مستقبل العالم ومسارات الإنسانية !!

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
أحد أهم التساؤلات التي تشغل عقول المفكرين والمثقفين حول العالم في الآونة الأخيرة … «ما هو شكل المستقبل؟ وما هي المحددات أو المتغيرات التي ستؤثر على حياة الإنسان في العقود القادمة؟

السؤال المتقدم يأخذ في عين الاعتبار التطورات التي حدثت في نصف القرن الماضي، ذلك أن ما جرت به المقادير طوال سبعة عقود من تطورات، وما جادت به قرائح العلماء من اختراعات وابتكارات، فضلاً عما تم إضافته إلى الرصيد الإنساني حديثا هو اكبر وأكثر بكثير مما عرفته البشرية طوال تاريخها الذي اختلف من حوله المؤرخون ويتجاوز عند البعض عشرة آلاف عام من وجود الكائن العاقل المفكر، وإن اختلفت الأرقام والتقديرات.
البحث في مستقبل البشرية بدا مؤخراً وكأنه فرض لا نافلة والدفاع يختلف من باحث إلى أخر، ومن جماعة علمية إلى جماعة أخرى، فالبعض يسعى لمعرفة من اجل الحياة البشرية، فيما البعض الآخر مهموم ومحموم بالبحث عن مصادر غذاء جديدة، والثالث يخشى على الإنسانية من تطورات أو بالأحرى تدهورات المناخ، حيث الإنسان يكاد أن يقود الكوكب الأزرق إلى إهلاك الزرع والضرع.
أما عن المستقبل من ناحية صدامات البشر بعضهم البعض فحدث ولا حرج، وها هي الأحاديث عن الحروب النووية المستقبلية تكاد تصم الآذان، أما الخصوصية التي كان يتمتع بها الإنسان فقد تهاوت في مواجهة وسائط الاتصالات والتكنولوجيا، وثورة الأقمار الاصطناعية، وباتت حياة إنسان القرن الحادي والعشرين خلوا من أي هامش للسرية، وفي وسط هذه اللجة المضطربة من الأمواج يعيش العالم انفجاراً معلوماتيا لا أول له ولا أخر، ما يجعل السؤال أي محركات تتحكم في رسم صورة المستقبل. أحد أفضل العقول التي تصدت للجواب عن السؤال المتقدم كان «آل جور» نائب الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، عبر كتابه المعنون «المستقبل ….» ستة محركات للتغيير العالمي»، والذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة، ومن ترجمة الدكتور عدنان جرجس أستاذ اللغة الانجليزية – كلية الآداب جامعة الكويت.
على أن السؤال هل يقتضي الأمر التوقف لحظات أمام «آل جور» لتبيان أهمية جوابه على هذا السؤال المرتبط بالمستقبل؟
اغلب الظن أن ذلك كذلك، سيما وأن آل جور لم يكن نائب رئيس اعتياديا لبلاده، بل كان سياسيا بدرجة مفكر رفيع الثقافة، فهو مؤلف عدد من الكتب الأكثر مبيعاً في أمريكا والعالم وهي: «الأرض في كفة الميزان»، «الحقيقة المرة» و «الاعتداء على العقل» و«خيارنا »، وقد حصل مناصفة على جائزة نوبل للسلام في العام 2007 تكريما له لدوره الرائد في الدفاع عن كوكب الأرض، سيما وأنه يقضي جل وقته في منصبه رئيسا لمشروع واقع المناخ، وهو مشروع غير ربحي مخصص لحل أزمة المناخ».
والمؤكد أن «آل جور» كان نقطة قيام وسقوط لكثير من الأمريكيين، بل لقد وصفه «توماس فريدمان» كاتب العمود الأشهر في صحيفة النيويورك تايمز، ذائعة الصيت، ذات مرة بـ«آل جور الذي ضيعناه» في إشارة لا تخطئها العين، لضياع فرصة الرئاسة عام 2000، وسأل الأمريكيين هل كانت أحوال الولايات المتحدة الأمريكية ستمضي في هذا الاتجاه الذي نحت إليه، وهي تحت رئاسة جورج بوش الابن، الرجل الذي لا دالة له على السياسة والثقافة، والذي أدخل الأمريكيين في متاهة سياسية وعسكرية غير قادرين على الخروج منها حتى الساعة؟
مهما يكن من أمر الجواب، فإن آل جور بات يشكل وعن حق رجلا بدرجة مفكر، وفي عمله الفكري الراقي هذا يضع أيادينا على المحركات الرئيسية الستة الأكثر أهمية في التغيرات العالمية، وحول كيفية التقائها وتفاعلها بعضها بعض، وإلى أين تسير بنا، وكيف يمكن لنا نحن البشر، وما نمثله من حضارة كونية عالمية أن نؤثر بأفضل السبل في الطريقة التي تتكشف بها هذه التغييرات ومن أجل استعادة السيطرة على مصيرنا وصياغة المستقبل.
