مصير الأسد يفخخ الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف

بشير عبد الفتاح –

,, جددت المعارضة السورية ما سبق أن أكدت عليه في أعقاب فشل الجولة السابعة من مفاوضات جنيف، حينما اتهمت الهيئة العليا للمفاوضات في بيان لها المجتمع الدولي والأمم المتحدة بعدم ممارسة الضغط اللازم على نظام الأسد بغية حمله على الانخراط بجدية وعلى نحو إيجابي في العملية السياسية ,,
سعى المبعوث الدولي دي مستورا جاهدا إلى إضفاء سمت غير مسبوق على الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، يتمثل في الحوار المباشر بين وفدي الحكومة والمعارضة أثناء المحادثات للمرة الأولى منذ انطلاق تلك المفاوضات في عام 2012 ، حيث عرض المبعوث الأممي على وفدي النظام والمعارضة هذه الفكرة قبيل انعقاد هذه الجولة ،غير أن دعوة دي مستورا لم تلق ترحيبا، وعلق عليها رئيس وفد المعارضة في مفاوضات جنيف -8 «نصر الحريرى» بأن النظام يخشى المواجهة المباشرة في المحادثات مع المعارضة.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن فكرة الحوار المباشر بين ممثلي المعارضة والنظام لم تكن وليدة دعوة دي مستورا خلال الجولة الحالية من مفاوضات جنيف، وإنما سبق للمبعوث الأممي أن ألمح إليها خلال جولات تفاوضية سابقة كان آخرها الجولة السابعة على سبيل المثال، كما سبق لموسكو كذلك أن عرضت هذا الأمر في وقت سابق من شهر نوفمبر المنقضي ، من خلال الدعوة إلى عقد مؤتمر موسع للحوار الوطني السوري، في روسيا ، بل إن وزارة الخارجية الروسية أعلنت بالفعل عن قيامها بتوجيه دعوات لممثلي 33 منظمة وفصيل معارض، بما فيها مجموعات المعارضة التي تتخذ مقرات لها في كل من دمشق والقاهرة والرياض وإسطنبول وباريس وجنيف ومدريد، من أجل المشاركة في هذا المؤتمر، الذي يهدف، بالأساس إلى توسيع نطاق مشاركة المهتمين في التسوية السورية ليشمل ممثلي القبائل إلى جانب المجموعات الإثنية والطائفية.
غير أن تحديات شتى لا تزال تحول دون انعقاد هذا المؤتمر ، حتى الآن على الأقل، كان من أبرزها : تآكل ثقة غالبية أطياف المعارضة السورية في حيادية وموضوعية الجانب الروسي المساند للأسد سياسيا وعسكريا، فضلا عن تعاظم مخاوفها من أن يكون هذا المؤتمر محاولة جديدة من موسكو لتعويم الأسد من خلال انتزاع اعتراف رسمي من ممثلي كافة فصائل المعارضة المشاركين في المؤتمر بشرعية الأسد ونظامه، من خلال جلوسهم وجها لوجه مع ممثلي النظام.
وفى بدايتها، اصطدمت الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف بجدل حامى الوطيس حول مشاركة وفد النظام السوري في فعالياتها. وبينما أبدى تفاؤله بمشاركة معارضة سورية «موحدة» في جنيف-8 عقب مؤتمرها الذي استضافته العاصمة السعودية مؤخرا، أبدى مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، انزعاجه عشية اليوم الأول للمفاوضات، من عدم تأكيد الحكومة السورية مشاركتها في تلك الجولة من مفاوضات جنيف ، وتوجيهها رسالة للمنظمة الدولية قبل موعد انعقاد المفاوضات بيومين تبلغها فيها بأن وفدها لن يحضر في اليوم الأول للمفاوضات، لكنه قد يأتي لاحقا .
وكانت صحيفة «الوطن» السورية قد كشفت، نقلا عن مصادر دبلوماسية، أن وفد الحكومة السورية قد أرجأ السفر إلى جنيف ، بسبب استياء دمشق من نص البيان الصادر عن الاجتماع الذي عقدته المعارضة السورية في الرياض الأسبوع الماضي بغرض توحيد صفوفها قبيل المشاركة في الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، وهو البيان الذي أكدت فيه كافة الفصائل المشاركة في الاجتماع بمسودة بيانه الختامي، أن ابتعاد الأسد عن أي دور سياسي مستقبلا يعد البداية الحقيقية للانتقال السياسي في سوريا ، هذا إلى جانب ما اعتبرته دمشق تفسيرا ملتبسا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 فيما يخص تمثيل كل أطياف المعارضة.
