واشنطـن وبيـونـج يانـج.. وشـبـح الـمـواجـهـة النـوويـة

عبدالعزيز محمود –

لم يعد أمام الإدارة الأمريكية سوى وضع استراتيجية جديدة، لا تسمح لكوريا الشمالية باستخدام عنصر الوقت لصالحها، مع تطوير القدرات الأمريكية التي تستهدف ضرب الصواريخ الكورية في السماء، قبل وصولها إلي الأرض، عبر نشر شبكة ثاد المضادة للصواريخ بطول الساحل الغربي للولايات المتحدة.
لم تكن المناورات الجوية الأمريكية – الكورية الجنوبية الأخيرة مجرد رد فعل على إطلاق كوريا الشمالية صاروخا باليستيا يمكنه حمل رأس نووي والوصول إلى الأراضي الأمريكية، بل كانت بمثابة رسالة تهديد هدفها إجبار بيونج يانج على وقف تجاربها النووية والصاروخية والانخراط في محادثات، على الأقل حسبما تنظر إليها كوريا الشمالية..
لكن الرسالة لم تحقق فيما يبدو الهدف منها، بدليل إعلان بيونج يانج اعتزامها إجراء اختبار جديد لقنبلة هيدروجينية في المحيط الهادئ، هو السابع من نوعه، واتهامها لواشنطن بأنها تدفع شبه الجزيرة الكورية لحافة حرب نووية.
ورغم ضخامة المناورات الأمريكية- الكورية الجنوبية المشتركة، والتي وصفت بأنها استعراض للقوة، حيث تشارك فيها٢٣٠ طائرة مقاتلة منها طائرات إف -٢٢ رابتور، وإف- ٣٥ والشبح بالإضافة إلى ١٢ ألفًا من مشاة البحرية الأمريكية، إلا أنها جاءت بعد استعراض مماثل للقوة من جانب كوريا الشمالية، التي أطلقت مؤخرا من قاعدة متحركة أحدث صاروخ باليستي عابر للقارات يمكنه حمل رأس نووي.
ومن الواضح أن المناورات الأخيرة تعكس حقيقة الوضع، فالولايات المتحدة لا ترغب في استخدام القوة، وتكتفي بالتلويح باستخدامها، لإجبار كوريا الشمالية علي وقف تجاربها النووية والصاروخية، بينما تبدو الأخيرة غير آبهة بالضغوط التي تمارس ضدها لإجبارها علي تغيير سياساتها.
حتى قرار واشنطن بوضعها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، لم يكن له أي تأثير على الموقف الكوري الشمالي، رغم ما يمكن أن يترتب على ذلك من عقوبات، فالعقوبات السابقة لم تحقق أية نتيجة، بدليل استمرار كوريا الشمالية في اختبار عشرات الصواريخ الباليستية، وإجرائها ست تجارب نووية كان آخرها في سبتمبر الماضي.
وبينما تواصل واشنطن سياسة التلويح بالقوة، فإن الكوريين الشماليين يدركون جيدًا ما يفعلونه، كما يحسبون جيدًا رد الفعل الأمريكي في كل مرة يجرون فيها اختباراتهم، ويدركون تمامًا أن واشنطن ما زالت تركز علي الضغوط الاقتصادية والتلويح بالقوة، لعدم رغبتها في استخدام الردع.
بالتأكيد فان الوضع في شبه الجزيرة الكورية مثير للقلق، وهذا ما دفع الصين وروسيا إلى انتقاد المناورات الأمريكية الكورية الجنوبية ووصفها بأنها تشكل استفزازًا، كما انتقد البلدان قيام واشنطن بفرض عقوبات إضافية علي كوريا الشمالية دون الرجوع إلي مجلس الأمن، وفي تطور لاحق قام سلاح الجو الصيني بطلعات استطلاعية فوق البحر الأصفر وبحر الصين الشرقي، وهي رسالة موجهة بالأساس للولايات المتحدة.
ومع تنامي القدرات النوويد والصاروخية لكوريا الشمالية، وتصميمها علي إنتاج صواريخ يمكنها ضرب الأراضي الأمريكية، لم يعد بوسع إدارة الرئيس ترامب تجاهل تهديد من هذا النوع، لكن مشكلة واشنطن الحقيقية أن خياراتها ما زالت محدودة، على الأقل في الوقت الراهن.
