كمين النيجر – هل هو مؤشر لعودة داعش؟

جون مكلوكلين –
مجلة أوزي الرقمية الأمريكية –
ترجمة قاسم مكي –

الهجوم على القوات الخاصة الأمريكية في النيجر أوائل الشهر الماضي يلقي ضوءا على العديد من التحديات التقليدية في عمليات مكافحة الإرهاب. كما يؤكد أيضا على ما لم يكن مفاجئا لكل من له إلمام بالتاريخ الحديث لمنطقة الساحل (جنوب الصحراء الكبرى) وهو أنها صارت واحدة من أخطر محاضن نشاط الجهاديين في العالم وأكثرها غموضا. لم يكتمل تجميع الحقائق بعد حول حادثة 3 أكتوبر في غرب النيجر حيث هوجم حوالي 10 من جنود القوات الخاصة الأمريكية (ذوي القبعات الخضر.) وكان هؤلاء قد خرجوا فيما يفترض أنها مهمة استطلاع بقرية تونجو تونجو. وبعدما تركوا القرية هاجمهم 50 من الإرهابيين المسلحين بالرشاشات وقاذفات القنابل في حين كان الجنود الأمريكيون يحملون بنادق فقط. استمر الاشتباك لفترة ساعة قبل أن يطلب الجنود المساعدة. بعد نصف ساعة وصلت طائرات فرنسية ومعها أخرى آلية (درون) للتغطية. لم يسقط الفرنسيون للجنود معدات قتالية لأسباب غير معلومة. ثم انتشلت شركة متعاقدة الجنود الأمريكيين بمن فيهم ثلاثة من القتلى في حين تم استرداد قتيل رابع هو السارجنت لا ديفيد جونسون بعد 48 ساعة لاحقا. إحدى النظريات الرائجة حول الحادثة، مع انطلاق تحقيقات الكونجرس والبنتاجون، أن القرويين المتعاطفين مع المسلحين تعمدوا تأخير خروج الفريق الأمريكي من القرية للمساعدة في نصب الكمين. إنها نظرية وجيهة. فهذه المشكلة (مشكلة تمييز الأصدقاء من المتعاطفين مع العدو) تمثل تحديا في كل عملية من العمليات المضادة للإرهاب أو التمرد. لقد حدث ذلك عندما كنت في فيتنام في أعوام الستينات. وحدث شيء شبيه أيضا لوكالة الاستخبارات المركزية في خوست بأفغانستان في عام2009 حين تحول مصدر كان يُعتقَد أنه صديق إلى انتحاري وقتل سبعة من ضباط الوكالة. تنشأ هذه المشكلة من حقيقة أن الإرهابيين والمتمردين يمكنهم ضمان النجاح فقط بكسب دعم السكان المحليين والاختباء وسطهم أو إجبارهم على التعاون. أما الطريقة الوحيدة لرصد ذلك فهي جمع المعلومات المستخلصة من شبكة عملاء أو بوسائل فنية. نحن لا نعلم حتى الآن شيئا عن نوعية المعلومات الاستخبارية أو التحذيرية التي كانت متوافرة لدى الجنود. ولكن، دون استباق لنتائج التحقيقات، من الواجب أن تكون المخاطر المرتبطة بمثل هذه الحالة واضحة سلفا. فهذه المنطقة إحدى أخطر أجزاء إفريقيا وأقلها خضوعا لسلطة الدولة المركزية. وعلى الرغم من أن النيجر، وهو بلد لا سواحل له وأحد أكبر البلدان الإفريقية، شريك جيد في محاربة الإرهاب إلا أن 80% من أراضيه صحراء محاطة بستة بلدان أخرى لدى معظمها حدود ضعيفة الحراسة وبها مساحات شاسعة خارج السيطرة الحكومية. كما تشق هذه المنطقة طرق تهريب قديمة يستخدمها مهربو المخدرات وعناصر إجرامية والعديد من الجماعات الإرهابية. وعلى الرغم من الاعتقاد بأن ما تسمى بالدولة الإسلامية في الساحل الكبير هي المسئولة عن الهجوم إلا أن الأسماء لاتعني الكثير في هذا الجزء من العالم