أبعد من المصالحة.. بناء إجماع استراتيجي فلسطيني جديد

د. صلاح أبونار –
الأمر المؤكد أن اتفاق القاهرة الأخير الذي زف إلينا خبر مصالحة فتح – حماس جدير بكل تقدير، إلا أنه لا يمكن أن يشكل في حد ذاته أساسا كافيا لاختراق عميق للأزمة التي باتت تحيط بالقضية الفلسطينية من كل جوانبها.

على مدى ما يزيد عن عقد توصلت القوى الفلسطينية الى عدة اتفاقيات وإعلانات للمصالحة الوطنية: إعلان القاهرة الصادر عن الفصائل الفلسطينية مارس 2005، وثيقة الأسرى الفلسطينيين مايو 2006، اتفاق مكة للوفاق الوطني فبراير 2007، اعلان صنعاء أغسطس 2008، وثيقة عهد الوحدة والشراكة الصادرة عن المجلس المركزي الفلسطيني نوفمبر 2011، اتفاق القاهرة مايو 2011، إعلان الدوحة فبراير 2012، اتفاق غزة إبريل 2014 .
وليست كل تلك الاتفاقيات والإعلانات على درجة واحدة من التبلور والأهمية. فبعضها مجرد تعهد بالأهداف، والآخر مثل اتفاق القاهرة 2011، برنامج مصالحة حقيقي ومفصل. ولكننا سنرصد فيها كلهاـ وقد انتهى أمرها جميعا للإخفاق ـ عناصر ثابتة. تكوين حكومة توافق وطني، وإعادة تشكيل منظمة التحرير والمجلس الوطني بما يجعلهما معبرين عن كامل الكيان الفلسطيني، وانتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية متزامنة، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية على قاعدتي الحياد والمهنية. وخلف إلحاح تلك العناصر سنكتشف عدة عوامل: الانقسام القومي – الإسلامي الذي قاد لاستبعاد القوى الإسلامية عن المنظمات الجامعة وبالتحديد منظمة التحرير. وضعف أداء السلطة الوطنية وفساد مؤسساتها، من وجهة نظر البعض على الأقل، وعدم اكتمال تكوينها المؤسسي، وضعف تكوينها المهني، وجمود تغيراتها القيادية.
وعندما نرصد عناصر اتفاق القاهرة الأخير سنلاحظ أمرين: إن أساسياته نفس العناصر السابقة، لأنه يجعل من اتفاقية القاهرة2011 مرجعيته الأساسية. لكنه يحمل عناصر جديدة ناتجة عن الأزمة التي انبثق في سياقها، مثل حل لجنة حماس الإدارية في قطاع غزة، والسماح لرئيس وزراء حكومة الوحدة بدخول القطاع وممارسه مهامه، وإلغاء السلطة الفلسطينية للعقوبات المفروضة على القطاع في مجالي الطاقة ومرتبات العاملين الحكوميين.
ولكن ما الذي سيجعل حظوظ اتفاق القاهرة 2017 في النجاح اكبر من حظوظ الاتفاقات السابقة علىه، رغم أن مرجعيته هي ذات مرجعية اتفاق القاهرة 2011 ؟
في تحليلات الاتفاق سنلاحظ اتجاها يعظم فرص نجاحه، يركز أساسا على مستويين: الوضع الفلسطيني، والسياقات الإقليمية والدولية. فماذا يخبرنا بشأن كل مستوى؟
احتلت حماس صدارة الاهتمام بالوضع الفلسطيني. تعاني غزة من ترد شديد، ناتج عن التدمير الإسرائيلي، والحصار المفروض عليها، وضعف تدفقات الأعمار الدولي. ومؤخرا ظهرت عوامل جففت الدعم الإقليمي. فقد تحولت مصر وفقا لرؤيتها لتحالف حماس مع إرهابيي سيناء، إلى طرف يغلق معابر التجارة، ويطارد إنفاق التهريب. وتبخر الدعم السوري مع أزمتها، وتلاه الدعم القطري مع حصارها. ولم يبق أمامها سوى إيران، المتورطة في سوريا، والتي أعادها ترامب إلى معسكر الأعداء، والبعيدة بما يمنعها من المساعدة المباشرة. وفي الشهور الأخيرة حدث ما فاقم الأمور، كرد فعل لتشكيل حماس للجنة الإدارية كحكومة فعلية، أوقفت السلطة الفلسطينية تحويل مرتبات 35000 موظف، ومستحقات تزويد إسرائيل لغزة بغاز محطات الكهرباء.
