أولوية الاستثمار في البشر

عماد عريان –

,, كانت القناعة واضحة لدى القيادة العمانية الحكيمة منذ تبنيها خطط التنمية الشاملة للبلاد – ولا تزال – بأن الاستثمار في الإنسان هو الرهان الرابح على الفوز بمستقبل أفضل في مختلف القطاعات، فالتنمية البشرية التي حققتها السلطنة في مجالات عديدة وضعتها بالفعل في مصاف الدول المتقدمة التي تعلي من شأن البشر قبل الحجر ,,  ولا شك في أن الثورة التعليمية والعلمية التي قادتها وتبنتها حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – في إطار جهود التنمية البشرية الشاملة وتطوير الإنسان العماني على مدى يقرب من نصف القرن من عمر الزمان، كانت غرسا واعيا ومدروسا مهد الطريق لثمار يانعة أمكن حصادها في شكل كوادر بشرية مؤهلة لقيادة مسيرة التنمية في السلطنة في قطاعات العمل والأنشطة المختلفة، وليس أدل على ذلك من زيادة نسبة التعمين في الأيدي العاملة المحلية بمعدلات كبيرة خلال السنوات الماضية، وباتت نسب الوظائف التي يشغلها العمانيون حاليا مقارنة بالأيدي العاملة الوافدة هي الأعلى بين قريناتها الدول الخليجية الأخرى، وتتميز التنمية البشرية في عمان بأنها تأتي متكاملة ومترابطة مع مسارات عديدة ومجالات مختلفة، وركيزة للتنمية والنهضة العمانية بمفهومها الشامل، وتنطلق من معادلة واضحة وهي أن الإنسان العماني هو الغاية من تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة، وأن تحقيق التنمية والنهضة يتطلب الاهتمام ببناء المواطن العماني باعتباره الثروة الحقيقية وهو أداة التنمية، ذلك في إطار استراتيجية شاملة وواضحة ومتراكمة للتنمية عبر خطط التنمية المستمرة، وأن يكون التحرك على كافة الأصعدة والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وعلى هذه الأرضية الراسخة المدعومة بإرادة سياسية واعية جاء تأهيل المواطن للمشاركة في عملية التنمية البشرية، فإيمانا منها بأهمية التعليم والتدريب والتأهيل للمواطنين بما يعينهم على الاضطلاع بدورهم الناجز والفعال في عملية تنمية بشرية ناجحة، أبرمت الحكومة عددا من الاتفاقيات مع أطراف دولية رائدة ومشهود لها بالريادة والتقدم في هذه المجالات مجتمعة، ربما كان أحدثها الاتفاقية التي تمت مؤخرا بين المجموعة العمانية العالمية للوجستيات «آسياد» والصندوق الوطني للتدريب، من أجل تعزيز التعاون بين الجانبين لتطوير كفاءة الكوادر العمانية في القطاع اللوجستي، ولتحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية لهذا القطاع الحيوي، الذي يشكل أحد أهم سبل تحقيق التنمية والازدهار خلال السنوات القادمة، سواء في إطار خطة التنمية الخمسية التاسعة (2016 – 2020) أو في إطار رؤية عمان 2040. وبموجب هذه الاتفاقية، يقوم الطرفان بوضع أسس ومعايير مهنية ومتخصصة ومعترف بها بما يضمن تحقيق الأهداف المبتغاة لعملية التنمية البشرية الشاملة والمستدامة.
وفي السياق ذاته، احتفت شركة تنمية نفط عمان بأكثر من 280 من موظفيها العمانيين، الذين أنهوا متطلبات برنامج تطوير الخريجين في تسعة تخصصات وظيفية فنية وغير فنية، تحتاجها الشركة في مجالات وقطاعات العمل المختلفة بها. ونظرًا لأن شركة تنمية نفط عمان تعد الشركة الرائدة في هذا المجال، بحكم عدد الخريجين من المتدربين، وبحكم عدد من تبتعثهم الشركة للدراسة والتدريب، بما في ذلك دراسات متخصصة ودراسات عليا داخل السلطنة وخارجها، فإن تجربة الشركة جديرة بأن تحتذى وتتم الاستفادة منها على مستويات أخرى لأنها نجحت، ليس فقط في بناء كوادر كفؤة، ولكنها نجحت أيضا في تطوير الاستفادة من الموارد البشرية بها، وبما يلبي خططها وبرامجها، وليس مصادفة أن يؤدي ذلك إلى تعزيز وشائج الولاء والارتباط بين الشركة والعاملين فيها.
