خبراء: دعم التنويع والإنفاق الاســـــتثماري أهــم توجهـــات الموازنــة

استطلاع: أمل رجب – ماجد الهطالي –

أكد خبراء اقتصاديون أن موازنة العام الجاري تعكس نجاحا في التعامل مع أزمة النفط عبر إجراءات لتعزيز النمو الاقتصادي والمضي قدما في توفير بدائل لزيادة الإيرادات، وقد ساعد ارتفاع أسعار النفط في تعزيز الإنفاق الحكومي ورفع مستوياته مقارنة مع العام الماضي وهو ما سيكون له تأثيرات إيجابية من حيث تعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين التصنيف الائتماني للسلطنة، وأشار الخبراء إلى ان التحديات الحالية والمستقبلية تتطلب الحفاظ على زيادة تدريجية في العائدات غير النفطية والاستمرار في إجراءات ومبادرات التنويع الاقتصادي وتوفير فرص العمل، وفي هذا النطاق فإن حركة التوظيف الجارية ستكون لها آثار إيجابية من حيث تنشيط الحركة التجارية، وأشاد الخبراء بما تلتزم به الموازنة العامة دائما من اهتمام الحكومة بالبعد الاجتماعي ودعم كافة فئات المجتمع خاصة ذوي الدخل المحدود والباحثين عن العمل والطلاب وتساهم مخصصات الدعم في عدم تضرر هذه الفئات من رفع الدعم عن المحروقات وتعزيز النسيج المجتمعي.

تحسّن تدريجي
وأشار الدكتور أحمد بن محسن الغساني عميد كلية الدراسات المصرفية والمالية الى ان الاعلان عن موازنة العام الجاري يتزامن مع استقرار أسعار النفط عند مستويات منطقية وهو ما سيكون له العديد من النتائج الإيجابية على الوضع المالي للسلطنة. فالوضع الحالي للأسعار وهي فوق ستين دولاراً أفضل بكثير مما كانت عليه أسعار النفط خلال فترة الانخفاض ولكنها ما زالت دون المستويات المثالية التي تمكن السلطنة من وضع موازنة لا يوجد بها عجز أو يكون العجز فيها منخفضاً. ومع ذلك فإن توقعات استمرار أسعار النفط بين ستين وخمسة وستين دولاراً سيكون لها نتائج إيجابية حيث ستساهم في تحسين الوضع المالي والتقليل من الاقتراض المحلي والخارجي والمساهمة في التقليل من العجز في الموازنة العامة للسلطنة. كذلك ما نتمناه فعلاً هو أن نرى زيادة تدريجية في العائدات غير النفطية. فالزيادة المتوقعة في إنتاج الغاز ستسهم في دعم إيرادات السلطنة، وبشكل عام فإننا نتوقع أن يكون عام ٢٠١٨ أفضل من الثلاثة أعوام السابقة من حيث مستوى العجز في الموازنة وكذلك من حيث توفر السيولة المالية. إلا أن هذا التحسن في الوضع المالي للسلطنة سوف يكون تدريجياً، ولذلك لا بد من وضع حزمة من الإجراءات الاحترازية التي من شأنها تقليل المخاطر في حالة تراجع أسعار النفط عن الأسعار المتوقعة.
وأضاف الدكتور أحمد الغساني ان المؤشرات الحالية والتوقعات المستقبلية تفيد وجود تحسن تدريجي في أسعار النفط مما من شأنه الإسهام في تحسن النمو الاقتصادي للسلطنة في العام القادم. إلا أن هذا النمو المتوقع في أسعار النفط ينبغي أن لا يدفعنا إلى التخلي عن خطط وسياسات ضبط المصروفات وتنويع مصادر الدخل واستقطاب رأس المال الأجنبي المباشر وتعزيز دور القطاع الخاص. فالسلطنة حاولت خلال السنوات الثلاث السابقة تحويل المحنة إلى منحة من خلال العديد من السياسات والإجراءات التي ساهمت في الحد من العجز في الميزانية العامة للسلطنة والحساب الجاري لميزان المدفوعات.
