الوطــن عـــــــزة وكـرامة

دور الشباب في صون الوطن وكرامته –
حمود بن عامر الصوافي –
«إنَّ للوطن حقًا لا يجوز أن يتهاون فيه أو ينقّص من قيمته فسمعتك مرهونة بسمعة وطنك لذلك فاحرص كل الحرص على بقاء هذه السمعة نقية واعمل جهدك لنصح الآخرين فالتناصح قيمة أخرى لا ينبغي لا تفوّت لأن الإنسان خطاء وخير الخطائين التوابون فالخطأ وارد ولكن الاستمرار على الخطأ هو المصيبة لذلك كان لدرء المصيبة ضرورة وجود الناصحين المحبين للخير من أبناء الوطن»

الشباب عماد المجتمع وقوته وعمق الأمة ونبضها إذا قام الشباب قام المجتمع بأسره واعتمد على قاعدةٍ متينةٍ ووقف على أرض صلبة لذلك قالوا متمنين رجوعه وبقاءه إلى الأبد:
ألا ليت الشباب يعود يومًا ** فأخبره بما فعل المشيب
إذا استيقظ الطفل وفهم ما حوله تمنى أن يكون شابًا جلدًا فإذا أصبح شابا تمنى أن يبقى أبد الآبدين فإذا ولى الشباب رغب أن يرجع إليه مرة أخرى لذلك كانت مرحلة الشباب أجمل مراحل العمر وأزهاها، وأهم فترات الجد وأقواها، وأكثر الأوقات عطاء وقدرة على التأثير لذلك ذكرنا القرآن وامتن بها علينا في العديد من آيات الذكر الحكيم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ…)، وقال في موضع آخر: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا…) الخ الآيات.
فخليق بأمة اقرأ أمة العقيدة والمبادئ أن يكون نبضها أفضل نبض، وشبابها أفضل شباب لأن الأمة لا تتكئ إلا على أكتافهم ولا تنهض إلا من جهتهم؛ فعطاؤهم كبير وقدرتهم على التغيير سريعة وحركتهم دؤوبة.
وقد رأينا من خلال التاريخ وما قصه الله علينا من قصص الأنبياء والصالحين في القرآن أن مغيري العالم ورواد الفكر كانوا من فئة الشباب، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث في شرخ الشباب في الأربعين من عمره وهي أعلى مراحل اكتمال الشباب وآمن برسالته الشباب وسارعوا إلى بذل جهدهم في نشرها ربوع الأرض وقد كانوا ما بين الثلاثين والعشرين.
وهكذا توالى جيل الشباب من الصالحين فأبو حمزة الشاري والشراة الذين كانوا معه كانوا شبابا وقد اعتز بشبابهم لما أنكر عليه وعيب فقال في خطبته المشهورة: (يَا أَهْلَ مَكَّةَ تُعَيِّرُونَنِي بِأَصْحَابِي أَنَّهُمْ شَبَابٌ، وَهَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ إلَّا شَبَابًا، نَعَمْ شَبَابٌ مُتَكَهِّلُونَ عَلَيْهِمْ عِزُّ الشِّرَاءِ، أَعْيُنُهُمْ بَالِيَةٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَأَيْدِيهِمْ بَطِيئَةٌ عَنْ الْبَاطِلِ، وَأَرْجُلُهُمْ مُقْعَدَةٌ عَنْ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَامِ، وَقُلُوبُهُمْ سهرة، وَيَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مَثْنِيَّةٌ أَصْلَابُهُمْ بِمَثَانِي الْقُرْآنِ، إذَا مَرَّ أَحَدُهُمْ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ بَكَى شَوْقًا إلَيْهَا، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ شَهِقَ شَهْقَةً كَأَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ فِي أُذُنِهِ، وَصَلُوا كَلَالَ لَيْلِهِمْ بِكَلَالِ نَهَارِهِمْ، أَنْضَاءُ عِبَادَةٍ قَدْ أَكَلَتْ جِبَاهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ وَرُكَبَهُمْ، مُصْفَرَّةٌ أَلْوَانُهُمْ، نَاحِلَةٌ أَجْسَامُهُمْ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَكَثْرَةِ الصِّيَامِ، مُسْتَقِلُّونَ ذَلِكَ فِي جَنْبِ اللَّهِ، مُوفُونَ بِعَهْدِهِ، مُنْتَجِزُونَ لِوَعْدِهِ.. رَحِمَ اللَّهُ تِلْكَ الْأَبْدَانَ وَأَدْخَلَهُمْ بِفَضْلِهِ فِي الْجِنَانِ).
فالشباب نقطة فارقة منذ قديم الزمان فقد بعث الله تعالى النبيين شبابا فهذا زكريا عليه السلام بعث صبيا: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)، وقاوم إبراهيم الخليل الطغاة في زمن الفتوة والشباب: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)، ومثله أصحاب الكهف: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)، وموسى عليه السلام أرسل إلى فرعون لما بلغ أشده واستوى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، ومثله يوسف عليه السلام ابتلي بالمحن والشدائد في مرحلة الشباب: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
لقد قاوم هؤلاء الأنبياء والصالحون مثلهم على مر التاريخ الإغراءات والطغاة بشتى الوسائل وأثبتوا دوما أنهم عنصر التغيير في المجتمعات وأن الدعوة إلى الخير لا تمر إلى من خلالهم فهم القوة والفتوة والعطاء وإذا نظرنا إلى المجاهدين والقادة الكبار رأينا الشباب يمنة ويسرة لذلك يجب أن يوجه جيل الشباب الوجهة الصحيحة وإلا ضاعت قوته سدى وأهدرت فيما لا فائدة منها فلا يليق بالشباب أن يكون همه التفحيط في الشوارع وسد المنافذ وقطع الطرق بحجة الاحتفال بالوطن، ولا ينبغي للشباب أن ينفق ماله الذي أكرمه الله تعالى به لتزيين سيارته وتعتيم مراياها بالأعلام والصور الحمراء والصفراء بحجة أنه يحتفل بالعيد الوطني.
فالوطن أغلى أن يختصر في الصور والأشكال وأكبر من أن يضيّق عليه في علم الدولة بل يجب أن ينطلق الحب من المبادئ والقيم التي تبناها الوطن منذ قديم الزمان أما كان لعمان منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وساما ما زال العمانيون يتفاخرون به إلى اليوم أمام العالمين: «لو أهلَ عمان أتيت ما سبوك وما ضربوك».
إنها قيم التسامح والعيش مع الآخرين بسلام، إنها مبدأ قرآني وعقيدة إيمانية سامية تمثّل بها العمانيون وتفاخروا بنعت النبي لهم وثنائه عليهم، ألا يجدر بهذه القيمة ألا تزعزعها الأفكار المنحرفة أو الدعوات النشاز من هنا وهناك؟ ألا ينبغي للمواطنين أن تكون هذه القيمة ديدنهم وطريقتهم في كل مكان؟

