دور المساهمين وتقييم مجلس إدارة الشركة

د. عبد القادر ورسمه غالب –
Email: awghalib@hotmail.com –

يلعب المساهمون دورا كبيرا في وضع الاستراتيجية العامة للشركة وتوجيه دفة البوصلة للوصول إلى كل ما يتطلع له ملاك الشركة ومساهموها. وهذه الأدوار الهامة غالبا تتم عبر اجتماعات الجمعية العمومية العادية وغير العادية للمساهمين والتي يحق لكل مساهم في الشركة، ومهما كانت نسبة مساهمته، حضورها والمشاركة بفعالية في كل أجندتها المطروحة. وهنا بالطبع يختلف دور كل مساهم عن الآخر، فهناك المساهم المهتم الحذق وهناك العالم ببواطن الأمور، وفي نفس الوقت هناك المساهم غير المهتم السلبي والجاهل بالأمور. والكل يساهم بقدر إمكانياته الفكرية والذهنية والمادية. ومن الأفضل بالطبع، أن يرتفع كل المساهمين لقدر المسؤولية لتحقيق الفائدة للشركة ولمساهميها وللمجتمع الذي تعمل فيه الشركة.
في خضم ممارسة المساهمين لأدوارهم المتعددة فهناك محطات فاصلة وهامة في تحديد مستقبل الشركة وكيفية وأسلوب إدارتها بصفة عامة لتحقيق الأهداف التي من أجلها تم إنشاء الشركة ثم الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات الحكومية المختصة. ومن أهم القرارات المفصلية التي يباشرها المساهمون هو ذلك القرار الخطير الخاص بتقييم ومن ثم «إبراء ذمة» أعضاء مجلس إدارة الشركة من المسئولية. وهذا القرار، وبوجه خاص، يتم اتخاذه أثناء اجتماع الجمعية العمومية العادية للشركة والذي تتم دعوة جميع المساهمين للمشاركة فيه. وفي هذا الاجتماع الهام يتم، ومن ضمن قرارات أخرى، اتخاذ القرار الذي يراه المساهمون فيما يتعلق تحديدا بما يسمى «إبراء ذمة أعضاء مجلس الإدارة». وفي هذا يدور، محور العلاقة بين المساهمين ومجلس دارة الشركة وما يرتبط به من تقييم للأعمال والمهام..
في اجتماع الجمعية العمومية العادية، والذي يتم عادة في آخر السنة، تتم مناقشة أمور عديدة تخص الشركة بما في ذلك الأداء العام لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية للشركة. وفي هذا الاجتماع، يقوم رئيس مجلس الإدارة بتقديم التقرير السنوي الذي يشمل كشف حساب تفصيليا بكل مهام ونشاطات الشركة المنجزة خلال العام المعني. وعند عرض الكتاب وكشف الحساب والحسابات المدققة، يحق للمساهمين إثارة أي نقاط أو استفسارات أو طلب تفاصيل معينة أو عرض مستندات خاصة أو أي نقطة يرون أهمية مناقشتها والرد والأخذ بخصوصها مع رئيس وأعضاء مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية التي يجب أن تكون حاضرة بل وجاهزة بأركان حربها لهذا الاجتماع الهام في مسيرة العلاقة بين المساهمين ومجلس ادارة الشركة وتقييم أعماله.
لقد حضرت اجتماعات عديدة للجمعيات العمومية للعديد من الشركات الهامة، وهناك تباين كبير بين هذه الجمعية وتلك. وكذلك يوجد تباين بين مجلس إدارة أو رئيس مجلس إدارة وآخر. فهناك رئيس مجلس إدارة الشركة المقتدر العالم بدوره وحدود واجباته والواثق مما يقوم به، وهذا يتضح من سيل المعلومات التي يقدمها وتفاصيلها وتسلسلها ونتائجها الايجابية والسلبية، وفي كل هذا فهو حاضر الذهن والبديهة والأريحية ومرتاح النفس والبال لدرجة تمكنه من تقديم أفضل ما لديه للمساهمين ولكل الجهات المختصة والرقابية الحاضرة للاجتماع… ومن وجود مثل هذا الشخص على قمة الشركة تأتي الإنجازات والنجاحات حيث يكون الشخص المناسب في المكان المناسب وتكون الإنجازات تلو الإنجازات ومن نجاح لنجاح… وهناك العكس من هذا تماما، حيث تجد من هو «رئيس مجلس إدارة الشركة» ولا يدري ما يجب عليه أن يدري به، ولا يدري ما تم ولماذا تم، ولا يدري كيف يتفاعل مع قاعدته من المساهمين والحضور، ويكون غير مرتب ومشتت البال والحال وغير جاهز لمعركة التفاصيل ويغرق «في شبر ماء…». وقطعا مثل هذا دليل عدم النجاح أو الفشل في تحقيق المهام، ويكون الرجل غير المناسب في المكان المناسب، ويا للطامة… وهناك أمثلة أخرى تقع فيما بين هذا وذاك، الطبع هذا واقع الحال.