وألمح إلى أن تداعيات انخفاض أسعار النفط شكلت فرصة حقيقية لتحسين وتطوير العديد من الإجراءات التي من شأنها تعزيز الاقتصاد وتوفير بدائل لزيادة الإيرادات وخفض المصروفات، ولا بد من الاستمرار في تطوير إجراءات جديدة ومبتكرة للتنويع الاقتصادي من خلال إعادة هيكلة الإيرادات والمصروفات والتركيز على الإيرادات غير النفطية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز النمو الاقتصادي والأعمال، وتوفير فرص العمل. كما نرى أن استقطاب الاستثمار الأجنبي لا يزال دون الطموح مقارنة بالمقومات الاستثمارية للسلطنة. وبالتالي فإن هناك ضرورة ملحة نحو تعزيز إجراءات استقطاب رأس المال الأجنبي ومراجعة التشريعات وتسهيل الإجراءات وخلق البيئة المواتية للاستثمار. كذلك فإن تأثيرات ارتفاع حجم الاستثمار الأجنبي في مشروعات كبرى مثل منطقة الدقم سوف يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية حيث شهدت الفترة الأخيرة نمواً ملحوظاً في منطقة الدقم التي تتميز بوضعها الاستراتيجي على المستوى العالمي مما يؤهلها لاحتضان مشاريع عالمية وصناعية ضخمة. والمؤكد ان وجود المناطق الحرة وتنميتها سيكون له مردود كبير في التنمية الاقتصادية وتنشيط الحركة التجارية ومن التطورات الإيجابية التي تتسارع خلال الفترة الأخيرة وجود العديد من المشاريع السياحية والعقارية والصناعية التي سيتاح المجال فيها لاستقطاب رأس المال الأجنبي مثل مشروع مدينة العرفان الحضري ومشروع حي الشرق في السوادي ومشروع تطوير منطقة الحافة بصلالة ومشروع المنطقة الحرة في صلالة والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم وغيرها من المشاريع الرائدة.
ومن جانب آخر نرى اهتماما كبيرا أيضا بالتنويع الاقتصادي ومبادرات برنامج “تنفيذ” كانت واقعية وطموحة في الوقت نفسه، كما أنه تمت مناقشتها والموافقة عليها بمشاركة مجتمعية تضم ذوي العلاقة. وبالتالي فإن هذه المبادرات إذا ما تم تنفيذها بشكل صحيح فسوف تسهم في تحقيق عوائد عديدة على الاقتصاد الوطني. والحقيقة أن هناك العديد من مبادرات تنفيذ التي هي في طور التنفيذ ولكن ظهور أثر هذه المبادرات على الاقتصاد يتطلب بعض الوقت. كذلك فإن ثقة المجتمع في هذه المبادرات ومدى نجاحها لن يتحقق ما لم يتم إعلان المراحل التنفيذية لهذه المبادرات بشكل مستمر وشفاف وإبلاغ ذوي العلاقة بذلك. ونحن نتوقع أن مبادرات تنفيذ سيكون لها دور كبير إذا ما تم تنفيذها على أسس علمية.
ومن خلال متابعتنا للإجراءات المتخذة من قبل الجهات المعنية لتنفيذ قرارات تنفيذ نلاحظ وجود اهتمام كبير من قبل وحدة تنفيذ والعديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة. لذا نرى أنه من الضروري الإعلان بشكل مستمر عن ما يتم إنجازه من قرارات تنفيذ حيث ان ذلك من شأنه تعزيز ثقة المجتمع وكذلك ثقة القطاع الخاص والمستثمرين المحليين والأجانب.
