وتر: معجزة الأمهات

شريفة بنت علي التوبية –

لم نعد في زمن المعجزات ولكني ما زلت مؤمنة أن الحُب هو المعجزة الباقية والتي خص الله بها الأمهات، وقبل أن أصبح أماً كنت أعتقد أن الأمهات لا يتعبن أبداً، وكنت أعتقد أن الأمهات لا يمرضن وكنت أعتقد أن الأمهات لا يبكين ولا يشتكين ولا يتذمرن، وكنت أعتقد أن الأمهات لا يتألمن ولا يعانين وأن الأمهات كائنات لا تهدأ ولا تستريح ولا تعرف النوم عيناها، وحينما أصبحت أماً عرفت أن الأمهات يتعبن ويبكين ويتألمن ويمرضن ويعانين لكنهن لا يشتكين ولا يتذمرن ولا يدعين الضعف قدر ما يلذن بالقوة، وأصبحت أكثر يقيناً أن هذه المرأة هي الأقوى وهي الأجمل من بين نساء الأرض وان سر جمال الأمهات قلوبهن، وأدركت أن الأمهات يتعبن وأن الأمهات يعانين ويبكين ويمرضن ولكنهن يتعبن بصمت ويعانين بصمت ويبكين في الخفاء ويقاومن المرض بمحبة الأبناء، والأمهات قد ينسين انفسهن ولا يتذكرن سوى أبنائهن.
وحينما أصبحت أماً أدركت المعنى الحقيقي لكلمة ( حُب ) تلك الكلمة التي كنت أقرأها في كتب الروايات والقصص وأسمعها على لسان أبطال الأفلام في السينما وشاشات التلفاز، تلك الكلمة التي ظننت أنها لا تكون سوى بين رجل وامرأة، لكنني أدركت أن الحُب الحقيقي الذي نبحث عنه ليس علاقة الرجل بالمرأة بل ما يسكن قلوب الأمهات، وكل معنى للمحبة بعيداً عن قلوب الأمهات هو كذبة سافرة ووهم كبير، وما تلك الحكايات سوى كذبة الحكّاء والراوي، فالأمير لن يبحث عن سندريلا ليعيد لها حذاءها المفقود، والضفدع لن يتحول إلى أمير بأثر قُبلة بل سيظل ضفدعاً، وستظل بيضاء الثلج نائمة لأن الأمير لن يأتي لإيقاظها، وما الحب سوى حكاية شرقية تحكيها شهرزاد لشهريار مخافة سيف الجلاد المنتظر خلف الباب، فلا حقيقة في الحب سوى تلك الحقيقة التي تزرعها الأمهات شجرة مثمرة في القلب.
إنها الأم التي تحبك كما أنت بعيوبك ونقائصك، بقبحك وجمالك، بسيئاتك وأخطائك وذنوبك وحسناتك، إنها الأم التي تحبك وستدافع عنك حتى أمام نفسك، ستكذّب الدنيا فيك وإن صدقت مساوئك، أنها أمك التي لن تكون مضطراً لأن ترتدي أجمل ثيابك أو تضع عطرك الثمين حين تلقاها، ولن تقف أمام المرآة طويلاً لتقنع عينيها بجمال وجهك، فانت الأجمل في عينيها دون تجمّل، وستعطيك سعادتها إن استطاعت، وستمنحك ما تملك من فرح الدنيا لتسعدك، وستكون على يقين أن المعجزة الوحيدة الباقية على هذه الأرض محبة الأمهات.