«المثالية ».. مطلب لا يزال بعيد المنال

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

توثق الممارسات السلوكية لدى الناس جميعهم أن «الفضيلة بين طرفين؛ كلاهما رذيلة» فالكرم يقع بين طرفين: أحدهما بخل؛ والآخر تبذير، والشجاعة تقع بين طرفين: أحدهما جبن؛ والآخر تهور، وعندما نسقط فهم الـ «مثالية» على مثل هذه الأمثلة فإننا نرى أن الـ «مثالية» تذهب الى خط ممتد متدرج يبدأ من مستوى الصفر؛
تختزن الحالة الواعية عند الناس الكثير من المفاهيم والمصطلحات، وعلى الرغم من أنها مفاهيم معنوية، وأن الناس لا يلمسونها في حالة تجريدية مادية، إلا أن الإيمان بها وبأهميتها، يظل حاضرا، حيث يقتطع لنفسه مساحة غير يسيرة من مساحة هذه الحالة الواعية لدى هؤلاء الناس؛ في الزمان والمكان، ولذلك هم يمارسونها من خلال توظيف مجموعة الصور المعبرة عنها، ويوقنون وهم يرون نتائج ممارساتهم، أنها المعبرة حقا عن هذا المفهوم او ذاك، وأنه بغير هذه النتيجة التي توصلوا اليها، لم يتحقق التوظيف الكامل لهذا المفهوم، فالقياس هنا يقف عند المحصلة النهائية للفعل الممارس، ومدى القناعة الناتجة بأهمية بقاء المفاهيم بتجريدية المصطلح أولا، وبتوظيف السلوك المعبر عنها ثانيا.
وتأتي الـ «مثالية» هذا المفهوم الإنساني الجميل واحدا من مفاهيم كثيرة نعيشها ونمارسها في حياتنا اليومية، ونرى فيها الكثير من التحقق لمعنى إنسانيتنا، وحقيقة وجودنا كأفراد مؤثرين في مسرح الاشتغال اليومي في هذه الحياة، والـ «مثالية» مرتقى إنساني كبير وعظيم، يسعى الإنسان منذ نعومة أظفاره لأن يصل الى معادلة التوفيق لتحقيقه، فليس الأمر يسيرا بالسهولة التي نتحدث عنها لتحقيق الـ «مثالية» على الرغم من المحاولات الدؤوبة عند كل البشر للوصول الى هذه الغاية التي تبدو بعيدة المنال انعكاسا للسلوكيات الصادمة؛ دائما؛ التي يقوم بها الإنسان مع من حوله، امتثالا لنزعات الذات، ومختلف التجاذبات النفسية التي يعيشها، ولعل الفطرة الإنسانية هي الذاهبة به الى أن يعيش هذا الحلم لتحقيق الـ «مثالية» في حياته، وسيظل كذلك الى آخر لحظة من عمره، مع أن تحقيقها مسألة نسبية حتى مع نفسه، فقد يكون مثاليا في أمر ما، ويفشل فشلا ذريعا في جوانب أخرى من حياته، وهو ما يندرج تحت حالة الضعف التي يعيشها الإنسان، فالإنسان؛ بطبيعته؛ متقلب المزاج، حاد العواطف، قلقا، متشائما، مرتبكا، يساوره الخوف في كثير من خطواته، لا يهنأ بما حقق، ولا يزال يطلب المزيد، وغيرها من العوامل النفسية التي يعيشها، وانعكاسا لتصارع هذه القيم النفسية بين جوانبه، يفشل في المقابل للوصول الى الـ «مثالية» الحقة، ويظل هكذا يعيش نقائصه الدائمة، مع أن الحكمة تقول: «ثابت الخطوة يمشي ملكا».