في غضون ذلك، تم تنظيم العديد من الحلقات النقاشية وحلقات العمل، في إطار مختبرات البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي – تنفيذ – وامتدت الحلقات النقاشية لأكثر من 40 حلقة، استهدفت التعرف على مرئيات مختلف الوزارات والهيئات فيما يتعلق بالأهداف والمرتكزات المقترحة للخطة، والمكونات القطاعية، والخطط الخاصة بإدارة الاقتصاد الكلي والسياسات المالية، والبرنامج الاستثماري، وتنمية المحافظات، والقطاع الخاص، وسياسات التشغيل وبرامج الشباب، كما تم تنظيم خمس حلقات عمل بمشاركة خبراء دوليين ومنظمات الأمم المتحدة، للوقوف على التجارب الدولية الناجحة واستخلاص الدروس المستفادة الملائمة لظروف السلطنة والحوار مع الجهات المسؤولة عن الاستراتيجيات القطاعية طويلة المدى، وبصفة خاصة تلك المتعلقة بالقطاعات الواعدة التي تشملها الخطة التاسعة، التي يجري تنفيذها حاليا، وهي الصناعة التحويلية، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والثروة السمكية، والتعدين. كما شملت حلقات الحوار القطاعات المهمة الأخرى وفي مقدمتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتعليم، والصحة، والزراعة والبيئة. وقد استهدف الحوار العمل على إيجاد أرضية مشتركة بين الاستراتيجيات القطاعية وأهداف الخطة الخمسية التاسعة كما تم تنظيم عدة حلقات عمل مع الشباب العماني للتعرف على تطلعاتهم، ومواءمة أهداف الخطة لمواجهة أهم التحديات التي تواجه هذا القطاع المهم. وحرصت الحكومة على توثيق جهودها ومساعيها لتحقيق التنمية البشرية، بغية تقويمها توطئة لتطويرها والارتقاء بمستواها، من خلال إصدار الدراسات التقويمية والتقارير ذات الصلة، والتي كان من أبرزها تقرير التنمية البشرية «عمان 2012 «والذي قدم قراءة مهنية فنية للمشهد التنموي بكل أبعاده، كما قام بعملية مسح شاملة لحالة التنمية البشرية في مختلف القطاعات والمجالات. وقد استعان التقرير بباحثين مستقلين، عمانيين وغير عمانيين، عن طريق الإعلان وطرح التنافس من أجل إعداد الأوراق الخلفية التي اعتمدت عليها كتابة التقرير، مما يعني أنّ واضع التقرير تبنّى نهج الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني. كما يُحسب للتقرير أيضًا أنه، ومنذ الصفحات الأولى، قد حثّ على النقاش المجتمعي المستفيض، وشدّد على أهمية هذا النقاش في إحداث الأثر المراد من إعداده.
وعلى صعيد آخر تتوالى الإشادات الدولية بجهود السلطنة في مجال التنمية البشرية، حيث استلفتت إنجازات السلطة في مجال التنمية البشرية خلال العقود القليلة المنقضية، خصوصا في البعد الاجتماعي منها، اهتماما عالميا واسع النطاق، تجلى في تصنيف السلطنة خلال تقرير التنمية البشرية لعام 2014 ضمن مجموعة الدول التي حققت معدلات مرتفعة في مجال التنمية البشرية، إذ جاءت في الترتيب 56 من بين 187 دولة شملها التقرير، كما صنفت في تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لعام 2010 كواحدة من أسرع دول العالم نموًا في مكونات دليل التنمية البشرية غير المرتبطة بالدخل، بعدما حققت تحسنا وتقدما ملحوظا في مجال التعليم، في ظل تنامي أعداد الملتحقين بالتعليم الثانوي والعالي، وتحسن نوعية التعليم عموما في البلاد خلال العقد المنصرم، بالإضافة إلى الانخفاض الواضح في معدل الأمية، الأمر الذي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن كافة موارد الدولة العمانية، بما فيها عائدات النفط، قد تم توظيفها بأعلى مستويات الكفاءة، من أجل إنجاز وإنجاح عملية التنمية البشرية، خصوصا في شقيها الاجتماعي والاقتصادي.
وفي الختام تجدر الإشارة مجددا إلى أن السلطنة في ظل قيادتها الحكيمة، تجني اليوم حصادا يانعا لغرسها وزرعها الصالح في مجال التنمية البشرية والاستثمار في المواطن، وقد انعكس ذلك بشكل واضح في بزوغ نجم المواطن العماني، طبيبا متميزا ومهندسا بارعا ومعلما فاضلا، وأستاذا نابها وباحثا طامحا، وسفيرا واعيا، وموظفا خادما، وعاملا في مجالات شتى بنفس روح التميز والإخلاص، وإذا كانت من كلمة تقال في هذا المقام فهي الدعوة إلى ضرورة بذل المزيد من الجهود لتشجيع المواطنين على اقتحام مجال العمل الخاص – سواء من خلال ريادة الأعمال، وقيادة المشروعات الخاصة، أو من خلال الالتحاق بوظائف الشركات والمؤسسات الخاصة – بدلا من انتظار الوظائف العامة أو الحكومية والرسمية، فاقتحام الشباب والمواطنين عموما لهذه القطاعات سيساهم بالفعل مساهمة إيجابية للغاية في رفع معدلات التنمية بشكل لافت، وإذا كانت هناك ضرورة لتحقيق ذلك بمزيد من التشريعات والقوانين التي تساعد على دعم هذا الهدف وجعل العمل بالقطاع الخاص أكثر جاذبية، فلا بد من التحرك سريعا لتحقيق هذه الخطوة بعد خطوات أكثر من رائعة وضعت التنمية البشرية في خدمة توطين الأيدي العاملة في مختلف المجالات.