تجارة حرة بعقول يقظة

مصباح قطب –

اتجهت أغلب الدول في العصر الحالي إلى توقيع اتفاقيات تجارة حرة بهدف بناء تكتلات تمكنها من التعامل بفعالية مع التغيرات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية العالمية. الاتجاه العالمي الآن رغم العوائق المستجدة هو بناء تحالفات وشراكات تجارية لمواجهة تحالفات أخرى وتعزيز التعاون وتوسيع مجالاته بين دولتين أو مجموعة من الدول.
اتفاقية التجارة الحرة هي في النهاية صورة من صور التكتل بين دولتين أو أكثر عبر تحرير التجارة بينها وإزالة كافة القيود الجمركية وغير الجمركية على التجارة في السلع والخدمات وذلك لزيادة حجم التبادل التجاري ورفع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الموقعة على مثل هذه الاتفاقيات في العديد من المجالات. وبالطبع لا تغيب السياسة عن مثل هذا النوع من الاتفاقيات وان ظلت في الخلفية فالتشابك التجاري يعقبه أو يسير معه بالتوازي ترتيبات سياسية واحدة أو متقاربة أو تصويت في اتجاه واحد خلال المحافل الدولية أو إعلان مواقف ضد دولة ثالثة أو دول، تأييد موقف ما حدث أو يحدث في دولة التحالف التجاري بمواجهة من يرفضونه وهكذا.
تسعى مصر – كغيرها – إلى رفع القدرة التصديرية للمنتجات المصرية إلى الخارج، وذلك عن طريق فتح أسواق تصديرية جديدة خاصة في التكتلات الاقتصادية الكبرى وترتيبات سهولة النفاذ إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية وحتى اللاتينية.
مؤخرا بدأت فعليا إجراءات تطبيق اتفاقية التجارة الحرة بين كل من مصر والبرازيل والأرجنتين وباراجوي وأوروجواي أو ما يسمى بتجمع”ميركوسور” بعد انتهاء التصديقات عليه في كل الدول.
أنشئ تجمع “ميركوسور” في 1991، بعضوية “البرازيل، الأرجنتين، أوروجواي، وباراجواي”، ودخل حيز النفاذ في 1994، بعد توقيع الدول الأعضاء على بروتوكول وضع الهيكل المؤسسي المالي لـ”ميركوسور”، كبداية فعلية له، على طريق تحقيق الهدف الرئيسي للتجمع، وهو الوصول للسوق المشتركة بين هذه الدول وانضمت كل من شيلي وبوليفيا كشريك إلى التجمع في 1996، ثم انضمت بيرو كشريك في 2003، ثم الإكوادور، كولومبيا، وفنزويلا كشريك في ديسمبر 2004  .
كانت بداية التعاون بين مصر ودول هذه المجموعة حينما تم توقيع اتفاق إطاري بين الطرفين خلال اجتماعات مجلس السوق المشتركة الـ26 للتجمع، والتي رأستها الأرجنتين في 2004، لإنشاء منطقة تجارة حرة بين الطرفين، 2004 وتم الاتفاق عليه فعلا عام 2010، وصدقت مصر عليه 2013 وبعد موافقة البرلمان الأرجنتيني هذه الأيام بالتصديق على اتفاق منطقة التجارة الحرة بين مصر ودول تجمع الميركوسور تكتمل بذلك تصديقات الدول الأعضاء.
وقد سجل حجم التجارة بين الطرفين خلال عام 2016 قيمة 3538 مليون دولار وكان نصيب الصادرات المصرية منها 109 ملايين دولار، فيما بلغت الواردات المصرية من تجمع الميركوسور 3429 مليون دولار.
ويهدف الاتفاق – كما تقول الأوراق الرسمية المصرية –  إلى زيادة حجم التجارة بين الطرفين والتركيز على زيادة حجم الصادرات المصرية لمعالجة العجز القائم في الميزان التجاري والذي سجل قيمة 3320 مليون دولار لصالح دول التجمع عام 2016 ويضمن الاتفاق تحقيق فرص اكبر لنفاذ الصادرات المصرية إلى دول التجمع حيث سيتم تحرير التجارة بين الطرفين خلال فترة عشر سنوات آخذا في الاعتبار أن حوالي 47% من الصادرات المصرية الحالية لدول التجمع سيتم منحها إعفاء فوري من الرسوم الجمركية بمجرد دخول الاتفاق حيز التنفيذ وتتمثل أهم الصادرات في قطاعات الكيماويات، والسلع الهندسية، والمنسوجات أما فيما يتعلق بواردات مصر من دول التجمع فإن حجم التجارة الحالي يشير إلى أن أهمها اللحوم (المشفاة)، والقمح، والذرة الصفراء وفول الصويا ولحوم من ديوك ودجاج مجمد وسكر خام وهي سلع تعتبر مواد خام وتمثل أهمية لمصر.
