شغوفة بالرسم والفن التشكيلي – رجاء الكلبانية: أطمح للكثير من المشاركات لدعم أيقونة الفن العماني

حاورتها – تيمورة الغاوية –

الألوان طريقة الفنان لترجمة مشاعره وما يدور حوله، ربما يتراءى لنا بأن الأزرق لا يليق بالبني، ولا الأحمر بالأصفر، ولكنه وحده من يستطيع أن يصيغ جميع الألوان في لوحة إبداعية ذات معنى لدى المتمعن فيها. بعثرة أوراقه، ريشته، وأقلامه، هي الصديق الذي يأنس بوجوده معه.
رجاء الكلبانية، فنانة ومصممة رقمية من مخرجات الكلية التطبيقية بعبري، دخيلة بعالم الفنون التشكيلية، قارئة ومهتمة بكل فرصة بإمكانها جعل هذا العالم أفضل. وصفت ذاتها قائلة: «تحركني قناعاتي، عقلي وحواسي تقلب أي معادلة أكون جزءًا منها. شغوفة جدًا لتعلم كل ما هو جديد لمهاراتي قبل معرفتي، أثق بأنني غير عادية، واعتبر نفسي شخصًا مزعجًا جدًا، وذلك ما اعتبره ميزة قبل أن يكون عيبًا. لا أجيد الاستماع دون قلم، وقلم في يدي بدون ورقة مأزق عظيم يهدد كل شيء حولي. ملاحظاتي دائمًا شخابيط، والوقت أزمتي الجسيمة، متفائلة حتى النخاع».

البداية
قد تتشابه البدايات عند الناجحين، لكن المشاعر هي التي تختلف، فعن بدايتها قالت الكلبانية: «البدايات موجودة حتى بالذكريات القديمة الضبابية عن طفولتي، فالتحفيز الأول الرائع والأقوى كان مبادرة من أستاذة الفنون التشكيلية حين كنت بالصف الأول الأساسي. للوهلة الأولى، انتابني الخوف حين قطعت معلمتي ورقة رسمتي الصغيرة من الكراسة، حتى تفاجأت حين رأيتها تحمل نجمة ذهبية وقد علقت لوحتي على السبورة وصدى عبارتها يتردد (رسمتك جميلة لازم نشوفها كلنا كل يوم). في كل مرة أتذكر ذلك الموقف أشعر بتجدد الحياة والإبداع في نفسي، رغم أن موقفها ذلك كان بسيطًا جدًا ولكنه مؤثر بالنسبة لي».

تحديات

وعن وجهة، نظر أهلها حول ميولها في الرسم، قالت: «منبع الرسم بدأ من البيت قبل أن أعهده في المدرسة، فلا أذكر بأني بدأت بفعل أي شيء بالقلم سوى الرسم. ومما أذكره أن والدي لم يكن يحبذ الرسم ويمانعه لكون المنظور العام المحلي للرسم سابقا (أو كما وجدته بعيني والدي) بأن الرسومات تعد كأنها مبارزة للخالق في الخلق وإضاعة للجهد والوقت والتفكير، ولأن قدراتي محدودة جدا كطفلة بخطوط رسم مهزوزة، لم تكن الإجابة مقنعة أبدًا وغير كافية، وطالما علامة الاستفهام تكبر، فلابد من إجابة، والبحث عنها لم يوقفني، فكلما تعلمت شيئًا جديدًا، أتشوق للمرحلة الجديدة القادمة، وما زلت حتى الآن أفعل ذلك.
بعد أن كبرت قليلًا، وجدت أن الرسم لم يكن أمرًا منافيًا لعقيدتي وديانتي أبدًا، بل وجدته وسيلة لهما، و(إنما الأعمال بالنيات) كانت تمنحني الثقة، فلم يكن الرسم عندي إضاعة للوقت والجهد وإنما اختزال، والانغماس في هذا المجال كفيل بأن يقدمك لربك ساجدا لكثرة ما يمكن أن يرشدك للخالق من خلال أسئلة وتصحيح أخطاء، وطريق الرسم رائع لأنه يفضي بك إلى أروع ما يمكن أن تتمنى».
وأضافت: «زجر والدي لم يكن إلا خوفًا تفرضه الأبوة، وله كل الحق في ذلك لكون المعطيات في وقتنا آنذاك كانت تصنع ذلك، وتجنبًا لغضب والدي ولكي لا يعد الرسم إضاعة للمال، لم أكن استخدم أي مال مصدره والدي، فدائمًا ألجأ إلى نقودي التي أجمعها من عيدية العيد، أو عطايا جدتي وأقاربي، وبعض الهدايا الصغيرة من إخواني الكبار، أو استعارة مؤقتة لأحد أدواتهم المدرسية، فقد كان لابد أن أكمل الرسم دون أن أخسر رضا والدي، ومن ضرورياتي أن أقنعه بما وجدت من إجابات على أسئلتي، رغم يقيني بأن إقناعه لن يكون قط سهلاً، ولكنه كان ممتعا، فالإحساس بالتقدم وقود متجدد، وكنت أستخدم الحوار تارة، واستطلاعي لرأيه فيما رسمت طوال فترة غيابه تارة أخرى، حتى بدأ يتقبل الأمر، ففي يوم ما طلبت منه أن يرسم ذات مرة، فرسم والدي شجرة».

