شريفة التوبية: «عين السواد» هي الأرض التي ترتكز عليها أعمدة الحكاية

شريفة التوبية

الأمومة جعلتها أكثر شعورا بما يدور حولها –
حاورتها- تيمورة الغاوية –

شريفة التوبية، كاتبة عمانية ولدت بين أربع جهاتٍ من الكتابة، وهَبت أحرفها للكتاب، وصاغت فيه معاني، وجملا، وقصصا تلامس الواقعية. بدأت الكتابة في سن مبكرة، منذ سنوات طفولتها الأولى، «أي منذ بدأت أعي لعبة الحروف التي من الممكن خلق كلمة منها ذات معنى، فكان لهذه الكلمة ما يشبه السحر على روحي» كما قالت.
وعن بدايات الكتابة لديها، قالت التوبية: «الحياة التي عشتها في طفولتي في حد ذاتها كانت محفزّة للكتابة، فكنت محاطة بطبيعة ساحرة في مزرعة بصحبة جدي، بعيدة عن صخب المدينة، أو حتى حكايات القرية، إنها تلك العزلة التي يحتاجها أي كاتب لصفاء ذهنه، كذلك كان تشجيع والدي لي منذ أن كتبت رسالتي الأولى إليه، فهو من قال لي في يوم من الأيام: (أنتِ كاتبة) فصدقته، حتى كبر اليقين معي لتصبح الكتابة ملاذي وملجأي سواء كنت في حالة حزن، أو حالة فرح، شغفي بالقراءة من مجلة ماجد، المجلة التي كانت رفيقتي لسنوات طفولتي والتي قد تربيت على سطورها وكبرت بين صفحاتها، وكنت أعيش لهفة انتظارها في كل أسبوع، ومنها اكتشفت أن القراءة عالم سحر والكتابة أشد سحرًا على الروح».
لعين السواد نكهة عمانية خاصة جدًا، وعلى الرغم من ذلك ليس هناك قصة تحمل عنوان (عين السواد) بين القصص الموجودة في المجموعة، وذكرت التوبية بأن السبب في اختيار الاسم جاء لأن عين السواد هو الربط المكاني بينها، فعين السواد هي الأرض التي ترتكز عليها أعمدة الحكاية، وهي بيئة الحدث، بحيث اقتنصت الأفكار من تلك الحكايات القديمة التي كانت تسمعها من جدتها وجدها وأمها، فبعضها مجرد فكرة صغيرة ولكنها أضافت لها الكثير بفعل الخيال الأدبي والحبكة لتحولها إلى قصة لا يربطها بالواقع الحقيقي سوى الفكرة المنبثقة منها فقط. وأضافت: «كانت عين السواد حاضرة في ذاكرتي أثناء كتابة هذه القصص، فبعض الحكايات لا يمكن أن تحدث في غير تلك الحارة القديمة وبيوتها الطينية وسواقي أفلاجها ومزارعها، شخصيات القصص غير موجودة الآن حتى في مخيلة بعض القراء، ربما من خلال هذه المجموعة سيكتشف القارئ جانب اجتماعي تاريخي لا يعرفه أو ربما سمع عنه أو عاش بعض أحداثه، لذلك أتى اختياري لهذا العنوان، ورغم الارتباط المكاني لأحداث القصص لكن لكل قصة خصوصيتها وعالمها المختلف، مما يدل القارئ على التنوع الثقافي والاجتماعي حتى على مستوى البيئة العمانية الواحدة».

الحارة القديمة
وعن الكتاب قالت شريفة: «كتاب عين السواد هو عبارة عن مجموعة قصصية تحتوي على 15 قصة قصيرة، يربط بين أكثر من نصفها رابط المكان؛ حيث إن أحداث أكثر القصص تدور في حارة عين السواد وهي حارة قديمة جدًا في قرية إمطي بولاية إزكي، ولكن القصص وان ارتبطت بالمكان لكن الحدث والأشخاص يختلفون، وما يميزها أيضًا أنها قصص ترتبط بالبيئة العمانية القديمة، أحداث بعضها تدور في فترة ما قبل السبعين، سيجد القارئ نفسه أمام بيئة عمانية قديمة مندثرة ومغيبة هي عين السواد بكل ما فيها من حياة اجتماعية بها من المثاليات والتناقضات الكثير.
وعين السواد هي نموذج البيئة العمانية بما فيها من سحر الطبيعة وبساطة الحياة، في هذه القصص تكون المرأة حاضرة وهي تحمل وعاء الماء على رأسها مرتدية ملابسها العمانية الملونة، وفي هذه القصص سيلتقي القارئ بشخصية ولد جريْدة تلك الشخصية التي دارت حولها العديد من الحكايات ليقترب منها في سرد قصصي وأحداث ربما لم يعرفها من قبل، سيدخل القارئ من (الصباح) الكبير أي البوابة في حارة عين السواد وسيعبر تلك الدروب القديمة وسيعيش تلك الحكايات القديمة التي قد تحدث داخل (المجازة) وفرضة الفلج، وكذلك حكاية الفتاة التي تنتظر أباها الغائب وتسأل الطائرة العابرة أن تحضر لها إياه من حيث هو في مكانه البعيد وسيلتقي القارئ ببنت الجبل التي كانت صديقة للفتاة المشتاقة لأبيها، صورة أخرى للقّاء الذي يحدث بعد غياب، وحكاية الحب التي جمعت بين الفتاة والظل، وحكايات أخرى قد يجد القارئ نفسه فيها. هناك عناوين مختلفة مثل ولد جريدة حكاية الدم والطين وبنت الجبل وفرضة الدوا وعقبة العرقوب ونصف حكاية وحبل الغسيل.. وعناوين أخرى».
وما يميز كتاب (عين السّواد)، فقد قالت: «الكتاب تجربة أدبية جديدة بالنسبة لي على مستوى الإصدار وليس على مستوى الكتابة، فأنا كاتبة مقال كما يعرفني القارئ، ولكني أكتب القصة منذ فترة طويلة، ونشرت بعض منها في دوريات ثقافية، فقط كنت أنتظر نضج تجربتي في هذا الجانب، وحينما وجدت أن هناك ما يستحق أن أقدمه لقارئي كان عين السّواد.