حيث توجد جماعات متماسكة إلى حد ما بما في ذلك جماعة القاعدة في المغرب الإسلامي والشباب وبوكو حرام. لكن أيضا تدخل المنطقة وتخرج منها عشرات المليشيات الجهادية التي تندمج وتنقسم وتغير أسماءها وفي أحوالٍ كثيرة تقدم خدماتها مقابل المال. يوجد مثال جيد لذلك وهو الجماعة التي استهدفت منشأة للغاز في عين أميناس بالجزائر عام 2013 وقتل في الهجوم ما يقرب من 40 رهينة. لقد أدركت بنفسي مدى السهولة التي يمكن بها تجميع قوة من المسلحين في هذه المنطقة عندما كنت أساعد وقتها شركة «ستات أويل» التي تدير المنشأة مناصفة مع (شركة سوناطرك الحكومية الجزائرية) في تقييم الحادثة وتحسين الأمن. وعلى الرغم من أن من قاد الهجوم قائد منشق عن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي إلا أنه تمكن من تشكيل جماعة من جزائريين وليبيين وماليين ونيجيريين وكنديين وتونسيين وموريتانيين. وليس مبالغة القول أن في مقدور المرء تنظيم عصابة من المسلحين الشعث والغبر بالتجول في هذه المنطقة ببعض سيارات الدفع الرباعي مع أسلحة ونقود. توظيف هذه البيئة من جانب المتطرفين حدث من قبل كما في واقعة الاستيلاء على شمال مالي المجاورة للنيجر عام 2012 بواسطة عناصر من الجهاديين المرتبطين بجماعة القاعدة في المغرب الإسلامي. فقد سيطروا على منطقة أكبر من مساحة فرنسا لأكثر من نصف عام قبل أن يطردوا منها بواسطة تحالف من قوات فرنسية وإفريقية. وهي لا تزال منطقة مضطربة. ففي وقت مبكر من هذا العام اندمجت بها ثلاث جماعات متمردة وأعلنت ولاءها للقاعدة. وفي الأثناء من المعتقد أن الجماعة التي نصبت الكمين للجنود الأمريكيين في النيجر كانت تحت قيادة مخضرم مالي ممن شاركوا في القتال عام 2012 شمال مالي في منطقة تقع مباشرة على الجانب الآخر من الحدود قبالة المكان الذي هوجم فيه الجنود. السؤال هو لماذا ذهبت الولايات المتحدة إلى هناك؟ لقد ذهبت للمساعدة في عدم تحول المنطقة إلى منصة أخرى لمهاجمة الولايات المتحدة وحلفائنا. والآن مع طرد داعش تقريبا من الأجزاء التي احتلتها في سوريا والعراق ستعود إلى استراتيجيتها العالمية التي فكرت فيها على مدى فترة طويلة. فهي لديها نصف دستة على الأقل من الجماعات المتفرعة منها والراسخة حول العالم بجانب مجموعات أخرى لها روابط ضعيفة معها مثل تلك التي هاجمت الجنود الأمريكيين. وإذا تركت وشأنها سيكون بمقدورها استخدام مناطق مثل الساحل الإفريقي كملاذ آمن للتدريب وتدبير هجمات في المستقبل. وبالنظر إلى حجم التحدي فمن المحتم أن تفوق المهام العملياتية المطلوبة طاقة قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية. ويشكل الهجوم على «قبعاتنا الخضراء» تذكارا بأن الصراع الحالي عالمي حقا وشديد التعقيد وسيستغرق وقتا طويلا وأن بناء التحالفات واقتسام العبء مع قوات محلية موثوقة سيكون أكثر أهمية مما في السابق.
• الكاتب يحاضر بمدرسة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة. عمل نائبا لمدير وكالة الاستخبارات المركزية ومديرا لها بالوكالة في الفترة 2000-2004