دور التشجيع
التشجيع بالنسبة لرجاء كان موجودًا في كل مكان، وترى أن من يحاول فعل عكس ذلك قد شجعها سهوًا، فقد لاقت تشجيعًا من عائلتها، وأصدقائها، والأساتذة، والزملاء. وقالت: «أكثرهم تأثيرًا بالنسبة لي هم أساتذتي، والناقد البناء، ومن شاركني متعة ذلك. ولعائلتنا أطفال لم يتجاوزوا السابعة، كانوا حريصين جدا على أن قول بأعين مفتوحة: (جميل خالتي، أنتي أميرة الرسم)، في كل مرة يجدون قصاصات مرسومة أو بمجرد طرق الباب ليشبعوا الفضول عن ماذا كنت أفعل. حتى الأشياء البسيطة تبهرهم.
كما شجعتني مبادرة طيبة جديرة بالذكر، أكن لها عظيم الامتنان بأن سنحت لي الفرصة لأرسم على أحد جدران حضانة أطفال اسمها حضانة أرض الطفل في الخوض السادسة. كانت تلك المرة الأولى التي أرسم فيها على جدار، أو على الأقل لأول مرة بشكل قانوني مريح، على الرغم من أنه مجرد جدار، إلا أنه كان دواءً بالنسبة لي».

مشاركات وإنجازات
أما بالنسبة لمشاركتها، فقد قالت رجاء: «شاركت بلوحاتي في معرض طلابي بالسودان المصاحب لمهرجان طلابي مليء بالفعاليات من تنظيم وزارة التعليم العالي بالسودان وذلك في شهر مارس الماضي. وفي العام المنصرم، حصلت على المركز الثالث بمجال الرسم في جائزة ناصر بن حمد للإبداع الشبابي، وعلى ذلك تم استضافتي كأحد المشاركين في المعرض المصاحب للجائزة. وقبلها سررت جدًا بتمثيل السلطنة جنبًا إلى جنب مع الوفد العماني في ملتقى الطلبة الرسامين بتونس في دورته السادسة. وفي موسم 2015 من مسابقة الإبداع الطلابي لكليات العلوم التطبيقية بالسلطنة، حصدت المركز الأول بمجال الرسم، والموسم التالي حصدت جائزة المركز الثاني في مجال النحت».
وتعتبر رجاء تلك المشاركات والمعارض طريقة مثلى لتطوير كل فنان، ومحفزًا فعالًا، لمن يسعى لتطوير ذاته. وقالت: «أطمح للكثير من المشاركات، لدعم أيقونة الفن التشكيلي العماني، وأن أكون جزءًا منها، وأن أمثلها مجددًا، لنسجل للفن إضافة عمانية جديدة، وأن أستثمر ذاتي بما يخدمنا جميعًا، وأود حقا أن أنشر ما تعلمت حبا فيه، وأملا بأن يمنح الحياة ويعيش في حب اﻵخرين».

