الشرعية الدولية السلاح الأهم في معركة القدس

د. أحمد سيد أحمد –
،، يمثل قرار الرئيس ترامب في السادس من ديسمبر بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس خطوة خطيرة تحمل تداعيات سلبية كبيرة على عملية السلام وعلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن التي تمثل الشرعية الدولية الضامنة لحقوق الفلسطينيين،،

كما أن قرار ترامب يغذي جذوة العنف والإرهاب في المنطقة ويدخلها في موجة جديدة من حالة عدم الاستقرار، وفي مقابل سياسة الأمر الواقع التي سعى ترامب لتكريسها فإن الشعب الفلسطيني يمتلك أهم سلاح وهو الشرعية القانونية والموقف الدولي الداعم له فقد عقد مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة 8 ديسمبر، جلسة طارئة لبحث القرار الأمريكي الاعتراف بشكل أحادي بالقدس عاصمة لإسرائيل. وباستثناء تأييد مندوبة الولايات المتحدة في المجلس للقرار، فقد أدانت ورفضت كل دول المجلس الخطوة الأمريكية وأكدت على أن القدس الشرقية هي مدينة محتلة كما أكدت على حل الدولتين. كما رفضت الدول الكبرى قرار ترامب وحذرت أيضا من تداعياته، حيث اعتبرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماى أن بريطانيا لا توافق على قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قبل التوصل إلى اتفاق نهائي حول وضعها»، مؤكدة أن مقر السفارة البريطانية في إسرائيل هو تل أبيب وليس هناك أي خطة لنقلها». ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بأنه «مؤسف» وقال: «لا توافق فرنسا على قرار الولايات المتحدة، وتؤيد الحل القائم على وجود دولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان في سلام وأمن، وعاصمتهما القدس». وأعاد ماكرون تأكيد موقفه الرافض لقرار ترامب خلال لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو في باريس يوم الأحد 10 ديسمبر.
وأكدت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل أن حكومتها لا تدعم قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ودعا الاتحاد الأوروبي إلى استئناف عملية سلام هادفة في اتجاه حل الدولتين، وأكد أنه طريق لا بد من التوصل إليه عبر المفاوضات لحل وضع مدينة القدس كعاصمة مستقبلية لكلا الدولتين حتى يمكن تحقيق تطلعات كلا الطرفين. وطالب البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، بضرورة احترام الأوضاع القائمة في مدينة القدس المحتلة، طبقا للقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة.
ويمثل الموقف الدولي والأوروبي الرافض لقرار ترامب إقرارا بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ورفض تغيير وضع القدس كمدينة محتلة بما يحافظ على الشرعية القانونية لها، كما أنه يعزل الخطوة الأمريكية ويجعلها مجرد سلوك أحادي لا يرتب أي آثار قانونية أو سياسية. كما يشكل الموقف الدولي ظهيرا قويا للموقفين العربي والإسلامي في مواجهة قرار ترامب وإجهاضه على أرض الواقع ويضع كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل في عزلة دولية وفي مواجهة المجتمع الدولي بأكمله وهو ما يفرغ الخطوة الأمريكية من مضمونها. إضافة إلى أنه يمكن توظيف الموقف الدولي في دعوة دول العالم إلى الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، وكذلك منع الدول الأخرى من حذو السلوك الأمريكي في نقل سفاراتها للقدس.
ويعتبر قرار ترامب خروجا واضحا على الشرعية الدولية والمرجعيات القانونية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني ولوضعية القدس الشرقية كمدينة محتلة من قبل إسرائيل عام 1967، وقد تمثلت تلك الشرعية في أكثر من مائة قرار صادرة عن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمات اليونسكو إضافة إلى محكمة العدل الدولية، وكلها تؤكد على عدم شرعية وعدم قانونية الأعمال الإسرائيلية، كسلطة احتلال، التي قامت وتقوم بها داخل الأراضي المحتلة ومنها القدس الشرقية، من عمليات التهويد وبناء المستوطنات وإقامة الجدار العازل والحفريات تحت المسجد الأقصى، كما أن المرجعيات السياسية تؤكد على أن مصير القدس النهائي وتقرير حدودها يتقرر وفقا للمفاوضات وارتكازا على القرارات الدولية. فمن بين عشرات القرارات الدولية حول القدس هناك العديد من القرارات المحددة التي تنص بشكل وضوح على عدم شرعية ما تقوم به إسرائيل تجاه تغيير وضع القدس وأبرزها: قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947، والذي صوتت الولايات المتحدة لصالحه والذي على أساسه قامت دولة إسرائيل، حيث نص القرار على إقامة دولتين إحداهما عربية وأخرى يهودية وأن يكون وضع القدس تحت إدارة دولية لتقرير مصيرها. ونص القرار 242 لسنة 1967 الصادر عن مجلس الأمن، على انسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها بعدوانها في الخامس من يونيو من هذا العام ومنها القدس.
