تجذير ثقافة المواطنة الاجتماعية

د. صلاح أبو نار –

منذ انطلاقتها المجيدة عام 1970، أنجزت النهضة العمانية الكثير في شتى المجالات. في بناء مؤسسات دولة حديثة، وتأسيس اقتصاد متنام، وتشييد قواعد مجتمع عادل. ومن السهل علينا طرح المؤشرات الإحصائية الدالة على ذلك. مؤشرات لا نجدها في تقارير الدولة العمانية فقط ، بل أيضا في تقارير الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، وبالتحديد تقريرها العمدة السنوي: التنمية الإنسانية.
والمؤكد أن عمان وفقا لتلك المؤشرات الوطنية والدولية أنجزت الكثير، ولكن من المؤكد أيضا وفقا لذات المؤشرات انه لا يزال أمامها الكثير لكي تنجزه. وفي هذا الصدد سنطرح ونناقش مهمة تجذير ثقافة المواطنة الاجتماعية، بوصفها أحد مستويات التنمية الثقافية من جهة، وكمدخل ضروري وحيوي لتعميق ودفع التنمية في بقية المجالات من جهة أخرى.والمؤكد أن عمان وفقا لتلك المؤشرات الوطنية والدولية أنجزت الكثير، ولكن من المؤكد أيضا وفقا لذات المؤشرات انه لا يزال أمامها الكثير لكي تنجزه. وفي هذا الصدد سنطرح ونناقش مهمة تجذير ثقافة المواطنة الاجتماعية، بوصفها أحد مستويات التنمية الثقافية من جهة، وكمدخل ضروري وحيوي لتعميق ودفع التنمية في بقية المجالات من جهة أخرى.ما الذي نعنيه بثقافة المواطنة الاجتماعية؟ تتصل المواطنة السياسية بوضع الفرد في المجال السياسي، أي كمواطن يعيش وينشط ويتفاعل داخل المجال السياسي العام، عبر نسق من الحقوق والواجبات والفعاليات. بينما تتصل المواطنة الاجتماعية بوضع الفرد في المجال الاجتماعي، أي كعضو في المجتمع ينشط ويتفاعل معه عبر نسق آخر من الحقوق والواجبات. وهنا يمكن القول إن المواطنة السياسية تقودنا إلى المجتمع السياسي، بينما تقودنا المواطنة الاجتماعية إلى المجتمع  المدني. ويمكننا أن ندفع بالتحليل خطوة اكثر قدرة على التوضيح، عبر مماثلة المواطنة الاجتماعية بمفهوم الفضيلة المدنية في تراث الفكر السياسي. ولن يفيدنا كثيرا هنا، الاستغراق في عملية موازنة  ومقارنة بين المفاهيم. وسيكون من الأجدى للقارئ الانتقال المباشر لتحديد المكونات الأساسية لثقافة  المواطنة الاجتماعية. فماهي تلك المكونات؟تتعدد تلك المكونات، ولكن ما يهمنا منها في مقامنا هذا، المكونات التي تنتظمها المحاور الثلاث التالية: علاقة المواطن بالعمل، وعلاقة المواطن بالجماعة، وفي النهاية علاقة المواطن بالثقافة الوطنية. فماهي تلك المكونات؟فيما يتعلق بمكونات ثقافة العمل كأحد عناصر ثقافة المواطنة الاجتماعية. في كل مكان وعبر كل الأزمنة، وأدركوا أنه سبب تجدد الحياة وعلة استمرارها. ولكن العمل كأحد مكونات ثقافة المواطنة، يمتلك أبعادا أوسع وأعمق من هذا المفهوم الدارج والقديم. فماهي تلك الأبعاد؟من الضروري والصحيح أن نميز بين الأعمال، من حيث ما تستلزمه من براعة ومعرفة، وما تستحقه من عائد. ولكن ليس من الصحيح أن نميز بينها وفقا لاعتبارات الكرامة. كل الأعمال تستحق ذات الدرجة من الكرامة والاعتبار، وليس فيها ما يقلل من كرامة أحد واعتباره الاجتماعي.ولا تقاس قيمة العمل المنجز بالمعايير الكمية فقط. يتعين هنا أن تأخذ معايير الجودة العالية اعتبارها، وان يحدث ذلك عبر الرقابة الذاتية والرضا المهني وليس الرقابة الخارجية والثواب والعقاب.