صحيح أن واشنطن قادرة على تشديد الحصار والعقوبات، وربما منع صادرات النفط القادمة لكوريا الشمالية، لكنها غير قادرة على توجيه ضربة وقائية لها، لما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج، فكوريا الشمالية قد تتمكن من تجاوز ضربة من هذا النوع، وتبادر بتدمير سول عاصمة كوريا الجنوبية ومعها القواعد الأمريكية في كوريا الجنوبية.
علي الجانب الآخر لا تستطيع واشنطن القبول بتوقيع اتفاقية مع كوريا الشمالية، على غرار تلك التي وقعتها مع إيران، والتي تم بموجبها تجميد البرنامج النووي الإيراني، فاتفاقية من هذا النوع قد تعني إطلاق سباق تسلح في جنوب شرق آسيا.
وهكذا لا تملك إدارة الرئيس ترامب إلا استخدام لغة التهديد، وهي لغة تجد هوي كبيرا لدى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج اون، الذي يدرك جيدًا أنه لا قيمة لتهديد، بدون القدرة على تنفيذه، بدليل أنه وعلي مدى ربع قرن، لم تنجح التهديدات الأمريكية في دفع بيونج يانج للتخلي عن طموحاتها النووية والصاروخية.
وتدخل كوريا الشمالية الآن في سباق مع الزمن، لإنتاج رأس نووي صغير يمكنه اختراق الغلاف الجوي والعودة مرة أخري سالما إلي الأرض، بهدف تحميله علي صاروخ باليستي، وهي تجربة لو نجحت، فإنها تشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.
من الواضح أنها تلعب جيدًا علي عنصر الوقت، ويساعدها في ذلك حلفاؤها الصينيون، لمنحها الوقت الكافي لتطوير قدراتها النووية والصاروخية، وفي هذا الإطار يمكن تفسير الهدوء النسبي الذي مارسته بيونج يانج لأكثر من شهرين، بأنه كان يستهدف التحضير للاختبار الصاروخي الأخير، والذي يمثل نقلة في برنامج كوريا الشمالية الصاروخي.
وخلال أكثر من 75 يومًا من الهدوء النسبي، فشلت جهود روسيا والصين في إقناع كل من واشنطن وبيونج يانج بتعليق متبادل للمناورات العسكرية وبرامج التسلح، تمهيدًا للانخراط في مباحثات، حيث أصر الأمريكيون علي إعلان الكوريين الشماليين تخليهم أولا عن برنامجهم النووي، وهو ما رفضته بيونج يانج تمامًا.
ومن جانبها، حاولت ألمانيا القيام بدور الوساطة، على أمل عقد محادثات تشارك فيها الولايات المتحدة والكوريتان الشمالية والجنوبية وروسيا والصين، بهدف الوصل إلى اتفاق شبيه بالاتفاق النووي مع إيران، ويتضمن رفع العقوبات وتقديم مساعدات اقتصادية، لكن العرض الألماني لم يلق من الطرفين آذانًا مصغية.
وهكذا لم يعد أمام الإدارة الأمريكية سوى وضع إستراتيجية جديدة، لا تسمح لكوريا الشمالية باستخدام عنصر الوقت لصالحها، مع تطوير القدرات الأمريكية التي تستهدف ضرب الصواريخ الكورية في السماء، قبل وصولها إلى الأرض، عبر نشر شبكة ثاد المضادة للصواريخ بطول الساحل الغربي للولايات المتحدة.
كما تتضمن تلك الاستراتيجية تصدير الأزمات لحلفاء بيونج يانج، بهدف حثهم علي كبح جماحها، وتشكيل تحالف اقتصادي سياسي عسكري واسع يضم دول آسيا والمحيط الهادئ.
المشكلة أن تنفيذ استراتيجية من هذا النوع يتطلب وقتًا، وهو كل ما تريده بيونج يانج، لإنتاج رأس نووي يمكن تحميله على صاروخ باليستي للوصول إلى الأراضي الأمريكية.
وهكذا يتجه الوضع في شبه الجزيرة الكورية من سيئ إلى أسوأ، حيث تواصل الولايات المتحدة التلويح باستخدام القوة وإجراء المناورات وفرض العقوبات، بينما تحاول بيونج يانج كسب الوقت لتطوير قدراتها النووية والصاروخية.
ومع فشل العالم بإقناع الطرفين بالدخول في حوار، تتزايد المخاوف من فقدان أحد الطرفين لسيطرته علي رد فعله، مما يعني مواجهة نووية في شبه الجزيرة الكورية.