وأوضح الدكتور الغساني أن الموازنة تعكس ايضا اهتمام الحكومة بدعم كافة فئات المجتمع وإيلاء اهتمام خاص بفئات ذوي الدخل المحدود والباحثين عن العمل والطلاب هو دليل على سعي الحكومة إلى إيجاد توازن بين خفض المصروفات أو زيادة الإيرادات من جهة وتقليل الأثر على هذه الفئات من جهة أخرى مشيرا الى أن المحافظة على عدم تضرر هذه الفئات من رفع الدعم عن المحروقات لن يؤدي فقط إلى تعزيز وضع هذه الفئات من الناحية المالية بل سيؤدي أيضا إلى تعزيز النسيج المجتمعي. فالاهتمام بعدم تضرر هذه الفئة هو واجب وطني في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، كما أنه مسؤولية مجتمعية. وأوضح أن السياسات الوطنية القائمة على تحقيق الرفاه والسعادة لكافة شرائح المجتمع العماني لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند وضع السياسات الرامية إلى ضبط الإنفاق وتقليل المصروفات ولا شك أن تخصيص مبلغ مائة مليون ريال عماني في موازنة ٢٠١٨م هو دليل على التزام الحكومة بتقديم الدعم إلى الفئات ذات الدخل المحدود مما من شأنه تعزيز دور هذه الفئات في التنمية الشاملة حيث ستكون أكثر استقراراً وقدرة على الإنتاجية.
وفي نفس السياق هناك تطوران مهمان حاليا هما حركة التوظيف الحالية للقوى العاملة الوطنية وارتفاع أسعار النفط وسيكون للتوظيف مردود إيجابي في توفير السيولة النقدية وتنشيط الحركة التجارية وضخ مبالغ لدى الشباب مما سيساهم في تنشيط الحركة التجارية من خلال زيادة الطلب على العديد من السلع والخدمات وهذا سيساهم بدوره في تنشيط الحركة التجارية. والمطلوب من هؤلاء الشباب هو الموازنة بين الادخار وبين الانفاق الاستهلاكي. كذلك فإن توفر فرص العمل يتوقع أن يتزامن معه تزايد الإقبال على الاقتراض. إلا أننا ننصح الشباب بعدم اللجوء إلى الاقتراض الاستهلاكي إلا في أضيق الحدود أما الاقتراض الاستثماري أو الاقتراض بهدف بناء مسكن فإنه سيساهم في تعزيز الادخار.
كذلك سيعزز ارتفاع أسعار النفط من الانفاق الحكومي في تنفيذ المشاريع وهذا سيكون له دور كبير في تنشيط الحركة التجارية وتعزيز السيولة النقدية. كذلك فإن هذا من شأنه تخفيض العجز في الموازنة وتحسين التصنيف الائتماني للسلطنة فضلا عن الاستفادة من العوائد النفطية لتنفيذ مشاريع استثمارية يمكن أن تساهم في زيادة الإيرادات على المديين المتوسط والطويل .

نتائج جيدة
وأكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد رياض حمزة أن الموازنة هي خطة أو برنامج عمل، تترجم فيه الحكومة سياستها الاقتصادية والاجتماعية إلى أهداف سنوية رقمية، وليست مجرد برنامج عمل خاص بوزارة المالية يبين الكفاءة في إدارة الأموال، ولا تتقرر فعالية الموازنة بذاتها فقط، بل ترتبط بأدوات التخطيط المالي الأخرى كسياسة التسليف وسياسة النقد الأجنبي، وتقاس بالنتائج الاقتصادية الاجتماعية وليس بالنتائج المالية فقط.
واضاف انه بالرغم من تحسن سعر برميل النفط الخام العماني المصدر منذ مطلع عام 2017 إلا أن الخسائر التي تكبدتها المالية العامة للسلطنة منذ منتصف 2014 كان لها الأثر على الموازنات المالية خلال السنوات 2015 و2016 و2017. إذ سجلت عُجوزات متوالية، إذ بلغ العجز المتوقع 2.5 مليار ريال أي ما يعادل 8 %من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للسلطنة عام 2015. وفي موازنة 2016 عملت الحكومة على خفض العجز من 4.5 مليار ريال إلى 3.3 مليار ريال. ومن خلال ترشيد الإنفاق العام خلال 2017 وارتفاع متوسط سعر برميل النفط تراجع حجم العجز من 4.6 مليار ريال إلى 3 مليارات ريال وتتوقع موازنة العام الجاري تسجيل عجز متوقع 3 مليارات ريال، وعلى الرغم من التحديات المتعلقة بتدني الأسعار إلا أن الحكومة تمكنت من توفير التمويل اللازم للإنفاق وتحقيق نتائج جيدة، أخذًا في الاعتبار حجم التحديات التي تمت مواجهتها، وذلك من خلال تطبيق حزمة من الإجراءات والسياسات التي كان لها أثر جيد في تقليل آثار انخفاض أسعار النفط على الأداء المالي والاقتصادي للدولة. فقد تمت تغطية عجز موازنتي 2016 و2017 من خلال وسائل التمويل المتاحة (الاقتراض الداخلي والخارجي والسحب من الاحتياطيات وذلك بعد تقييم كافة الخيارات بما يكفل عدم التأثير سلبا على مستوى السيولة المحلية والائتمان المصرفي، كما تم تمويل العجز الخاص بعام 2018 بنفس الوسائل مع تراجع حجم السحب المتوقع من الاحتياطي العام الى 500 مليون ريال.