ولا يمكن أن نحصل على أكبر عائد ممكن لعمل الجميع، إلا عبر إدراك الجميع لقيم الوقت والنظام والالتزام بالمواعيد والتعهدات. دونما هذا الالتزام سنهدر الكثير من الوقت والطاقة، وسنفقد مساحة كبيرة من القدرة على الإدارة والتخطيط.ومن الصحيح أن العمل لكي ينجز يجب أن يتم وفقا لنظام ثابت متكرر، ولكن من الصحيح أيضا أن مساحة كبيرة من أعمالنا وعلى الأخص في القطاعات الريادية، تجري الآن في بيئة منفتحة على العالم واضحة آلياتها بالتالي سريعة التغير وكثيفة المكون المعرفي، وهو ما يفرض وعي ضرورة التحديث المتواصل للمعرفة والتدريب، عبر قنوات مرنة وكثيفة مع العالم الخارجي.  ومن البديهي أن الوجه الآخر والحتمي للعمل هو الاستهلاك، فنحن نعمل لكي نعيد إنتاج وجودنا المادي، وبالتالي نستهلك عبر توظيف عائد ما انتجناه. ولكننا في نفس الوقت نعيش في مجتمع منفتح، تتدفق عليه السلع من الخارج عبر سياق دعائي كثيف ومحفز للاستهلاك. سياق يروج لسلع ليس لها أي ضرورة استهلاكية، ويتم الترويج لها عبر استراتيجيات تسعى لإيجاد شعور طاغ ووهمي بالحاجة. والانسياق وراء ذلك لا يعني فقط نزح ثروة البلاد للخارج، بل أيضا تجذير نزعات استهلاكية عميقة داخلية، تعيد إنتاج ذاتها بذاتها عبر توسط قوة العادة والمقارنة والمحاكاة الاجتماعية. وفي مواجهة خطر جسيم من هذا النمط ، يتعين العمل على ترويج ثقافة الاعتدال الاستهلاكي والإعلاء منها كفضيلة إنسانية وواجب وطني.تلك هي العناصر الأساسية لثقافة العمل، ماذا بشأن تلك العناصر الخاصة بعلاقة المواطن بالجماعة؟يتعلق العنصر الأول بضرورة الموازنة والدمج بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. وسيكون من الخطأ في هذا الصدد، الانسياق وراء صيغ إنشائية حماسية ومجردة. والصحيح أن نبحث عن صيغ عملية ملموسة، من السهل علي المواطن العادي وغير المسيس أن يمارسها بسهولة وباقتناع وبلا أضرار ملموسة تمس صالحة الشخصي الحياتي المباشر. صيغ عملية مثل: ضبط الاستهلاك الفردي لموارد الطاقة الكهربائية والمائية، والأداء المنتظم للالتزامات الضريبية، واحترام قواعد حماية البيئة وثرواتها، وحماية المرافق والملكية العامة، وتجنب الأشكال التحايلية للخروج عن سياسات التعمين مثل التجارة المستترة.ويتعلق العنصر الثاني بضرورة سعي المواطن والجماعة المحلية لاستكمال دور الدولة في المجال الخدمي . ويمكن لتلك المساعي أن تأخذ أشكالا عديدة، مثل المساهمة في تمويل الخدمات المحلية، والمبادرة بتأسيس وتنظيم أنماط جديدة من الخدمات. واستكمال جوانب نقص الإدارة الحكومية عبر المشاركة الأهلية، وعلى سبيل المثال من خلال  دور حيوي مجالس الآباء في المدارس. وتأسيس صناديق محلية أهلية، لدعم الفئات غير القادرة وإطلاق خدمات أهلية جديدة.