يستحضر الفهم الاجتماعي لـ «المثالية» من خلال ممارسات كثيرة، تأتي على شكل تنظيم معين، برامج، قوانين، أنظمة، قيم، تقاليد، أعراف، سنن، وهذه كلها، وإن لم يقصد بها الفهم المجرد لـ «المثالية» إلا أن التوجه هكذا، ولو بصورة غير مباشرة، وعلى سبيل المثال؛ الأسرة، وهي النواة الأولى لغرس القيم، كما هو معروف، فكل ما تقوم به الأسرة من محاولات في زرع القيم، وما تغرسه في نفوس أبنائها من نصائح وإرشادات، ومن محافظة مباشرة، ليس فقط على الجانب المعنوي للطفل؛ من غرس القيم وغيرها؛ ولكن حتى المحافظة على الجانب المادي لهذا الطفل من حيث صحته، وملبسه، وما يجب أن يظهر اليه امام المجتمع الخارجي، لأنه يعبر عن حقيقة ما يدور داخل هذه الأسرة، فالأطفال الأصحاء ذهنيا ومظهريا، هم؛ بلا شك؛ يعبرون عن عيشة سوية، هانئة تعيشها هذه الأسرة او تلك، وإن كان الأمر غير ذلك تماما، وعلى الأسرة أن تتلقى مأزق عدم التوفيق في التربية، وهو ما يظهره المجتمع من حولها على شكل انتقادات مباشرة وغير مباشرة، وهي انتقادات؛ لا شك؛ أنها تؤلم أفراد الأسرة، وتضعهم على محك المراقبة والنقد الدائمين، وهذا النقد تنبني عليه الكثير من الأحكام والمواقف بعد ذلك، ولذلك تحرص الأسر، بغض النظر عن مستواها الاجتماعي، وانتمائها الأرستقراطي على ثيمة الـ «مثالية» لتكون في منأى عن سهام النقد والتقييم التي عادة ما يصوبها أفراد المجتمع على الأسر، لأن أي خدش تتعرض له الأسر في أي شأن من شؤون الحياة، ليس يسيرا بعد ذلك إزالته من الذاكرة الجمعية التي يكون عليها المجتمع، وهناك أسر كثيرة تتضرر من أثر تقييم المجتمع لها، بعد وقوعها في مطب أخلاقي، ولم تنفعها سيرتها الأولى، وهذا في حد ذاته تحد كبير أمام الأسر، لأن تبقى على مثاليتها النسبية الدائمة، أو ترمى في الحضيض مع أي هفوة تتعرض لها، والمجتمع كما يقال: «لا يرحم».
تخرج الـ «مثالية» في المجتمع الحديث عن قانونها الاجتماعي الصرف، وتذهب الى حيث التنظيم الحديث من حيث سن القوانين والأنظمة في المؤسسات – على سبيل المثال – فالتأسيس هنا يرتقي من الاجتهاد، المعروف في الحالة الاجتماعية، الى الإلزام، المعروف في الحالة المؤسسية، ووجود هذا التنظيم في المؤسسة هو السعي بقوة القانون؛ هنا؛ الى الوصول الى الـ «مثالية» فحتى تقوم المؤسسة بكافة المهام والمسؤوليات المكلفة بإنجازها لا بد أن تتوافق جميع القوى العاملة في المؤسسة مع هذه القوانين والأنظمة في الأداء، ووصول المؤسسة في أدائها الى مستوى الرضا نسبيا، هو اقترابها الشديد من الـ «مثالية» فقوة القانون هنا هي التي تلزم جميع العاملين في المؤسسة الى القيام بمهامهم ومسؤولياتهم على أكمل وجه، ومن يخل بدوره سوف يتعرض الى مجموعة من الإجراءات العقابية المباشرة والملزمة في نفس الوقت، كما هو الحال في الحالة الاجتماعية، وإن كان في الحالة المؤسسية، يختلف الأمر قليلا؛ حيث الإلزام القاطع «سيد الموقف» وإن حدث استثناء في هذا الإلزام، فهذا أمر ثانوي، ليس هنا مكان مناقشته، والوصول الى المثالية النسبية في المؤسسة مسألة جوهرية وقطعية، وإلا ضعف الأداء المؤسسي؛ الذي يعول عليه الكثير من الآمال في الإنجاز، وليس هنا – في حالة المؤسسة – أي خيار تتكئ عليه للتعليل عن ضعف الأداء.
