناصر تحديد علاقاتها مع تلك الدول. ومع أن تلك العلاقات تأثرت بذلك في أحيان كثيرة، إلا أن الأمر لم يصل إلى حد التهديد العلني للدول بالحرمان من المساعدات إذا صوتت ضد الولايات المتحدة، كما حدث بالنسبة لقرار القدس في الجمعية العامة للأمم المتحدة وما أعلنته الإدارة والرئيس الأمريكي في هذا الصدد، وهو ما يوضح أن واشنطن تأخذ الأمر مأخذ الجد، وهو ما ستثبته الأسابيع والأشهر القادمة، مع التأكيد على أن الدول لا تبيع مواقفها على هذا النحو!!.
* ثالثا: بالنسبة للأمم المتحدة كمنظمة دولية، فإنه من المعروف انه يصدر عنها أنواع متعددة من القرارات، سواء من جانب مجلس الأمن أو من جانب الجمعية العامة أو غيرها من الأجهزة الأخرى. غير أن الأمم المتحدة وإن كانت تعبّر عن الضمير العالمي، إلا أنها لا تملك ميزان العدالة الدولية وتطبقه بالنسبة للمشكلات الدولية المختلفة، ليس فقط لأن مواقف الأمم المتحدة هي في النهاية محصلة لمواقف أعضائها، ولكن أيضا لأن مواقف الدول يتغير ويتأثر بمصالحها في الأساس، وليس بقيم العدالة ومشروعية القرارات. وعلى ذلك فإن التصويت الكاسح ضد الولايات المتحدة في الجمعية العامة ومجلس الأمن زاد في الواقع من انتقادات واشنطن للأمم المتحدة، وهو ما ظهر بوضوح في مناقشتها لميزانية الأمم المتحدة، وفي إعلان واشنطن عزمها تخفيض مساهمتها في ميزانية الأمم المتحدة وفي عمليات حفظ السلام التابعة لها، وهو ما سيؤثر بالضرورة على أنشطة المنظمة الدولية. والمؤكد أن هذا سلاح مزدوج تستخدمه واشنطن للضغط على المنظمة من ناحية، ويشجع الدول الأعضاء على الوقوف ضد أمريكا داخل المنظمة من ناحية أخرى. وفي النهاية تتضرر الأمم المتحدة من تقليص أمريكا لدورها فيها، سواء كان ذلك سياسيا، أو ماليا، ولكن ما يقلل من خطورة ذلك أن واشنطن لا يمكنها إهمال الأمم المتحدة أو الاستغناء الكبير عنها لأنها تحتاجها كغطاء في أحيان كثيرة، ولأنها تظل القوة الدولية الأكثر هيمنة في هذه المرحلة من مراحل التنظيم الدولي التي تمهد لمرحلة تعدد القطبية خلال السنوات القادمة وفق ما ستؤول إليه التفاعلات والتطورات الدولية الجارية الآن في اكثر من منطقة من مناطق العالم ومنها الشرق الأوسط، ونأمل أن يكون تأثرنا بها بالقدر الذي لا يضر مصالحنا، لا في فلسطين ولا في غيرها من دول المنطقة العربية، خاصة أن النصر داخل أروقة الأمم المتحدة، يصعب ترجمته عمليا لصالحنا كعرب، حتى الآن على الأقل، ولعل غدا يكون أفضل!!.