المهمة المتقدمة للقطاع الخاص الخليجي … توفير فرص العمل

د. محمد رياض حمزة –
mrhamza1010@gmail .com –

عند استعراض واقع سوق العمل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمكن الجزم بأن الحكومات الخليجية كافة أعطت وتعطي، وفي توجهاتها، ستواصل العطاء ولم تقصر في رعاية مواطنيها في التوظيف وتوفير فرص العمل في مؤسساتها. فضلا عن الامتيازات في الأجور والإجازات ويسر العمل اليومي وضمان التقاعد.. وغيرها. وعلى مدى نصف قرن أُتخم القطاع الحكومي بالموظفين فتكرست «بطالة مقنعة» ليس من اليسر معالجتها.
في المقابل نشأ القطاع الخاص ونما وتوسعت مشاريعه بدعم الحكومات الخليجية بسن القوانين والتشريعات بما لا يماثلها سخاء بالدعم في الاقتصادات العالمية. وبسبب محدودية السكان قبل النصف الأول من القرن الماضي أتاحت الحكومات للقطاع الخاص الخليجي الاستعانة بالقوى العاملة الوافدة « الآسيوية» للعمل في شركاته ومصالحه. وعلى مدى نصف قرن توافد على سوق العمل بدول المجلس قوى عاملة تصاعدت أعدادها ليتجاوز تعدادها عدد المواطنين الخليجيين أضعافا.
اليوم تواجه الحكومات الخليجية تحدي تصاعد نسب الباحثين عن عمل. ففي الوقت الذي لم يعد بالإمكان مواصلة التوظيف في القطاع العام إلا بقدر الحاجة الفعلية، يفد إلى سوق العمل سنويا عشرات الآلاف من المواطنين الخليجيين الباحثين عن عمل من مختلف مستويات التأهيل والتخصصات يضافون إلى عدد الباحثين عن عمل من سنوات سبقت. وعليه فإن تحدي « البطالة» إشكالية لا تتمكن الحكومات الخليجية من حلها إلا بتعاون منهجي من القطاع الخاص يماثل اهتمام الحكومات الخليجية في توفير فرص العمل لمواطنيها.
تحدي تزايد أعداد الباحثين عن عمل في دول مجلس التعاون يكرس استمراره سببان الأول: تفضيل المواطن الخليجي الوظيفة الحكومية على العمل الحر أو العمل في شركات القطاع الخاص. والثاني: القطاع الخاص الذي ركن الى القوى العاملة الوافدة في شركاته واعماله لخفض كلف التشغيل وزيادة أرباحه.
لم تكن شركات القطاع الخاص محصنة ضد الأزمات الاقتصادية التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي. ومعلوم أن كبريات الشركات الخليجية هي شركات عائلية. كما أن الشركات الأخرى، على مختلف تصانيفها التي يشغل كل منها عشرات الآلاف من القوى العاملة، تتعرض للأزمات، ولم يكن نموها أو استقرارها حالة مستدامة. الأمر الذي جعل إداراتها التنفيذية حريصة على اتخاذ التدابير اللازمة للتحوط من الأزمات والحفاظ على استدامة أرباحها بما تمكنت من الإجراءات ومنها خفض الكلف الكلية لأنشطتها، بما في ذلك خفض كلف التشغيل. الأمر الذي جعلها تفضل تشغيل القوى العاملة الوافدة ذات الأجور الأقل من أجور القوى العاملة الوطنية.
يتخرّج الشباب الخليجي من التعليم الأساسي (الثانوي) ومنهم لم يحصل على مقعد دراسي في مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة فهم في عداد الباحثين عن عمل وبدون أي خبرات. كما يتوجه لسوق العمل الآلاف من خريجي مؤسسات التعليم العالي (الجامعات الحكومية والخاصة) وبتخصصات مختلفة ابتداء من الدبلوم المهني إلى أعلى الشهادات. وتؤكد دراسات ميدانية عديدة أن معظم الشباب الخليجي، ذكورا وإناثا، يفضلون الانتظار لأي مدة من الزمن من غير عمل أملا في التعيين بوظيفة في مؤسسة حكومية. كذلك فالشباب الخليجي أقل اندفاعا في تأسيس أعمالهم الحرة وإنشاء مشاريعهم الصغيرة والمتوسطة. رغم دعم وتشجيع الحكومات الخليجية لمبادرات التشغيل الذاتي والعمل الحر.
ولعل الحجج التي يستند لها الشباب الخليجي في العزوف عن العمل في القطاع الخاص وتفضيل العمل في القطاع الحكومي حقيقية. بل ان تلك الحجج تمثل الواقع الذي يساهم في بقاء تحدي « البطالة» واستفحاله وهو أن مزايا العمل في القطاع الحكومي لا تماثلها في القطاع الخاص.
فتوفير فرص العمل للقوى العاملة الوطنية في منشآت القطاع الخاص يجب ألا يقتصر على تنفيذ خطط إحلال القوى العاملة الوطنية محل الوافدة التي تفرضها الحكومات الخليجية على شركات القطاع الخاص في إطار برامج التوطين، بل ان القطاع ذاته يجب أن يكون مبادرا في توفير فرص العمل بمنشآته بخطط إحلال لا تتوقف.
