من يفسد الطبخة على خطة غسان سلامة في ليبيا ؟

د. عبدالعاطى محمد –

اختار غسان سلامة المبعوث الأممي الجديد لحل الأزمة الليبية منهجا مختلفا عمن سبقه من مبعوثين لعله ينجح فيما فشلوا فيه، فلم يذهب إلى هناك بأفكار مسبقة معلبة تعكس التصور المثالي من جانب المجتمع الدولي في مثل هذه الأزمات، وبدلا من ذلك ذهب إلى كل الأطراف الليبية دون إقصاء لأحد واستمع إلى تصور كل منهم لأسباب الأزمة وطريقة العلاج من وجهة نظرها.
وبعد أن جاب البلاد تشكلت لديه رؤية دقيقة تشخص الوضع وتقترح الحلول انطلاقا من هذا التشخيص الذي هو تشخيص ليبي محض وليس جاهزا من الخارج.
وفقا لما توصل إليه لم يعد الليبيون، كل الليبيين تقريبا، يطيقون استمرار الوضع المعيشي بالغ السوء والحالة الاقتصادية المتردية ، ولا تحمل الوضع الأمني الهش، ولم يعودوا مقتنعين بما طرحه عليهم المجتمع الدولي بخصوص ضرورة المرور بمرحلة انتقالية يجري فيها تطبيق الخطوات الديمقراطية المعتادة لفترة من الزمن، فقد وعدهم المجتمع الدولي بسنة ونصف لا أكثر تعود فيها الأمور إلى نصابها الصحيح ، ودخلت الأزمة عامها السابع دون بارقة أمل في الحل. بدلا من ذلك يريدون نقلة نوعية أو حلا خارج الصندوق.
ما يراه الرجل – غسان سلامة – بعد أن استمع إلى أطياف عدة من الليبيين سياسيين أو مهنيين أو شيوخ قبائل هو أن المشكلة تكمن في غياب الهوية الوطنية الجامعة وترجمتها على أرض الواقع هو اختفاء الدولة الوطنية، حيث لا أحد يتحدث عن ليبيا الوطن والدولة وإنما عن انتماءات أخرى، فكل طرف أو جماعة مسلحة يفعل ما يراه مفيدا له فقط أو يحافظ على مكتسباته التي تحققت له بعد سقوط نظام القذافي. هذا الاختفاء يعني غياب المؤسسات المفترض أن تقوم بواجباتها تجاه المواطنين سواء من حيث الأمن أو الخدمات الأساسية أو الحياة المعيشية عموما. وقد انقسمت هذه المؤسسات إلى ثلاثة أنواع وفقا لرواية المبعوث الدولي، أحدها انقسم إلى اثنين أو ثلاثة كالحكومة والبرلمان والجيش، والآخر مؤسسات خطفها من تسلموها بعد الثورة كبعض الموانئ وآبار النفط وفيها يتحدث من استولى عليها باسم قبيلته أو مدينته.. غلخ، والثالث مؤسسات نائمة أي معطلة لا تعمل خصوصا في مجالات الصحة والتعليم.
فكرته التي نقلتها وكالات الأنباء وبعض المواقع ضمن تصريحات صحفية له، هي أن يجمع الليبيين حول هوية وطنية واحدة، دولة واحدة للجميع، من خلال حوار سلمي يشارك فيه الكل بمن فيهم الملكيون والقذافيون وخصوم النظام القديم بما يمكن من التوصل إلى توافق وطني حول المطالب وترجمة هذا التوافق في خطوات دستورية. ولا يريد المبعوث الجديد أن يخرج عما يفكر فيه الليبيون أنفسهم وإنما يركز جهده في ترجمة هذا الفكر، على تنوعه واختلافاته، إلى خريطة طريق يقبلها كل الفرقاء ثم يلتزمون بتنفيذها.
الخروج من الدائرة المغلقة التي حصر الليبيون أنفسهم فيها بالتخندق عند مطالب كل طرف، أي الخلافات والصراعات المحلية الضيقة، أصبح هو الهم الرئيس للمبعوث الدولي، والحل هو نقل جميع الفرقاء إلى وعاء الهوية الوطنية الواحدة. والتوصل إلى هذه الهوية الغائبة يتم من خلال إحياء المؤسسات، فالمنقسم منها يجري توحيده، والمختطف يُجرى تحريره، والنائم جرى تفعيله.
ولكن كسر الدائرة المغلقة وخصوصا بالنسبة لإحياء المؤسسات يقتضي إجراء تعديلات في اتفاق الصخيرات الشهير الذي جرى التوصل إليه عام 2015 بعد جهود مكثفة من الأمم المتحدة ممثلة في مبعوثيها السابقين والمجتمع الدولي ودول الجوار وقبل به قطاع من الليبيين. ولكن جرى تعطيله لأسباب عدة معظمها يتعلق بأنه لم يراع مصالح كل الفرقاء وتضمن نقاطا لم يتم الاتفاق عليها تماما تتعلق بوضع الجيش ومؤسسة الحكم والبرلمان، فضلا عن تهميشه لقطاعات مؤثرة من الشعب سواء بالنسبة للقبائل أو أنصار النظام القديم. وبدا الاتفاق موضع اتهام من جانب البعض بأنه جاء منحازا لقوى بعينها، وبأن من وافق عليه تملكه بينما من المفترض أنه ملك الشعب.