إنَّ للوطن حقًا لا يجوز أن يتهاون فيه أو ينقّص من قيمته، فسمعتك مرهونة بسمعة وطنك لذلك فاحرص كل الحرص على بقاء هذه السمعة نقية واعمل جهدك لنصح الآخرين فالتناصح قيمة أخرى لا ينبغي لا تفوّت لأن الإنسان خطاء وخير الخطائين التوابون فالخطأ وارد ولكن الاستمرار على الخطأ هو المصيبة لذلك كان لدرء المصيبة ضرورة وجود الناصحين المحبين للخير من أبناء الوطن بل يجب أن يكون الوطن ناصحا للكل لأن تفويت النصيحة معناه زيادة الجرح واتساع الخرق على الراقع أما فهمنا ذلك من حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما شبّه أمر الساكتين عن الحق بأمر الرجل الذي حاول خرق السفينة ثم غرقها عن بكرة أبيها فلو أنهم نصحوه أو منعوه من ارتكاب الإثم لنجا ونجوا كلهم من هذه المهلكة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا».
لذلك الوطن هو وحدة واحدة لا يتجزأ كالجسد الواحد وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
فالوطن يحتاج منا إلى وقفة معه وجد وعمل ومثابرة فقد حمانا من حر الصيف ووقر الشتاء ألا يجدر بنا أن نقدم له الإحسان «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فما قيمة الإنسان في وطن لا يسعى لرفعته ولا يهتم بأمره ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» فكذلك الوطن؟ ألا يعد إهمال العمل والتلكؤ في الوظيفة من قبيل هجره؟ ألا يعد الكسل سببا من أسباب تخلف الأوطان؟
فحري بنا ونحن نحتفي بيوم الوطن أن نعقد العزم على إعطاء أوطاننا على قدر المساحة التي بوأنا بها الوطن بل ليكن في خلدنا أننا لو أنفقنا ما نملك فلن نقدم شيئا لهذه التربة التي حوتنا وهذه الأرض التي بوأنا إياها ربنا ألم يمتن الله تعالى علينا بهذه الأرض المباركة؟ ألا يعد الخروج من الوطن ضغينة وحرقة في قلب الإنسان ووخزا أقوى من السكين في قلبه؟ ألم يدل جمع القرآن بين عقوبة هجر الأوطان وقتل النفس في آية واحدة على مدى أهمية الوطن ووجوب صلاحه وإصلاحه فقال: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا).
إن هجر الوطن والنأي عنه لهو عقوبة جليلة لا تنمحي وداء عضال لا يندمل لذلك كان بذل الجهد للوطن أقوى ضمانة لبقائه سالما قويا بعيدا عن أطماع المتربصين به المنتظرين عثرة أهله فلنعد للوطن عدته ولنكن عدته ولننصح له وليكن هو حياتنا نبذل قصارى جهدنا لبقائه شامخا قويا.