ويرى الدكتور حمزة ان موازنة 2018م تعكس رؤية علمية واقعية ونظرًا للتوسع الكبير الذي شهده الإنفاق العام خلال السنوات الأخيرة وسعيا لتحقيق الانضباط المالي وتصحيح مسار الإنفاق واحتوائه عند معدلات تكون قابلة للاستدامة، فإن نهج الوزارة من خلال تطبيق سياسة متوازنة في ترشيد وزيادة فعالية الإنفاق العام، ستؤمن الإيفاء بتعهدات الإنفاق العام في موازنة 2018 والحد من العجز المتوقع، ومن هنا فإن ملامح موازنة 2018 تم تأسيس مواردها المالية على أساس سعر واقعي لبرميل النفط العماني المصدر والموارد غير النفطية بما يتيح سد العجز المتوقع والحفاظ على استدامة تنمية الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف انه خلال السنة المالية 2017 تواصلت المساعي لتوفير السيولة اللازمة للإيفاء بمصروفات الإنفاق العام وسد العجز فتوالت إصدارات البنك المركزي العماني لأذون الخزانة والصكوك الاستثمارية السيادية والسحب المقنن من الاحتياطي. وبنظرة واقعية للإيرادات المالية المتوقعة من صادرات النفط والإيرادات غير النفطية وتم وضع تقديرات إيرادات ومصروفات موازنة 2018 في ضوء تطورات أسعار النفط في السوق العالمية، وتشير التوقعات المتفائلة إلى أن أسعار النفط سترتفع خلال 2018، فمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) في أحدث تقاريرها توقعت زيادة الطلب على نفطها في 2018. وقالت إن اتفاق خفض الإنتاج الذي أبرمته مع منافسين يتخلص بنجاح من تخمة المعروض من الخام مشيرة إلى سوق عالمية تشهد شحا في المعروض قد يؤدي إلى عجز بين العرض والطلب في العام المقبل وأن أسعار النفط من المتوقع أن تبقى في نطاق من 50 إلى 55 دولارا (للبرميل) في العام المقبل “. وبالرغم من تجاوز سعر برميل النفط عتبة 65 دولارا خلال النصف الأول من شهر ديسمبر 2017 إلا ان أكثر التوقعات تفاؤلا تقول إن إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية في تسارع وسيحد من ارتفاع الأسعار خلال 2018.
وأشار إلى أن وزارة المالية تعمل بحكمة لمواجهة العجز وتصحيح الأوضاع المالية على أسس مدروسة وفق تطور الأوضاع المالية للسلطنة، ويتضمن محور تحسين الإيرادات غير النفطية رفع معدلات ضريبة الدخل على الشركات والمؤسسات والحد من الإعفاءات الضريبية. ورفع كفاءة تحصيل الضرائب وتفعيل الرقابة والمتابعة. وتطبيق النظام المحاسبي الآلي الجديد لاحتساب الضريبة الجمركية في كافة المنافذ. وتعديل الضوابط المطبقة للإعفاءات من الضريبة الجمركية، وتحصيل رسوم تراخيص وبطاقات العمل، وتعديل تعرفة الكهرباء والمياه للاستخدامات التجارية والصناعية والحكومية. وتعديل نسبة الرسوم على التصرفات العقارية والرسوم البلدية على الإيجارات. وتعديل ضوابط تخصيص الأراضي (التجارية والسياحية والصناعية والزراعية).