في مواجهة الأزمة قررت حماس التراجع عبر عدة مسارات. كان المسار الأول ذا طبيعة مؤسسية. انتخبت قيادة جديدة في غزة في فبراير 2017 متمثله في يحيى السنوار، وصعد إسماعيل هنية إلى منصب رئيس المكتب السياسي لحماس، وتم تبني وثيقة سياسية جديدة في إبريل 2016، بمقتضاها أنهت حماس انتسابها للاخوان المسلمين، وأقرت بقبولها لحل دولة فلسطينية في حدو1967، وفي سياق ذلك أقرت بشرعية اوسلو كإطار تفاوضي.
وجاء المسار الثاني على مستوى السياسات. استطاعت حماس اختراق جبهة عباس عبر التحالف مع خصمه محمد دحلان، دحلان الذي لا يزال يمتلك قاعدة مساندة داخل فتح والضفة الغربية، وبوابة الدعم المالي الخليجي، وبديل عباس المطلوب من قبل قوى إقليمية نافذة، ووطد العلاقة مع إسرائيل. ثم أطلقت سياستها المصرية الجديدة. فحرصت على تضمين وثيقتها الجديدة، ما يفيد انفصالها عن الاخوان المسلمين. وصعدت من تجاوبها مع مخاوف القاهرة الأمنية، فأغلقت ما تبقى من أنفاق، وسحبت جنودها من رقابة الحدود مع مصر ليحل محلهم جنود تابعون للسلطة الفلسطينية،ونسقت معها في عملية إعادة دحلان مكرما معززا إلى غزة. ثم وافقت على جعل اتفاق القاهرة 2011، وهو أساس مقترحات مصرية طرحت على الفصائل الفلسطينية خلال اجتماعات القاهرة عام 2010، مرجعية الاتفاق الجديد.
ولم تكن فتح ومعها سلطة رام الله في وضع افضل كثيرا. نهاية مريرة لمسارات اوسلو بعد ما يزيد عن عقدين من المفاوضات، وتصاعد في السياسات الاستيطانية، وترد في الأوضاع الاقتصادية، وأجيال جديدة فقدت ثقتها في القيادات وسياساتها.
ماذا بشأن السياقات الإقليمية والدولية؟ دفعت تطورات الانتفاضات العربية القضية الفلسطينية بعيدا عن صدارة الاهتمام الدولي والإقليمي، وأسقطت دولا اقتاتت شرعيتها على ادعاء حماية القضية الفلسطينية، ووضعت التيارات الجهادية في امتحانات عسيرة كشفت ادعاءاتها. ورافق ذلك إمعان إسرائيل في سياساتها المتعسفة في إدارة عملية السلام، ومجيء رئيس أمريكي جديد لا يخفي انحيازه لإسرائيل. وكل تلك المتغيرات خلقت وعيا فلسطينيا بضرورة التحرك السريع لإنقاذ ما يمكن انقاذه.
الى أي حد يحمل التحليل السابق ما يعزز فرضية نجاح المصالحة؟ يتوقف الأمر على الهدف منها. لو كان الهدف حصرا ما رصدناه كعناصر أساسية للمصالحة، التي هي ذات عناصر المصالحات السابقة الفاشلة، فإن نجاحها مشروط بثمن ستدفعه حماس أساسا، وهو موافقة إسرائيل على دمج حماس في الصيغة المؤسسية التي أطلقتها اوسلو. يمكن دمج حماس في منظمة التحرير والمجلس الوطني واعادة تشكيلهما دون موافقة إسرائيل، ولكن لا يمكن دمجها في هياكل السلطة الفلسطينية وعمليات إعادة تشكيلها وانتخابها، دون موافقتها. وموافقتها ليست مستحيلة، بل مشروطة بدفع حماس لثمنها الباهظ وهو التخلي عن سلاحها.
تتخلى عنه لتندمج في الوجه الأول المؤسسي لعملية اوسلو، أي وجه السلطة الفلسطينية ومؤسساتها بكل القيود المفروضة علىه. في الوقت الذي لم يتوقف فيه فقط وجهها الآخر التفاوضي أي وجه مفاوضات الانسحاب، بل أطلقت ايضا موجة استيطانية جديدة . ويحدث ذلك في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وفتور الالتزام الشعبي العربي العام بها، وتآكل في المقاطعة العربية الرسمية لإسرائيل، وتحالفات وأدوار سياسية إقليمية سريعة وعميقة التغير يصعب التنبؤ بتحولاتها. وفي ظل وضع كهذا من المشكوك ان توافق حماس على دفع ثمن كهذا. ويفسر لنا ذلك لماذا لم تظهر إسرائيل اعتراضا حادا على المصالحة، ليس لأنها تراها فرصة، بل لأنها تتوقع انفجارها من داخلها .