وزاد من استياء دمشق، تأكيد «نصر الحريري» رئيس وفد المعارضة الموحد قبيل ساعات من بدء الجولة الثامنة من المفاوضات ، تمسك فريقه بتنحي الأسد مع بدء المرحلة الانتقالية، وعدم إشراكه في أي عمل يتعلق بمستقبل سوريا في قادم الأيام، مشيراً إلى أن الهدف من المفاوضات هو تحقيق انتقال سياسي يستند على رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، ومطالبا موسكو بممارسة ضغوط على دمشق لكي تشارك في المحادثات. وبعد اتهامه النظام السوري بالخوف من المحادثات المباشرة، رحب « نصر الحريري» كذلك بدعوة المبعوث الأممي إلى مناقشة السلة الأولى من السلال الأربع، وهي سلة الانتقال السياسي، وأكد « الحريري » أن جدول أعمال المعارضة في جنيف- 8 سيتمحور حول ملفات الانتقال السياسي والقضايا الإنسانية ثم الدستور وإجراء الانتخابات ،على أساس إعلان جنيف -1،وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.
وقد فاقم من غضب نظام الأسد ، تلاقي موقف المعارضة من مستقبل دوره السياسي، والذي أكد عليه «نصر الحريري» مرارا، مع تأكيد إدارة ترامب على أن الأسد لن يكون له مكان في مستقبل سوريا، فضلا عن تشديد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أثناء محاضرة له في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن، أن بلاده ما زالت مصممة على رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، حيث قال: « كل ما يحدث في البلاد اليوم هو بسبب الأسد ،على المدى الطويل، لا يمكن للأسد البقاء بسوريا، يجب تقبل هذا الواقع».الأمر الذي تزامن مع تأكيد دي ميستورا أن الأمم المتحدة لن تقبل «أي شرط مسبق» للمشاركة في جنيف-8 سواء من قبل الحكومة السورية أو من جانب المعارضة. وهو التصريح الذي يفترض فيه أن ينصرف إلى عدم السماح لوفد النظام بتغيير مسار المفاوضات لتتلاشى القضايا السياسية والمرحلة الانتقالية ومصير بشار الأسد، كما لن يتجاوب مع دعواتهم المتكررة باستبعاد أو إقصاء أي من ممثلي المعارضة عن المفاوضات.
وبعد طول غموض بشأن مشاركة الوفد الحكومي السوري في محادثات جنيف-8، والتي كان من المقرر أن تنطلق الثلاثاء الماضي، أعلنت وزارة الخارجية السورية، أن الوفد الحكومي برئاسة بشار الجعفري سيصل إلى جنيف في اليوم التالي (الأربعاء)،كما أعلنت الوكالة العربية السورية للأنباء نقلا عن وزارة الخارجية أن وفد الحكومة برئاسة بشار الجعفري، سيشارك الأربعاء في الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف للسلام مع المعارضة السورية. بيد أن مثل هذه التصريحات التطمينية، أوحتى مجيء وفد النظام إلى جنيف في اليوم التالي،لم يكن ليبدد غيوم التشاؤم التي لبدت سماء جولة جنيف الثامنة ، والتي كانت قد سبقتها موجة من التفاؤل جراء اصطفاف مختلف فصائل المعارضة وتوحدها قبيل المحادثات .
فمن جهتها، هرعت مصادر مقربة من نظام الأسد تتحدث عما أسمته «العودة إلى المربع الأول في المفاوضات»، بعدما ارتأت أن هناك محاولات لفرض شروط مسبقة عليها من قبل المعارضة بمباركة من دي مستورا، على نحو ما تجلى في التأكيد على عبارة «سقف المفاوضات رحيل الرئيس بشار الأسد عند بدء المرحلة الانتقالية».
وعلى الجهة المقابلة ، جددت المعارضة ما سبق أن أكدت عليه في أعقاب فشل الجولة السابعة من مفاوضات جنيف ، حينما اتهمت الهيئة العليا للمفاوضات في بيان لها ، المجتمع الدولي والأمم المتحدة، بعدم ممارسة الضغط اللازم على نظام الأسد بغية حمله على الانخراط بجدية وعلى نحو إيجابي في العملية السياسية ، أو إجباره على التوقف عن الالتفاف والمراوغة والاعتصام بشعار محاربة الإرهاب للهروب من استحقاقات المرحلة الانتقالية.
أما دي مستورا، الذي أعلن في مقابلة مع فضائية «الجزيرة» القطرية عام 2015، أنه يعاني من مرض التفاؤل المزمن ، فلم يكن بحوزته من أسلحة في مواجهة تأخر وفد النظام ويأس ممثلي المعارضة ، سوى التشديد على أن الهدف النهائي لمفاوضات جنيف إنما يكمن في تنظيم انتخابات عادلة يشارك فيها جميع السوريين، بالتوازي مع تذكير العالمين بأن الأزمة السورية قد أضحت أسوأ مأساة في تاريخ الأمم المتحدة، وأن إعادة إعمار سوريا بعد ما يربو على ست سنوات من الحرب الضروس، ستتطلب 250 مليار دولار أمريكي، وفقا لأكثر التقديرات تفاؤلا، الأمر الذي يجب أن تسبقه تسوية سياسية شاملة.