تؤثر على الإنسان، بصورة عامة، مجموعة التجاذبات النفسية، فتثنيه عن تحقيق الـ «مثالية» ويرى في كسر بعض القيم كما في الحالة الاجتماعية، او القوانين في الحالة المؤسسية، لأجل الوصول الى مبتغاه الخاص، أمرا ليس مهما الى درجة التضحية لما يود تحقيقه، لأن المكسب الشخصي يظل دائما له أولوية أولى في حساباته، ويرى في المتحقق العام، أن ذلك أمرا مشتركا ليس معنيا به هو كفرد، حتى يتنازل عن ما يود تحقيقه، وأن الأيام كفيلة بإصلاح الكثير من المثالب والأخطاء التي يرتكبها في حق المجتمع، وفي حق نفسه، فهناك مشروع ممتد للتوبة يتيحه العمر الباقي للحياة، ويأمل في الغد بتحقيق ما يحقق له التوازن بين متحققه الشخصي، ومتحققه الجمعي، للوصول الى هذه النجمة الساطعة الـ «مثالية» في سماء الكون، مع أنها بعيدة المنال، وانعكاسا لهذه الانفلاتات الفردية تضيع كثير من الجهود للوصول الى غاية الـ «مثالية» في كل أنشطة الحياة العامة والخاصة الى حد سواء، ولعل في ذلك عبرة تؤكد الضعف الموسوم به الإنسان في جميع محطاته في الحياة.
توثق الممارسات السلوكية لدى الناس جميعهم أن «الفضيلة بين طرفين؛ كلاهما رذيلة» فالكرم يقع بين طرفين: أحدهما بخل؛ والآخر تبذير، والشجاعة تقع بين طرفين: أحدهما جبن؛ والآخر تهور، وعندما نسقط فهم الـ «مثالية» على مثل هذه الأمثلة فإننا نرى أن الـ «مثالية» تذهب الى خط ممتد متدرج يبدأ من مستوى الصفر؛ ويظل في تدرجه حتى مبلغ الكمال، وهو بذلك يتجاوز فهم الفضيلة المتموضعة بين طرفين، ولذلك كل منا باستطاعته تحقيق الفضيلة والبقاء عليها أمدا طويلا، ومسألة تنازله عنها مسألة قرار شخصي بامتياز، أما الـ «مثالية» فصعب القياس للوصول اليها، او البقاء دونها، لأنها تحتاج الى مجاهدة أكبر، وكما يقال دائما: «الوصول الى القمة سهل، والحفاظ عليها صعب» ويقال أيضا: «الحفاظ على النجاح، أصعب من النجاح» وفي هذا الاتجاه يتأكد للمتابع أن الـ «مثالية» هي الأخرى حالة كونية لدى كل المجتمعات بلا استثناء، وسنن الكون قائمة على تحقق الغايات الكبرى لأنها من عند الله عز وجل؛ لـ «المثالية» فتوالي الليل والنهار، ودوران الشمس والقمر بهذه الدقة المتناهية، وديمومة الحياة بكائناتها، واكتفاء هذه الكائنات بأرزاقها طوال هذه الدهور التي مرت وحتى الآن، كل ذلك يعكس مثالية في ذروة تحققها، والإنسان بجهوده المتواضعة مطالب لأن يتمثل الكثير من هذه المشاهد التي يعيشها ليقترب بحياته الخاصة والعامة من تحقق الـ «مثالية» ولو بالصورة النسبية، المهم في هذا الأمر أن يكون دون ذلك تكاسلا، فاستثمار جميع المعززات العقلية والمادية المسخرة للإنسان يصبح أمرا حتميا للمضي في توظيفها للوصول الى الـ «مثالية».