وفي محور تخفيض الإنفاق العام على المؤسسات الحكومية تم تطبيق حزمة الإجراءات التي قلصت المصروفات العامة دون التأثير على تقديم الخدمات الحكومية، وعند استكمال تفعيل تلك الإجراءات وفقا للقرارات التي تصدرها الجهات الحكومية المعنية فإن المتوقع أن تؤمن تحصيل موارد مالية سنوية للحكومة السلطنة تعادل الموارد من النفط والغاز، وستكون حافزا قويا لتنشيط إنتاجية القطاع الخاص ويأخذ الاقتصاد الوطني طريقه للتنويع المنشود واستدامة النمو.

نموذج جديد
وقال الدكتور يوسف بن حمد البلوشي الخبير الاقتصادي بمكتب مشروع الرؤية المستقبلية “عمان 2040” إن التكيف والتحول إلى نموذج جديد للنمو والتنمية المستدامة أحد متطلبات المرحلة القادمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والمحافظة على ثبات سعر صرف الريال العماني، بحيث يكون لقاطرات النمو المختلفة ولأفراد المجتمع والقطاع الخاص (مؤسسات الأعمال) دور مؤثر فيه، واشار إلى أن الموازنة العامة للدولة كغيرها من الأدوات مطالبة بتحول جذري سواء في جوانب البنود التقليدية أو المضمون للمساعدة في التحول من نموذج النمو الذي فرضته الوفرة النفطية والذي كرس مفاهيم الريعية والاستهلاك إلى نموذج يؤمن بالعمل والإنتاج في جميع القطاعات، وهو ما يقتضي النظر في إعادة صياغة دور الحكومة والتركيز على توفير بيئة الأعمال المناسبة من أطر وتشريعات وإفساح المجال للقطاع الخاص بحيث يعمل على توفير فرص عمل مجزية للمواطنين، ويمكن من تنويع مصادر الدخل وبناء قطاع إنتاج قوي وتنافسي، وتحقيق التوازن الاقتصادي والمتمثل في دورة الأنشطة التجارية المحلية والمعتمدة بدرجة ملحوظة على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي من السلع والخدمات، وكذلك تحقيق التوازن المالي بحيث يتم تخفيض نسبة مساهمة الإيرادات النفطية بشكل تدريجي في الموازنة العامة للدولة، وتكثيف ارتباط السلطنة مع الاقتصاد العالمي من خلال تعزيز دور الاستثمار الأجنبي المباشر والتصدير والتكنولوجيا، والاستفادة من الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية المتوفرة والعلاقات والاتفاقيات الدولية المتميزة، وأوضح أنه لتحقيق ذلك يجب على الحكومة توضيح التحديات المالية والاقتصادية بشكل أكثر شفافية، وأن يترافق ذلك مع إعادة صياغة بعض المفاهيم والأدوار مثل الاستدامة المالية وتغيير دور الموازنة العامة من أداة لتوزيع الثروة إلى أداة لتوزيع الدخل.
وأوضح البلوشي أن إعلان الموازنة هو بمثابة إعلان للسياسة المالية للسلطنة والتي يجب الأخذ في الاعتبار أنها لا يمكن أن تنجح وتعمل في معزل عن باقي السياسات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والصناعية، مؤكدا على ضرورة تحقيق تناغم بين هذه السياسات لتحقيق المبتغى للتنمية الاقتصادية في السلطنة، وأضاف أن بعض بنود الموازنة لا تزال تواجه نفس التحديات، فعلى سبيل المثال لا تزال الايرادات الهيدروكربونية هي المصدر الرئيسي للإيرادات العامة في حين الايرادات الاخرى وخاصة تلك المرتبطة بعائدات الشركات الحكومية وشبه الحكومية المعول عليها الكثير دون مستوى الطموح، وكذلك لا يزال بند الرواتب والمخصصات أكبر بنود الموازنة ويشكل ثقلا كبيرا يرهق الموازنة، ويأتي على حساب الصرف على مشاريع إنتاجية، موضحا أن المصروفات الحكومية على مشاريع البنية الأساسية التي تحتل الصدارة في بنود الانفاق العام لا تتناسب مع المصروفات الخاصة بعملية إعداد حقيقي للكوادر البشرية القادرة على إدارة المشاريع العملاقة بكفاءة عالية لتحقيق العوائد المرجوة منها، وكذلك يعاني من حلقة مفقودة تربط النمو الاقتصادي المحقق بدور فاعل للقطاع الخاص. وأكد البلوشي أن التعامل مع التحديات المالية والاقتصادية في السلطنة يتطلب تكاتف الجميع، ومعرفة حقيقة جذور هذه التحديات وتشابكاتها، وأهمية التعامل معها بشفافية ومهنية عالية.