ويتعلق العنصر الثالث والأخير بالسعي لتأسيس شبكات المنظمات الأهلية المحلية القاعدية. شبكات تقوم على التنظيم والتمويل الذاتي، وترتكز على قواعد مهنية أو خدمية أو خيرية، وتعمل عبر تجانس مع مؤسسات الدولة. والنماذج في هذا الصدد كثيرة: جمعيات تنظيم المنتجين، وجمعيات حماية المستهلكين، وجمعيات حماية الفئات الاجتماعية الضعيفة مثل كبار السن والأطفال والعاجزين، وجمعيات الدعم الاجتماعي في حالات الكوارث الخاصة والعامة. هذه الشبكات لا تمثل فقط نوعا من الحضور المنظم للأفراد بالتوازي مع حضور الدولة، بل تمثل أيضا قاعدة صلبة لعمل الدولة في المجال الأهلي . يتناول المحور الثالث والأخير: علاقة المواطن بالثقافة الوطنية. تتحدد الهوية الثقافية الوطنية عبر عدة عناصر: التاريخ الوطني بما ينطوي عليه من إنجازات حضارية، والخصوصية التكوينية للثقافة العمانية في بعدها التاريخي والراهن، والطابع القومي العماني في سماته العامة. ومن المهم أن يشرع فريق من صفوة المتخصصين في دراسة هذه العناصر، عبر منهج موضوعي يسعى للاكتشاف والتحليل النقدي، من أجل صياغة خطاب عام قادر على الوصول لعامة الناس وتحفيزهم وإلهامهم. ومن شأن خطاب من هذا النمط أن يجعل المواطن يعي انه يشكل امتدادا لتراث تاريخي عظيم عليه أن يعمل علي إحيائه، وحاملا لخصوصية ثقافية عليه أن يعمل علي استمراريتها وتحديثها، وممثلا لطابع قومي عليه أن يعمل على حمايته. وكل ذلك من شأنه أن يلهمه ويخلق داخله طاقة حركية هائلة وممتدة تعلو على ما هو ظرفي وعابر. كما من شأنه أيضا منحه القدرة على امتلاك وتشكيل مرشحات حضارية قادرة على حمايته وتحصينه، في مواجهة الوجه السلبي للتدفقات الثقافية العاتية لعصر العولمة والثورة الاتصالية.  إلا أن خطابا من هذا النمط لن يحقق المرجو منه، إلا إذا تحرى الموضوعية والتوازن وابتعد عن مزالق المبالغة. فعبر هذا النهج فقط يمكنه أن ينتشر ويتجذر ويؤثر، وبدونه سيتحول إلى مجرد عمل دعائي سيذهب تأثيره فورا إدراج الرياح. ومن أجل ضمان تحقق هذا الشرط الضروري، يتعين أن تضطلع بتلك المهمة أساسا جماعات المثقفين العمانيين على اختلاف تخصصاتهم ومشاربهم، وليس مؤسسات الدولة.ومثل هذا الخطاب يتعين عليه أن يتشكل عبر رؤية متكاملة، تمزج بين التراث الديني والفكري، وأنماط العمارة الوطنية، والعادات والأعراف، والفنون الشعبية، وأنماط الملبس وتقاليد المطبخ الوطني. وباختصار انه ليس مجرد صيغ فكرية ودينية مجردة، بل أيضا صيغ مادية معاشة تمد بخيوطها في نسيج الحياة اليومية. ماهو الطريق الأمثل لإنجاز مهمة تجذير ثقافة المواطنة الاجتماعية بعناصرها السابقة؟سوف يكون من الخطأ النظر إليها حصرا أو أساسا بوصفها مهمة تعبئة سياسة تقوم بها الدولة عبر مؤسساتها. للدولة ومؤسساتها دورها بالتأكيد، ولكن القوى الدافعة الأساسية لإنجاز هذه المهمة ينبغي أن تنبع من المجتمع نفسه. هذه القوى يمكننا أن نراها ونرصدها داخل صفوف الطلاب في الجامعات، والأساتذة الذين يعلمونهم ويحاورونهم. وداخل  فئات النخب الاجتماعية العليا المهمومة باستراتيجيات التحول الاجتماعي. داخل جماعات وقيادات المجتمعات المحلية، الحريصة علي مناقشة أوضاع مجتمعاتها وتطوير مستوى أداء خدماتها.داخل عناصر وقيادات الخدمة المدنية الساعية لتطوير عملها ، واستكمال أوجه النقص فيه عبر إثرائه بمبادرات العمل الأهلي . وداخل مؤسسات الإعلام العماني والعناصر القائمة عليها. داخل فئات المثقفين والمفكرين العمانيين. وفي النهاية داخل مؤسسات مجلس عمان.