وقت الرسم
لكل فنان وقت معين ليبدع، فالرسّام له وقت وفكر يختلف للرسم، وللكاتب وقته وأفكاره الخاصة للكتابة. أما بالنسبة لرجاء فقد قالت: «أرسم كثيرًا، مادام هنالك متسع من الوقت، فأجرب كل ما يمكن أن تطوله يدي ورؤيتي، وأفضل أن أرسم من مخيلتي، باجتهاد لدراسته أولا في أرض الحقيقة، ثم أبدأ بالرسم دون قيود، وفي أوقات أخرى أرسم واقعًا».
أما بالنسبة للشخصيات الكرتونية، والوجوه، والحيوانات، والدراسات الفنية للنسب والظلال والحركة، موجودة في كل مساحة من مساحاتها، ففي ملاحظاتها، وكتبها، وأوراقها لم تخلُ من رسوماتها، فبالكاد سلمت منها أوراقًا معدودةً. وعن الوقت الذي تقضيه لإتمام أعمالها، فقد ذكرت أن إحدى لوحتها عملت عليها لفترة طويلة جدًا بما يقارب 8 أشهر، يتخللها أوقات مستقطعة لغايات أخرى مصاحبة، بالإضافة إلى إتمام المساحات الكبيرة، وإنهاء الكثير من التفاصيل. وذكرت أيضًا: «أخوض تجارب في كل ما هو متاح، ويمكن الحصول عليه، وأيضًا حريصة على اكتشاف ما يمكن لأدواتي أن تفعله، ومعرفة أين تكمن الحدود في التحام الوسيلة والفكرة والمهارة. استخدم الكثير من الورق والرصاص والحبر وأقلام بمقاسات متباينة، وفرش مختلفة للحبر والألوان بأنواعها المائية، والزيتية، والأكريلك، ويلزمني أن أدرس الكيمياء في ذلك، حيث سيكون ممتعًا جدًا، وأكثر فائدة لي».

كلمة أخيرة

وختمت رجاء حديثها قائلة: «لمن سيقرأ أسطر هذا المقال، أنت تملك قدرات رائعة تحتاج للشذب بدون شك، ولكن دون إيمان بوجودها ستحفر قبرها بنفسك. خوفك من أن تظهرها مهما كانت أسبابه، ومهما تعددت ومهما بدت حقيقية، فهي لا تخرج خارج نطاق جلدك أبدًا، ولا وجود لها، ولا تأثير خارج جدران عقلك، استخدم خوفك كمحرك لا حاجز؛ لأنك تملك كل المعطيات لصنع المستحيل. لربما يؤمن بك أحد، ولا أنكر أن يومًا ما هنالك من سيفعل ذلك، ولكن لا تحرم نفسك من أن تكون السند الأول لها؟ حين تؤمن بذلك كن على ثقة بأن إيمانك بقدراتك سيتسرب إلى من حولك جميعًا وأكثر. جميع المطالبات بالدعم، والحوار، والصعوبات، بكل طريق تتهاوى إن وثقت بقدرتك، والكون أجمع سيتوحد بك، لا عليك، فقط يتطلب الأمر الثورة الأولى هنا في صدرك. ولا تكن العائق الوحيد أمام نفسك، وتعلم بأن المجازفة تضمن لك درسًا، ولكن لا تضمن لك النتيجة، فأنت بحاجة إلى أن تتعلم أكثر من حاجتك لأن تحصد اللحظة، وما دمت تحاول فنتاجك يتعاظم. ومهما ينقصك، تذكر أن الحاجة أم الاختراع، ومهما تكن ظروفك استثنائية، فأنت ولدت لتكون شخص استثنائي، غير عادي، إنسان يصنع الفرق والتغيير. ابدأ بأول خطوة ودع الباقي يأتي تباعًا، فالأقدار كفيلة بأن تعتني بك أكثر منك، اخطُ، تعلم، وثابر، وأحسن الحديث مع نفسك».