وأكد قرار مجلس الأمن رقم 267 لعام 1969 أن جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والأعمال التي اتخذتها «إسرائيل» من أجل تغيير وضع القدس، بما في ذلك مصادرة الأراضي والممتلكات، هي أعمال باطلة ولا يمكن أن تغير وضع القدس، وطالب إسرائيل بإبطال جميع تلك الإجراءات وأن تمتنع عن اتخاذ أي إجراءات مماثلة في المستقبل. ورفض القرار 478 لسنة 1980 الاعتراف بقرار الحكومة الإسرائيلية بضم القدس الشرقية وإعلان القدس عاصمة موحدة لإسرائيل واعتبره انتهاكا للقانون الدولي، ودعا القرار الدول الأعضاء إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة. وقد سحبت بالفعل غالبية الدول بعثاتها الدبلوماسية من القدس، ثم فإن إعادة أي دولة لبعثتها الدبلوماسية للقدس، بما فيها البعثة الأمريكية، يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي ولقراري مجلس الأمن 476 و478.
وأكد قرار مجلس الأمن رقم 605 لعام 1987 على انطباق اتفاقية جنيف لعام 1949 على الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية بما يعني عدم شرعية أي إجراءات تقوم بها سلطات الاحتلال لتغيير وضع المدينة. وأخيرا نص القرار 2334 لسنة 2016 الصادر عن مجلس الأمن، على عدم الاعتراف بأي تغييرات تجريها إسرائيل على خطوط عام 1967 ومنها القدس الشرقية، وأن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ ذلك التاريخ، بما فيها القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية. وطالب القرار إسرائيل بوقف فوري لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
فضلا عن العديد من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة مثل القرار رقم 69‏/‏‏90 لعام 2014 الذي يؤكد الضرورة الملحة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ في عام 1967 بصورة تامة. وكذلك القرار الصادر من الجمعية العامة قبل أيام قليلة من إعلان ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والذي أكد أنه «لا صلة للقدس بإسرائيل» والصادر بأغلبية 151 دولة مقابل امتناع تسع دول ورفض ست دول فقط، ونص على أن «أي خطوات تتخذها إسرائيل كقوة احتلال لفرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها في مدينة القدس غير مشروعة وتعتبر لاغية وباطلة ولا شرعية لها».
إضافة لذلك هناك قرارات اليونسكو وأبرزها القرار الصادر في أكتوبر 2016 والذي أكد على الهوية العربية والإسلامية للمقدسات الدينية في القدس وعدم وجود علاقة لليهود بها، وشدد على وجوب التزام إسرائيل بصون سلامة المسجد الأقصى وأصالته وتراثه الثقافي وفقا للوضع التاريخي الذي كان قائما بوصفه موقعا إسلاميا مقدسا مخصصا للعبادة وجزءًا لا يتجزأ من موقع للتراث الثقافي العالمي. ويمثل قرار ترامب انتهاكا صارخا للقانون الدولي وقرارات المجلس خاصة القرار 478 الذي طالب الدول بسحب بعثاتها الدبلوماسية من القدس الشرقية ردا على قرار إسرائيل ضمها إليها، ورفض فرض سياسة الأمر الواقع. كما أنه لا يمكن لقرار ترامب بنقل السفارة أن يؤسس لوضع أو آثار قانونية أو سياسية للقدس على أرض الواقع ويعتبر خطوة أحادية الجانب من دولة عضو في الأمم المتحدة ولا يغير من الوضع القانوني للقدس كمدينة محتلة من قبل إسرائيل ولا يجوز إجراء أي تغييرات على وضعها وتركيبتها الديموغرافية والقانونية، وبالتالي فإن المعركة التي أثارها قرار ترامب حول القدس هي مواجهة بين الشرعية القانونية المتمثلة في القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن وبين سياسة الأمر الواقع التي تبنتها إسرائيل وتدعمها السياسة الأمريكية لتغيير وضع القدس وفرض واقع جديد على الفلسطينيين. وهو ما يدفع إلى أهمية إدارة هذه المعركة عبر آليات قانونية وسياسية واستخدام كل الأوراق العربية والإسلامية للضغط على الولايات المتحدة للتراجع عن قرارها أو استخدام سلاح الشرعية الدولية للذهاب لمجلس الأمن واستصدار قرار دولي بإلغاء قرار ترامب القاضي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس.