وتر: كذبتنا البيضاء

شريفة بنت علي التوبية –

الحرية التي تشاء لم تكن، الحرية التي تحلم بها وتشتهيها ليس لها وجود على أرض الواقع، وما هذه الحرية التي تخبرني عنها سوى حلم عذب يقف بك عند حدود ما أنت عليه من أمل عاجز، فتكذب كذبتك البيضاء وتصدّقها رغم حقيقة القيد على معصميك ورغم حقيقة الحدود الزمانية والمكانية التي تحاصرك بها الحياة. لسنا أحراراً كما نظن ولن نستطيع أن نكون أحراراً كما نشاء أو نحلم، حتى وإن ولدتنا أمهاتنا أحراراً، لأن الحياة تستعبدنا منذ اللحظة التي نسلّم فيها زمام أنفسنا لها ومنذ الصرخة الأولى لنا بلحظة الميلاد، تستعبدنا الحياة حُباً وتعلّقاً، وتجبرنا على السير خلفها في طرق مرسومة بحدود شائكة لنبقى سجناء فكرة وثقافة وحياة مجتمعية معدة لنا سلفاً، قيود الحرية ليست لونا أو جنسا أو أصلا بل فكرة تجعلنا نقصّ أجنحة الحلم التي نستعين بها في لحظاتنا المعتمة فلا تشرق على أحلامنا شمس، ونبقى أسرى لتلك الصورة النموذجية والمثالية التي يريدها لنا المجتمع، نسير بإرادته ونلبس ثوبه ونؤطر صورنا بإطاره المخدوش، حتى نكاد لا نعرف صورنا المنعكسة في تلك المرايا المكسورة التي تحولنا إلى نسخة من الآخر، والغريب أنه يسعدنا ذلك التشابه البغيض وتلك التبعية وذلك التكرار الممل، لنعيش كما يعيشون ونفعل ما يفعلون ونأكل ما يأكلون ونلبس ما يلبسون، وأغلب ما نفعله ليس منا بل من المجتمع، وليس لنا بل لأجل عيون المجتمع، ونبارك ونربي هذه التبعية المطلقة في أن نكون نسخا مكررة تتوالد وتتكاثر دون أن يعرف أحدنا أيهم هو بين الجميع؟
فكم نخشى الخروج من دائرة القطيع، وكم نخشى صورة الذئب المرسومة في أذهاننا والمتربص بنا في غابة الحياة الواسعة، لذلك لم نغامر باكتشاف الغابة أو حتى مجرد محاولة عبورها، لأن الذئب سيلاحقنا والذئب سيأكلنا كما تقول الحكاية، ولو حاولت ارتداء أجنحتك وجربت محاولة التحليق ستكون مجنوناً أو منبوذاً، وستبقى وحيداً لأنك مختلف ولأنك ذلك الفرخ الأسود ، وستجد من يسعى لكسر أجنحتك لتظل زاحفاً في طريق مرسوم لك منذ البداية، وستكون على يقين بأن الحرية كذبتك البيضاء التي تستعين بها كلما اعتراك وهَن أو رغبة في المقاومة، وأن الحرية وهم الحياة وحقيقة الموت، ورغم ذلك تبقى قلوبنا الشيء الوحيد الحر فينا، لذلك تؤلمنا العاطفة جداً وتجرحنا وتحرجنا لأنه لا سلطة لنا على قلوبنا، فيبقى حراً متمرداً لا يخضع لأي قيد أو إرادة.