يساعد الاتفاق على جذب الاستثمارات اللاتينية إلى مصر خاصة في مجالات تكنولوجيا السلع الزراعية، والبتروكيماويات والصناعات الغذائية، وأن تصبح مصر بوابة عبور لدول أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا، كما تكون تلك الدول معبرا للسلع المصرية لكافة أسواق أمريكا اللاتينية مع فتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية في هذه الدول والتي تحقق معدلات نمو اقتصادي متسارعة وتعد البرازيل إحدى القوى الاقتصادية الرئيسية في العالم. وبالإضافة الى الاستفادة من نظام الإعفاء الجمركي وفق منهجية التحرير التي تم الاتفاق عليها مع مصر وتجمع “ ميركسور” حيث تم تقسيم السلع إلى سلع تتمتع بإعفاء فوري وسلع يتم تخفيض 25% سنويا من الجمارك الخاصة بها وسلع يتم تخفيض 12.5% سنويا من الجمارك الخاصة بها وسلع يتم تخفيض 10% من جماركها سنويا وذلك من تاريخ دخول الاتفاق حيز التنفيذ ويشمل الاتفاق السلع الحساسة (وهي السلع التي يرى كل طرف أن رفع الجمارك عنها سوف يؤثر على الإنتاج المحلي والسوق الداخلي) والتي سيتم تحديد كيفية تحريرها من خلال إعمال اللجنة المشتركة.
لكن ما الدروس المستفادة من هذا الاتفاق؟ بعد الاطلاع على الأوراق الخاصة به، ومن المنظور المصري بخاصة أجيب:
إن من أهم فوائد الاتفاق نظريا إزالة الحواجز والموانع أمام التبادل التجاري بين أعضاء الاتفاقية على اعتبار أن تحرير التجارة سيحفز حالة من الرخاء الاقتصادي على الصعيدين الوطني والفردي للدول الأعضاء، واقعيا فان أحدا لم يوضح بدقة وبحيثيات حجم المكاسب المصرية وتطوره عبر السنوات ؟ بمعنى آخر كم ستزيد الصادرات وكم ستزيد الاستثمارات وعلاقة زيادتها بالاتفاق دون أي عوامل أخرى؟ وكم تبلغ تكلفة إلغاء التعريفة في المراحل المختلفة وعلى السلع المختلفة على الخزانة العامة وهل هذه التكلفة مبررة مع الاتفاق أم انه كان يمكن خفض الجمارك على بعض السلع الحيوية التي تأتي من هذا التجمع، الأمر روتيني وخاصة اللحوم والسكر والدواجن والصويا داخليا أي كتوجه حكومي مصري دون حاجة لإبرام اتفاق تجارة حرة؟. كيف تؤثر تكلفة النقل – وهي من أهم محددات التجارة مع أمريكا اللاتينية والمكسيك – على فرص مصر في زيادة صادراتها ؟ ماذا أفادت الدول الأخرى التي لها اتفاقات مثيلة مع “ ميركسور” – كحالة الهند أو إسرائيل – وما هي الدروس التي يمكن الخروج بها من اتفاقاتهم لتطوير اتفاقنا ؟
إن من عيوب اتفاقات التجارة الحرة المعروفة – وها نحن نرى ترامب وموقفه المناهض للتجارة الحرة- خسارة مئات أو آلاف العاملين لوظائفهم. فماذا فعلت مصر لتفادي ذلك وما الإجراءات التي اتخذتها وما الفوائد التي ستعود على الأطراف الأخرى من الاتفاق ونرى أنها تنطوي على تقسيم عادل للمنافع؟. أيضا هل مبررات اختيار ما يسمى السلع الحساسة واضحة لنا وواضحة في فهمنا لها عند الآخرين ؟ الى أي حد سيمكن أن نقول إن الاتفاق يقدم خدمة عامة وانه مبرأ من خدمة أشخاص أو جماعات بذاتها أكثر من غيرهم ؟.
إن لدى مصر في وزارة التجارة الخارجية و جهاز التمثيل التجاري وفي مواقع أخرى خبرات متراكمة في مجال تحرير التجارة والمفاوضات العالمية ويكفي التعرف على تاريخ شخصية مثل السفير منير زهران – أمد الله في عمره – والذي كان الممثل الشخصي لرئيس مصر في مفاوضات التجارة الحرة عبر دورة اورجواي أي قبيل تأسيس منظمة التجارة العالمية وممثل مصر في اغلب مؤتمراتها وكيف كان يدافع عن مصالح الدول الفقيرة والنامية كأنه يدافع عن مصلحة بيته بعلم وحسم. لكن يجب على الجيل الجديد من الرسميين المعنيين في مصر أو الدول العربية أن يستخدم أداوت أخرى للتحقق من منافع التجارة الحرة الآن وفي المستقبل، ويعد اهم ما يمكن أن انصح به هو بناء نموذج رياضي (عربي أو قطري) للتجارة والتبادل الدولي تستطيع كل دولة من خلاله أن ترى بشكل أوضح تأثير حركة كل دولار ذهابا وإيابا على كل المؤشرات الاقتصادية والقطاعات، كما تستطيع التنبؤ من خلال النموذج أيضا بالتوقعات المستقبلية ولدينا أيضا في مصر والعالم العربي خبراء في ذلك وان كان عددهم محدودا ويمكن الاستعانة بخبراء أجانب في ذلك.
عالم اليوم لا يرحم وأخطاء الحسابات يصعب بشدة تبديلها ولقد قال لي وزير مصري سابق إن أوروبا وقت إبرام اتفاق الشراكة معها كانت اذا طلبنا منها زيادة كمية الخيار – مثلا – المسموح لمصر بتصديره إليها دون جمارك كانت لا توافق إلا اذا خصمت من بند آخر بما يبين أنهم كانوا قد حسبوا فائدة أو ضرر يترتب على أي زيادة أو نقصان. التجارة الحرة تحتاج الى عقول حرة مبدعة ويقظة.