في كتابه الجزء الأول والواقع في نحو ثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط، يطالبنا «آل جور» بأن نفكر بصفاء ووضوح في الخيارات الحاسمة التي تواجه مستقبلنا نتيجة لستة تغيرات مفصلية جرت بها المقادير في العقدين الآخرين …….، ماذا عن تلك المحركات وجبروتها؟ الشاهد أن كل منها في حاجة إلى حديث موسع وتفصيلات وشروحات عريضة، لكن من باب الفائدة العامة نحاول إلقاء نظرة عابرة على كل منها، علها تفتح لنا رؤية ما في سياق قادم الأيام الذي تمنع السحب الكثيفة من حولنا اليوم رؤيته:
أولاً: يضعنا آل جور في سياق حالة الاقتصاد العالمي، إذ لم يعد العالم جزر منفصلة بعضها عن بعض، بل أضحى اقتصاداً كونيا مترابطا بشكل عميق ودقيق، ويعمل على نحو متزايد ككيان كلي متكامل تماماً وله علاقة جديدة كلية مع تدفقات رأس المال، والعمالة، والأسواق الاستهلاكية، والحكومات الوطنية، ومختلفة تماماً عما كانت عليه في الماضي، ما يعني أن شعوب الأرض باتت مترابطة المسؤولية ومصيرها واحد دون جدال أو نزاع، ولم تعد الموجات الفردية تقود العالم بل الجماعية.
ثانياً: البعد الثاني الذي يتوقف أمامه آل جور ويرى انه بات يمثل وعن حق أداة غير عادية في تشكيل المستقبل، ظهور شبكة اتصالات إلكترونية على نطاق الكوكب تربط بين أفكار ومشاعر مليارات البشر وتوصلهم إلى كم هائل من البيانات التي تتنامى وتتوسع على نحو سريع، وإلى شبكة سريعة النمو من أجهزة الاستشعار المزروعة بكثرة في جميع أنحاء العالم، وإلى أجهزة ذكية ومتطورة وروبوتات، وآلات تفكير، يفوق ذكاؤها بالفعل قرارات البشر في أداء قائمة متنامية من المهام العقلية المنفصلة، وربما تتفوق علينا قريباً في مظاهر وتجليات الذكاء التي كنا على الدوام نفترض أنها ستبقى من الملكات الفريدة لجنسنا البشري.
غير انه يؤخذ على آل جور هنا بلورة المخاوف الكبيرة من دون قدرة أو أفكار مستقبلية لمواجهة عالم الروبوتات التي يخشى منها على مستقبل البشر ، وكأن الأمر هنا من قبيل التنبؤات التي تسعى لتحقيق ذاتها بذاتها، وهذه قصة طويلة تحتاج بدورها لقراءة مطولة.
ثالثاً: الركن الثالث من أركان المحركات الدولية يتمثل عند آل جور في ظهور توازن جديد تماما في السياسة الاقتصادية والعسكرية في العالم يختلف جذرياً عن التوازن الذي أتم به النصف الثاني من القرن العشرين ، والذي وفرت فيه الولايات المتحدة الأمريكية، القيادة والسيطرة والاستقرار العالميين، محولة التأثير والمبادرة من الغرب إلى الشرق، ومن البلدان الغنية إلى مراكز القوى الناشئة بسرعة في جميع أنحاء العالم، ومن الدول القومية إلى جهات خاصة، ومن الأنظمة السياسية إلى الأسواق. يلفت «آل جور» الانتباه هنا إلى تحرك قلب العالم، فهو لم يعد كما قال ماكندر «الغرب وأوروبا خاصة»، إذ أن التطورات الجيو سياسية والاستراتيجية جعلت من آسيا قلب العالم الجديد، وما محاولات أمريكا العديدة واستراتيجياتها المختلفة إلا أداة من أدوات قطع الطريق على آسيا الناهضة، والصين في القلب منها بنوع خاص.