في معظم دول العالم ذات الاقتصادات الرأسمالية فإن عدد القوى العاملة في المؤسسات الحكومية لا يتجاوز 10% من جملة القوى العاملة في مختلف أنشطة الاقتصاد. التي تعود ملكيتها وإدارتها للقطاع الخاص. بمعنى أن شركات ومصالح القطاع الخاص هي المعنية الأولى بتوفير فرص العمل بالتنسيق مع الحكومات.
هنالك العديد من الأسباب التي تجعل من توفير فرص العمل في القطاع الخاص محدودة أو لا تتناسب مع عدد الباحثين عن عمل ويتعين على إدارات منشآت القطاع الخاص التنفيذية معالجتها وأهمها:
ـــ المشاريع الصناعية الكبيرة العائدة، ملكيةً وإدارة ، للقطاع الخاص. فالصناعة هي المشغل الأكبر للقوى العاملة. وإن وجدت في السلطنة فإن معظم الموارد البشرية فيها من القوى العاملة الوافدة في مختلف المستويات الوظيفية التي يمكن أن يشغلها مواطنون. إن أعطوا فرصة في التدريب.
ـــ بهدف خفض كلف التشغيل والكلف الكلية في مختلف أنشطة القطاع الخاص الاقتصادية الصناعية والخدمية والتجارية، يفضل القطاع الخاص تشغيل القوى العاملة الوافدة على تشغيل القوى العاملة الوطنية، بالقدر المتاح وفي إطار القانون. وإن الفرق في الأجر عامل في خفض كلف التشغيل ويؤدي إلى زيادة ارباح المنشآت. وبقي هذا العامل يحد من فرص العمل المتاحة للقوى العاملة الوطنية في القطاع الخاص. كما أن بقاء نظم العمل متباينة في الأجور والامتيازات الأخرى كالحوافز والعلاوات والإجازات بين القطاعين العام والخاص. وبالرغم من علم إدارات منشآت القطاع الخاص بهذا التباين لم يبادر القطاع الخاص بالعمل على تقريب الهوة بين امتيازات العاملين في منشآته وبين امتيازات اقرانهم في مؤسسات القطاع الحكومي. الأمر الذي يجعل من اشغال ما يتوفر من فرص عمل جديدة تذهب للقوى العاملة الوافدة.
ـــ منافسة القوى العاملة الوافدة للقوى العاملة الوطنية في سوق العمل الخليجي مصدرها الخبرة والتأهيل والتخصص وإجادة اللغة الإنجليزية. وهذه العوامل مجتمعة مع الفرق في الأجر جعلت توفير فرص العمل للقوى العاملة الوطنية محدودا، وذلك بالرغم من وجود عشرت الآلاف من الباحثين عن عمل من حملة الشهادات الجامعية، الدبلوم والبكالوريوس.
ـــ ضعف نمو وتوسع القائم من منشآت القطاع الخاص الإنتاجية والخدمية والتجارية أو قلة إنشاء المشاريع الجديدة يقلص من توفير فرص العمل للقوى العاملة الوطنية. وإن توفرت فرص العمل لدى القطاع الخاص فعادة ما تكون وظائف تتطلب خبرات متقدمة أو تخصصات تقنية فإن الوافدين هم الأكثر عددا في مثل تلك الوظائف القيادية أو الإدارية والتقنية المتقدمة. لذا فإن فرص العمل الجديدة التي يعرض القطاع الخاص في سوق العمل نادرا ما تشغلها القوى العاملة الوطنية.
ـــ فرص العمل الجديدة التي تعرض في سوق العمل من قبل القطاع الخاص التي تتطلب الخبرة في استخدام التقنيات الإلكترونية المتقدمة ومختلف برامجياتها والحاجة إلى الخبرات المتخصصة لاستخدامها في الصناعة والإنتاج والخدمات والتجارة تحتاج إلى خبرات جاهزة فتشغلها قوى عاملة وافدة.
ـــ تفضل شركات القطاع الخاص الخليجية القوى العاملة المؤهلة التي لا تحتاج إلى التدريب لشغل الوظائف/‏‏ المهن التي تتوفر في مصانعها أو اعمالها الخدمية أو التجارية. أي أن معظم الشركات من الدرجة الثانية فما دون ليس فيها وحدات تدريب، وذلك سبب في تشغيل القوى العاملة الوافدة. فتتقلص فرص تشغيل القوى العاملة الوطنية التي تحتاج إلى التدريب أو حتى قليل من التدريب على الوظائف والمهن.
ــ وقبل ما تقدم فإن التعليم بمراحله كافة يجب تضمين مناهجه ما يؤسس للخريجين الرغبة في العمل وتقبل العمل الحر، بالتوازي مع التأهيل النوعي العلمي المتخصص، فيقدم المواطن إلى سوق العمل مثابرا جادا بمؤهلات مطلوبة تؤمن له فرصة العمل.
ولا بد من التذكير بأن فرص العمل التي تتوفر في شركات القطاع الخاص الخليجي الجديدة منها أو تلك التي تتوفر وفق برامج التوطين والإحلال تتنوع من الوظائف والمهن ذات المتطلبات المحدودة إلى تلك التي تحتاج إلى التخصص والخبرات المتقدمة لا يمكن مد زمن انتظار من يشغلها. إذ إن حاجة المنشآت ملحة وآنية في تعيين من يشغلها. فقبول الباحثين عن عمل بما يعرض عليهم من المهن أو الوظائف والاستقرار في عملهم يحفز المنشآت على توفير المزيد من فرص العمل.