وأفاد البلوشي أن إعلان الميزانية العامة للدولة حدث هام يترقبه جميع المهتمين بالشأن المالي والاقتصادي بالسلطنة، مشيدا بالدور الكبير للقائمين على إعداد الموازنة العامة للدولة والتي تمثل وقود التنمية في البلاد، وخاصة في ضوء التحديات الحالية والمستقبلية سواء تلك المرتبطة بالتغيرات المرتبطة بقطاع الطاقة المتعلقة بالطلب على النفط وأسعاره وكذلك ظهور مصادر الطاقة المتجددة، أو التغيرات الديموغرافية المرتبطة بزيادة عدد السكان والباحثين عن فرص العمل بالإضافة وزيادة الطلب على خدمات التعليم والصحة، موضحا أن التحدي يتمثل في امكانية تحقيق الاستدامة المالية، أي استمرار قدرة الدولة على القيام بالتزاماتها المالية اليوم وغداً وكلفة ذلك على الاجيال القادمة.

تنويع قاعدة الإنتاج الاقتصادي
من جانبه قال الدكتور سعيد بن محمد الصقري رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العمانية أن تثبيت سعر النفط في الموازنة على سعر 50 دولارا للبرميل فيه نوع من الحكمة والتحفظ من قبل الحكومة، موضحا أن ذلك ينسجم مع توقعات وكالة الطاقة الدولية والإدارة الأمريكية للطاقة، والتي أشارت إلى أن أسعار النفط ستكون في حدود 50 ـ 55 دولارا للبرميل خلال العام الجاري، متأملا بأن يتم تحويل أي زيادة في الإيرادات إلى الصندوق الاحتياطي للدولة وسد فجوة العجز.
وأشار سعيد الصقري إلى أن تنويع قاعدة الإنتاج الاقتصادي والابتعاد عن الاعتماد الكلي للنفط هو أحد الأهداف التي تسعى إليها الحكومة في موازنة العام الجاري، موضحا أن تحسين طرق جمع الضرائب وتسهيل الإجراءات الحكومية خصوصا المتعلقة ببيئة الأعمال، وكذلك الشروع في تنفيذ مبادرات “تنفيذ” من شأنها اجمالا أن تؤدي إلى احداث نقلة إيجابية في أداء القطاعات الاقتصادية غير النفطية، معتقدا ان ذلك سيساهم في تحقيق إيرادات غير نفطية تقدر بـ 2.7 مليار ريال عماني، كما أن التوجه الذي وضعته الحكومة في موازنة العام الجاري سيعزز من الانفاق الاستثماري.
وأعرب رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العمانية عن اعتقاده أنه من الأولى توظيف عدد آخر من الباحثين بدلا من موضوع الترقيات في ظل الأوضاع الراهنة، داعما رأيه بقاعدة “ندرة الموارد” والتي تعتبر من القواعد الأساسية في الاقتصاد، وتعنى باختيار البدائل الممكنة في ظل الموارد المتاحة.
وبين الدكتور سعيد الصقري أن الدول التي تتصف بالتنويع الاقتصادي يتولى فيها القطاع الخاص بعملية قيادة النمو وزيادة القيمة المضافة لهذه القطاعات والذي بدوره يجعله مصدرا أساسيا للتوظيف وتوليد فرص عمل، موضحا أن الضرائب والرسوم تعتبر مصدر الدخل العام في مختلف دول العالم، بالإضافة إلى الصناديق السيادية والأنشطة التجارية التي تملكها الدولة.