شجرة محبة
أما عن شغف الكتابة لديها، والكتب التي تأثرت بها شريفة، فقد قالت: «لا أستطيع القول أن هناك كاتب معين تأثرت به أو كتاب أحببته أكثر من غيره؛ لأني أحببت كل الكتب وصادقتُ أبطالا كثيرين من أبطال الورق، فكل كتاب كان يضيف لي شيئًا جديدًا ومع كل كتاب كنت أعيش حالة من الحب المعرفي، وكل شخصية كنت ألتقيها في أحد الكتب كانت تتلبسني واحتاج إلى زمن حتى أخرج منها أو أخرجها من نفسي، حتى أصبح الأمر إدمانًا وعشقًا لهذا العالم الساحر الذي يأخذني من نفسي ومن عالمي المحدود فيدخلني عوالم شتى ويتجاوز بي كل الحدود ويعبر بي كافة المحطات، حتى أيقنت أن عالم الكتابة هو عالمي وأن كل ما أرجوه في هذه الحياة أن أكون كاتبة، حيث لا أريد شيئًا سوى أن أكتب وأن تكون لي صفة الكاتب التي ما زلت أبحث عنها».
وأضافت: «ليس هناك شيء أحب إلى نفسي من الكتابة، لو لم أكن كاتبة لم أكن شيئًا آخر، الشيء الوحيد الذي قد يسبق الكتابة في حياتي هو الأمومة ولا شيء غيرها، لا أفعل شيئًا سوى أن أكتب وأربِّي أطفالي بمحبة كبيرة، وأحاول أن أزرع في قلوبهم شجرة محبة تعينهم على مقاومة كل ما سيواجههم في طريقهم من مصاعب وإحباطات، وإذا كان من شيء آخر أفعله مع الكتابة فهي القراءة؛ لأن القراءة تعينني على فهم نفسي وفهم ما يدور حولي وتساعدني على نضج تجربتي الكتابية، لذلك أجمل إنجازاتي أمومتي فأنا أم لأربعة أبناء، وهذا إنجاز عظيم بالنسبة لي وأحمد الله عليه، وإنجازي الأعظم أن أنجح في تربيتهم، لم تبعدني الأمومة عن الكتابة بل بالعكس ساعدتني؛ لأن أصبح أكثر حساسية تجاه الأشياء والمواقف التي يمر بها الآخر، الأمومة جعلتني أكثر شعورًا بما يدور حولي، وأرى أن الحياة جميلة متى عشناها كما نحب».

وعي القارئ

ومن وجهة نظرها ترى شريفة أن الكتاب العماني أصبح حاضرًا، ليس فقط بالنسبة لعدد الإصدارات المتزايدة التي تشهدها ساحتنا الثقافية في كل عام، ولكن بالنسبة للتنوع الأدبي بين القصة والرواية والشعر والمقال وحتى الإصدارات النقدية، والكتاب العماني ليس حديثًا، بل هو موجود منذ زمن طويل، ولكن ربما بحكم القنوات الإعلامية والإلكترونية، ودور النشر المتعددة أصبحت معروفة وفي متناول القارئ.
كما ذكرت أيضًا أن ساحتنا الثقافية قد شهدت تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، فهناك حركة ثقافية واضحة من خلال وجود كاتب عماني مبدع، وهناك قارئ مثقف وواع، وهناك ناقد أيضاً، وإن كان النقد لدينا ما زال خجولًا ومجاملًا في بعض الأحيان كما ترى ذلك. وقالت أيضًا: «الكتاب العماني موجود في كل المعارض الدولية وفي كل مكان، وهناك أسماء لأدباء عمانيين تجاوزت شهرتهم حدود المنطقة المحلية، الكتاب العماني له قرّاءه ومتابعوه، والمؤسسات الثقافية والإعلامية لدينا تقوم بدور كبير من حيث تعريف القارئ بالكاتب العماني، من خلال الأمسيات الثقافية أو حتى على مستوى العلاقات الثقافية الأدبية بينها وبين المؤسسات الثقافية الأخرى في الدول، كذلك لاحظت أن هناك برامج إذاعية غاية في الروعة وتساهم بشكل كبير في تقديم الكاتب والكتاب العماني للجمهور».
كما أن المجتمع العماني -من وجهة نظرها- مجتمع مثقف وقارئ لذلك أصبح الكاتب يدرك أن هناك قارئًا واعيًا سيقرأ ما يكتب بعناية ووعي، فأصبح يشتغل على نصوصه بجدية وإتقان، وختمت حديثها قائلة: «أستطيع القول أننا في الأعوام الأخيرة شهدنا تدفقا أدبيًا جميلا وشهدت ساحتنا الثقافية إصدارات أدبية رائعة وظهرت أسماء جديدة تكتب بشكل جميل أيضاً».
صدر للكاتبة أيضًا، كتاب (المقعد شاغر) ضمن إصدارات بيت الغشّام وهو عبارة عن مجموعة من المقالات، أيضًا كتاب نثار من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ويجمع بين طياته مجموعة من النصوص القصيرة. كما صدر عنها كتاب سُعاد وهو عبارة عن كتاب سردي في أدب الرسائل من إصدار دار سؤال، وكتاب في قلبي شجرة والذي يضم مجموعة من المقالات من إصدار بيت الغشّام.