ويقودنا التحليل السابق إلى مناقشة حدود المصالحة، فلم تشكل اوسلو إجماعا فلسطينيا حقيقيا، فلقد ولدت وعاشت محاطة بالصراعات. ولكن السياقين الدولي والإقليمي، والدور التاريخي لفتح وقدرتها على تعبئة القواعد الفلسطينية، واستثنائية زعامة عرفات، اكسباها مظهر إجماع كان في حقيقته إجماع الأمر الواقع . والآن حل الدولتين يواجهه حائط الرفض الإسرائيلي، اضحى إجماع اوسلو في مهب الريح واصبح من الضروري البحث عن إجماع فلسطيني جديد. وهكذا تبدو مشكلة المصالحة الحقيقية ليست في ذاتها، بل في سياقها الاستراتيجي، أي ضرورة بناء إجماع فلسطيني جديد.
في بحثهم عن هذا الإجماع الجديد، سيواجه الفلسطينيون مأزقا حادا. فهم لا يمكنهم العودة لإجماع المقاومة المسلحة. فلا وضعهم الذاتي يؤهلهم لذلك، ولا السياقات الإقليمية تسمح بأدنى فرصة. كما أن مضار الانسحاب الرسمي من اوسلو اكثر من منافعه. فذلك ما تريده إسرائيل للتحرر من اوسلو كالتزام دولي وكإطار للتفاوض، وكذريعة لتوجيه الضغوط الدولية صوب الفلسطينيين، وكسياق لإطلاق شامل لسياسات الأمر الواقع في الضفة العربية. والمؤكد ان اوسلو رغم سلبياتها، ما زالت قادرة على منح الفلسطينيين فرصا لا يصح إهدارها. فهي تمنحهم مرتكزا إقليميا لسلطة شرعية قابل للبناء علىه، وتوافق دولي على مطلب الدولة المستقلة، وهياكل تنظيمية لتلاحم عضوي بين فلسطيني الداخل والخارج، وسلطة شرعية في التفاوض الدولي.
لابد إذن من إجماع جديد، يحافظ على مزايا اوسلو، دون إفراط في الرهان المتفائل علىها.
لا يولد أي إجماع وطني حقيقي، الا عبر تفاعلات وطنية واسعه، وتراكمات تحتاج لمداها الزمني. وهذه العملية بدأت بالفعل دخل الفلسطينيين، وتقرير كارنيجي الأخير المعنون « تجديد الهوية الوطنية الفلسطينية» 2017، يحمل مؤشرات واضحة. ويمكننا تصور تكون هذا الإجماع عبر عدة عناصر.
الأول السعي لرأب حقيقي للتصدع القومي- الإسلامي في الرؤية الفلسطينية للقضية. سعي ينتهج قاعدتي الوحدة والتمايز، والفصل بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الحياة المدنية، والتمييز بين استراتيجيات المدى المتوسط والمدى الطويل. هذا التوفيق يستلزم تنازلات متبادلة، غير ان تنازلات الإسلاميين هي الأكثر جوهرية وإيلاما، لأنها ستضعضع وحدتهم التنظيمية وتنتقص قواعدهم. ولكن مجمل الخبرة التاريخية المعاصرة يشهد بضرورتها.
والثاني السعي لاستكمال بناء مؤسسات الدولة الوطنية، على قواعد المؤسسية والتوازن والرقابة المدنية والشفافية والحوكمة. دولة من هذا النمط، ستستقطب الدعم الدولي، وستشكل واقعا يمكن الثقة في تطوراته المحتملة، عندما تحين لحظة الاستقلال الكامل.
والثالث تقليل وطأة الاحتلال الإسرائيلي عبر نضال مدني يسعى لانتزاع الحقوق السياسية، وترسيخ وتوسيع مؤسسات الإدارة المدنية، والمناهضة المدنية للاستيطان.
والرابع تصعيد التكلفة الدولية للاحتلال الإسرائيلي. عبر شبكات تواصل الحركات الاجتماعية الدولية، بمخرجاتها الحركية والإعلامية الكثيفة. وعمليات الحض على مقاطعه إسرائيل، التي أثبتت نجاحها في نطاق المؤسسات الأكاديمية.
والخامس التوجه لعرب 1948.حيث تظهر قياسات الرأي العام الإسرائيلي، قوة انتماء عرب 48 الفلسطينيين، رغم عمق تعرضهم للأسر، وهو ما يتطلب رؤية لدورهم في الإجماع الجديد، تراعي خصوصية أوضاعهم ، ستكون لها بالتأكيد نتائجها المثمرة.