هوامش.. ومتون: القدسُ.. ذاكرةٌ لا تموت

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

عندما كنّا صغارا، ندرس في المرحلة الابتدائية، جاء إلى المدرسة، ذات يوم، معلّم الرسم، بوجه غاضب، وقف أما جدار مطلي بالبياض، جلب طاولة عالية، وصعد  عليه، حاملا معه فرشاته، وألوانه، وبدأ يرسم، وسط دهشتنا، كنّا لأوّل مرّة نراه يرسم بفرشاة على جدار، وليس على سبورة بالطباشير، ولأنّ رسم اللوحة كان يستغرق وقتا، غالبا ما تكسره دقّات الجرس، لدخول الصفوف، كنّا كلّما يحين موعد الفسحة نجري إلى ساحة المدرسة، لنشاهد ماذا فعل معلّم الرسم بالحائط، وفسحة بعد أخرى، بدأت الملامح تتّضح، فقد رسم معلّمنا قبّة الصخرة، وفدائيا يحمل بندقية صارخا بغضب، يشبه الغضب الذي رأيناه مرسوما على وجه معلّمنا، كان ذلك في عام 1969 بعد أن قام متطّرف أسترالي بإشعال النار في المسجد الأقصى، والتهم الحريق منبر صلاح الدين الأيوبي الذي اعتلاه بعد أن حرّر القدس من أيدي الصليبيين عام 1187م، وطال الحريق نوافذ خشبية، وأعمدة، وشبابيك المسجد، والجدران، والزخارف، والآيات القرآنية، والسجاد، وأجزاء كثيرة من المسجد القبلي، وإذا كان معلّم الرسم قد اختار الخطوط، والألوان ليضع إصبعه على الذي يشغل الشارع العربي في تلك الأيّام، فإن بقيّة المعلّمين كانوا يدخلون الصفوف مصطحبين معهم خريطة الوطن العربي، وصورا لأطفال مشرّدين يسكنون الخيام، وقصائد محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، شارحين لنا أبعاد القضيّة الفلسطينيّة، وكانت الإدارة تخصّص وقتا طويلا من الطابور الصباحي لإلقاء الخطب الحماسيّة، والقصائد، والأناشيد، والمشاهد التمثيليّة التي تدور حول نقطة واحدة هي «فلسطين المغتصبة »وكانت غالبا ما تفتح أبواب المدرسة إيذانا بالخروج في مسيرات تلهب الحماس في الشارع،هاتفين« فلسطين عربية»، وكثيرا ما نجري إلى المدارس المجاورة، لحثّها على الخروج معنا، والمدرسة التي لا تستجيب تكون الحجارة التي نرميها على نوافذ الصفوف خير سلاح نستخدمه للضغط على إدارتها، هكذا كنّا، وكان الشارع العربي يغلي، والأناشيد تبثّها الإذاعات، تلهب الحماس في النفوس، وهي تنطلق من مكبّرات الصوت في المحلات، والمطاعم، والمقاهي، وحملات التطوّع للعمل الفدائي مستمرة، ولأنّنا كنا صغارا، فكانت مساهمتنا، كما شرح المعلّمون، تكمن بالتبرّع بجزء من مصروفنا اليومي، وهو مصروف ضئيل جدّا، يجود به الأهل لشراء وجبتنا المفضّلة (صمّونة، وعنبة)، من الباعة المتجوّلين الذين يتكدّسون أمام الباب الخارجي للمدرسة، وبدلا من إسكات جوعنا، أفهمنا معلمونا أنّ دعم العمل الفدائي، واللاجئين الفلسطينيين، عن طريق شراء طوابع نقوم بلصقها بدفاترنا، هو واجب مقدّس، وكان أكثر طابع يعرض علينا هو طابع عليه صورة المسجد الأقصى، والنيران تلتهمه، ذلك المشهد الذي استلهم منه معلّم الرسم لوحته الجداريّة التي صارت ملتقى لنا، نتجمّع تحتها.
وكنّا، وسط ذلك الحماس الشديد، على يقين تام بأن مسألة تحرير فلسطين ليست سوى قضية وقت لن يستغرق طويلا، قد يُقاس بالأسابيع، أو إذا بالغنا بالأشهر، ومن الطريف، أذكر إنني وسط موجة الحماس كتبت كلمات مرتبكة لطفل يتأثّر بما يدور في المحيط الخارجي، وبعثت كلماتي إلى صحيفة أسبوعيّة، وحين تأخّر نشرها، خشيت أن تتحرّر «فلسطين»، ولا يكون لتلك الكلمات بعد تحريرها أيّ معنى!!!
وشيئا، فشيئا، بدأت ألوان اللوحة التي رسمها معلّم الرسم، تبهت، والأصباغ تتقشّر، والنيران تتبخّر، جرّاء تعرّضها لتساقط أمطار الشتاء، وحرارة ألسنة شمس صيف بغداد، حتى لم يبق منها إلا الظلال الباهتة!
وخفتت حناجر المغنّين، وتوقّفت مسيراتنا، وانشغل الشارع بهموم أخرى عديدة، وربما كنّا، بذلك، نحاول طيّ جرح عميق تجنّبا لإثارة المواجع.
ثمّ كبرنا، وشاخت أحلامنا، وتوالت النكسات، والانكسارات، وبدلا من فلسطين واحدة محتلّة، صارت لدينا (فلسطينات)!!
واليوم، ونحن نتابع اعتراف الرئيس الأمريكي ترامب بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، وسط صدمة عربيّة، وعالميّة، ليس أمامنا سوى تحسّس جراحاتنا، متسائلين: هل هي قادرة على الاستجابة للألم، مستحضرين قول المتنبي «ما لجرح بميّت إيلام»؟
لكن، رغم كلّ ما جرى، ويجري، في الساحة الدوليّة، والوثائق، والاتفاقات، والمعاهدات، وحرائق الماضي، والحاضر، تظلّ القدس حيّة في ذاكرتنا، وتظلّ جداريّة معلّم الرسم محفورة في وجداننا، تستصرخ الضمائر لعلّها تطفئ الحرائق، ولو بعد حين.