ومن خلال مجريات الأمور خلال هذا الاجتماع وكذلك من واقع المعلومات الأخرى المتوفرة للمساهمين عبر عدة وسائل، ومن مجريات الأمور في خلال العام وما سبقه، وكذلك من المعلومات التراكمية المتوفرة عن أداء الشركة والدور الذي قام به مجلس إدارتها بصفة عامة أو بصفة خاصة في بعض الحالات. من خلال كل هذه المعلومات المتوفرة، وبما يتوافق وبموجب ضوابط حوكمة الشركات المتمثلة في الشفافية والإفصاح وتحمل المسؤولية وغيره.. يقوم المساهمون أثناء اجتماع الجمعية العمومية العادية بتقييم الموقف لاتخاذ القرار الذي يرونه مناسبا حيال «إبراء ذمة مجلس إدارة الشركة» من المسؤولية أو العكس وذلك استنادا لأي سبب أو أسباب يرونها ويتم توضيح تفاصيلها وملابساتها خلال هذا الاجتماع. ومن دون شك، فإن لهذا القرار الذي يصدر تبعات كثيرة سواء بالإيجاب أو السلب خاصة وأن عدم إبراء ذمة أعضاء مجلس إدارة الشركة من المسؤولية يعني فشلهم في تأدية واجباتهم ومهامهم المنوطة بهم وفق القانون أو النظام الأساسي للشركة أو تفويض الجمعية العمومية للمساهمين أو اللوائح أو الضوابط والأحكام المتنوعة. ولمثل هذا الوضع تبعات جمة منها القانونية والإدارية والمجتمعية والشخصية وغيره.
وفي جميع الأحوال والحالات، يجب على مجلس إدارة الشركة تحمل المسؤولية بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني. والمسؤولية أو التعيين في مجلس الإدارة تكليف وليس تشريفا، كما يعتقد البعض ممن يجري خلف الجميع للحصول على شرف و»بهرجة» عضوية مجلس الإدارة وهو لا يدري أنها مسؤولية جسيمة قد تؤدي إلي الهلاك وغياهب السجون والمتابعات القضائية والمجتمعية إلى ما لا نهاية، بل انه قد يفقد بعض الامتيازات المحسوسة بسبب عضويته تماشيا مع التعليمات الصادرة مثلا من الجهات الرقابية كالبنك المركزي أو هيئة وإدارة سوق المال أو غيرهم. والآن ووفق التعليمات الصريحة لحوكمة الشركات يجب على مجلس إدارة الشركة وخاصة رئيس المجلس الإلمام بدورهم تماما مع الحرص على تطوير منهجهم في الإلمام بهذا الدور. بل إن تعليمات الحوكمة تطلب صراحة من رئيس المجلس العمل على تدريب وتأهيل كل الأعضاء للدرجة التي تمكنهم من القيام بمسؤولياتهم وفق المقتضي وإلا فعليهم تحمل النتائج والتبعات. وهذا الترتيب، حقا، يشمل كل أنواع الشركات المساهمة العامة أو المقفلة أو الشركات العائلية أو القابضة أو المشتركة. والمساهمون يجب عليهم متابعة كل هذه التطورات والحرص على تفعيلها في ما يتعلق بعلاقتهم مع مجلس الإدارة..
وتحمل المسؤوليات للجميع، بما فيهم مجلس ادارة الشركة، يتطلب تنفيذ المهام وفق المعايير المطلوبة وأقلها الالتزام بتنفيذ كل ما يتطلبه معيار «الرجل العادي» في الظروف العادية المماثلة.. كل هذا مع ضرورة توفر حسن النية والدقة في تنفيذ الواجبات المربوط بالإخلاص والنزاهة وعفة النفس والتجرد من الذات لصالح المجموعة مع الحرص على القيام بتنفيذ كل ما هو واجب وضروري في ذلك الوقت آخذين في الاعتبار مصالح الشركة ومساهميها. كل هذه الأشياء، إضافة لغيرها من المعطيات، يتم أخذها في الاعتبار عند تقييم مدى المسؤولية الملقاة على عاتق أي فرد خاصة من تم منحهم الثقة في تمثيل جميع الملاك في مجلس إدارة الشركة.
عند توفر مجمل هذه المعايير، في العادة، يتم منح أعضاء مجلس الإدارة «صك البراءة والغفران» ويصدر قرارا خاصا من الجمعية العمومية العادية للمساهمين بإبراء ذمة أعضاء مجلس الإدارة من المسؤولية، وبكلمات أخرى «اذهبوا فانتم الطلقاء»، وربما يتم تجديد الثقة والتكليف لفترة أخرى مع السخاء في العطاء… وفي تحقيق هذا يتم تتويج دور مجلس الإدارة والعرفان لهم والتقدير التام لكل لما تجشموه من صعاب في سبيل تحقيق وتنفيذ مسئولياتهم. وهنا قمة التكريم لمجلس الإدارة ومن خلفهم كوادر الإدارة التنفيذية للشركة، لكل ما قاموا به من أجل الشركة وجميع مساهميها. ومن مثل هذا يهنأ الجميع وتتقدم المجتمعات وترتفع الدول.
على كل مساهم حضور الاجتماعات والمشاركة الفاعلة فيها وفي غيرها من المناسبات التي تحتم عليه المشاركة وعدم التعامل بروح سلبية مع الشركة وإدارتها لأنه بمثل هذه المواقف يضر نفسه أولا لأنه صاحب المال والحق والقرار. وعلى كل مساهم، بذل الحرص في تقييم أداء الشركة ومجلس إدارتها لأن في هذا «تقويم» لهم ودفعهم للمزيد من الانجاز وتحمل المسئولية. وإذا تكاتف المساهمون في توجيه مجلس الإدارة التوجيه الصحيح ومحاسبته علي الهفوات والأخطاء المتعمدة، وفق الضوابط القانونية والإدارية والمؤسسية، فان النتيجة الطبيعية لهذا تكون وضع الشركة في المجري السليم، وبهذا يكون الجميع ساهم بفعالية في التقييم وتحمل. وهذا دورك أنت كمساهم، فأين تقف؟؟؟.