رابعاً: ينحو آل جور في حديثه عن المحرك الرابع إلى مجال عمله التطوعي الفاعل والمؤثر حول العالم، أي البيئة والمناخ الدوليين، وعنده ان هذا المحرك وثيق الصلة بظهور النمو السريع غير المستدام في السكان والمدن واستهلاك الموارد، واستنزاف التربة السطحية، ومنابع المياه العذبة، وأنواع الكائنات الحية، وتدفقات التلوث، والناتج الاقتصادي الذي يقاس ويوجه بواسطة مجموعة غريبة ومشوهة من المقاييس المقبولة عالميا والتي تعمينا عن رؤية العواقب المدمرة للخيارات الخادعة للذات التي نتخذها بشكل روتيني.
هنا ينبه نائب الرئيس الأمريكي الأسبق إلى تمرد الطبيعة القادم لا محالة تجاه الإنسان، فالأقطاب الثلجية آخذة في الذوبان، والأعاصير والعواصف، ناهيك عن الزلازل والبراكين، وارتفاع حرارة الأرض، جميعها ماضية قدما في إطار من تدمير الأرض لصالح أصحاب المصالح، وهنا تذكر الأمريكيون على نوع خاص آل جور عندما انسحب الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» من اتفاق باريس للمناخ مؤخراً باعتباره اتفاقا غير عادل في تقديره.
خامساً: يتناول آل جور محركاً مثيراً للجدل الأدبي والأخلاقي، الإيماني والإنساني، سيما وانه يقترب من منطقة الإنسان بيولوجيا، بمعنى ظهور مجموعة ثورية جديدة من التقنيات القوية في مجال البيولوجيا، والكيمياء الحيوية والجينية، وعلم المواد التي تمكننا من إعادة تأسيس التصميم الجزئي لجميع المواد الصلبة، وإعادة حياكة نسيج الحياة نفسها، وتغيير الشكل المادي والسمات والمميزات والخصائص الخاصة بالنباتات والحيوانات والبشر، واستحواذ السيطرة الفعالة على التطور، وتخطي الحواجز القديمة التي تفصل بين الأنواع وابتكار خطوط جديدة تماما لم يسبق تخيلها في طبيعة الإطلاق.
هذا المحرك بدوره يطلق مخاوف كامنة عند الكثيرين من أن يكون «إنسان الوحش» الذي تحدثت عنه روايات البحث العلمي، وقصص فرانكشتاين في طريقة لأن يضحى حقيقة معاشة لا وهماً أو أسطورة، وفي هذا بلاء وشر كبيران، كما أنه وأن حسن استخدامه يمكن أن يضحى ميزة ومكسباً علمياً لتغيير صورة الإنسان.
سادساً: المحرك السادس والأخير لا يبعد كثيراً عن مجال أبحاث «آل جور» عن الطبيعة والمناخ وما بينهما، إذ يجزم بأنه ستظهر ولا شك في الأفق علاقة جديدة جذريا بين القوة الإجمالية للحضارة البشرية والنظم الإيكولوجية للأرض، بما في ذلك على وجه الخصوص النظم الضعيفة الأكثر عرضة للضرر، وهي الغلاف الجوي والتوازن المناخي اللذان يعتمد عليهما استمرار ازدهار الجنس البشري، وبداية تحول عالمي هائل في الطاقة التي نمتلكها، والتقنيات الصناعية والزراعية والإنشائية، من أجل إعادة تأسيس علاقة سليمة ومتوازنة بين الحضارة الإنسانية والمستقبل.
هل من خلاصة لهذه القراءة؟
يمكن القطع بان هناك مستقبلا مثيرا وخطيرا في الطريق إلينا، مستقبل لا مختلف من حيث الكم عن الماضي، بل من حيث الكيف كذلك، لم يسبق أن شهد العالم مرحلة تغير مشابهة.

جريدة عمان

مجانى
عرض