ووفقا لرواية غسان سلامة فقد توصل إلى نتيجة من النقاشات التي أجراها هي أن هناك عددا كبيرا من الليبيين يريد إجراء تعديلات في اتفاق الصخيرات من شأنها أن تساعد في عقد المؤتمر الوطني العام الذي تمت الدعوة إليه عام 2011 ولم ينعقد، وذلك تحت إشراف الأمم المتحدة وربما على أراضيها، ومهمته وضع المبادئ الأساسية التي تبنى النظام السياسي المنشود لليبيا ووضع نهاية سعيدة لأزمتها.
التعديلات ليست وحدها كافية، وإنما هناك استحقاقات أخرى يجب تنفيذها بالتوازي معها وهي الاستفتاء على الدستور الذي كان قد تم وضعه من جانب الهيئة الدستورية ووضع قانون جديد لكل من الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
نصف الكوب الممتلئ في خطة غسان سلامة المتفائلة يشير إلى أنها يمكن أن تحدث اختراقا في أزمة معقدة كالأزمة الليبية، فمن ناحية يتمتع الرجل بقبول من كل القوى الليبية ولم يطارده أحد بالهجوم والتشكيك مثلما كان الحال مع من سبقوه، وهو شخصية سياسية وثقافية مرموقة ليس في بلده لبنان فقط وإنما على المستوى الدولي وتوجهاته «ليبرالية» ويعرف كيف يدير الخلافات بين أطراف متنوعة المشارب والأسس الاجتماعية. ومن ناحية أخرى يطرح تصوره للحل من واقع ما سمعه وشاهده في جولاته التي جاب فيها مناطق ليبيا بما يعني أن ما يقوله هو لسان حال الليبيين أصحاب القضية الأساسيين ثم من المفترض أن يحظى طرحه بقدر كبير من الثقة والمصداقية.
ولكن نصف الكوب الفارغ فيه من العقبات ما يؤخر الحل إن لم يكن يجهضه مع أول اختبار. لنا أن نتذكر أن غسان سلامة كان قد أعرب عن انزعاجه من كثرة الوساطات في الأزمة لأنها تؤدي إلى مزيد من تخندق الفرقاء الليبيين كل عند موقفه طالما يرى في وساطة طرف ما فائدة له. وربما أراد بذلك توجيه رسالة للوسطاء بأنه هو الطرف المختص الآن بالوساطة ولا يريد أن تفسد الوساطات الأخرى طبخته خصوصا أنه يراها تعبر عما يريده الليبيون لا ما يريده الآخرون. ومن جهة أخرى لا يبدي المبعوث الدولي قلقا من الوضع الأمني في البلاد حيث يصفه بالهش وليس بالمتدهور.
ولكن واقع الحال يقول عكس ذلك لأن الفرقاء يتحصنون بأذرعهم المسلحة ويباشرون استعراضا للقوة، فضلا عن أن الجماعات المسلحة تتحرك باستقلالية وتفرض كلمتها على الشارع السياسي. وفي ظل هذا الوضع تبدو خطة سلامة عن توحيد المؤسسات المنقسمة موضع تساؤل أو مشكوك في إمكانية تحقيقها، وكذلك الحال بالنسبة لتحرير المؤسسات المخطوفة على حد وصف المسئول الدولي. فقط يمكن توقع تفعيل المؤسسات النائمة، ولكنها لا تمثل إلا جانبا محدود التأثير مقارنة بالمؤسسات الأخرى.
يراهن المبعوث الدولي على النيات الطيبة للقوى الليبية التي التقاها، وعلى غضب الشارع المتزايد نتيجة الوضع السياسي المتحجر وتدهور الحالة الاقتصادية، قناعة من جانبه أن هذا وذاك يفرض على الفرقاء أن يلتزموا بالخطوات التي يقترحها للخروج من الأزمة.
وإذا سارت الأمور على هوى ما يخطط له فإنه سيقول للعالم ما معناه أنه بين يديه حلا ليبيا خالصا. وعند هذه النقطة سيصبح بإمكانه اللجوء إلى ما كان الليبيون يرفضونه دائما وهو «التدخل الدولي». يستطيع أن يسوق الدعوة عند الليبيين في هذه الحالة على أساس أن الحل ليبي في الأصل ولكن تطبيقه يفرض الاستعانة بالدور الدولي، ووقتها لا مبرر لليبيين في الاعتراض. وربما من هنا كان مطلب سلامة ألا تتعدد الوساطات، فالطبخة يجب أن تكون ليبية أولا ثم يأتي دور الوساطات الخارجية.
كثير من المبعوثين الدوليين في أزمات مختلفة أخفقوا نتيجة أنهم لم يجدوا تعاونا معهم من الأطراف المحلية أو الأطراف الدولية والعكس صحيح أي تحقيقهم نجاحا في حالة وجود هذا التعاون أو ذاك. وقد فشل من سبقوه لأنهم لم يجدوا تعاونا من الأطراف الليبية، واليوم فإن غسان سلامة تمكن من وضع قدم في مربع التعاون من جانب الليبيين معه، وبقي أن يجد تعاونا أكبر من جانبهم ليضع القدم الأخرى، ودون ذلك لن يتمكن من استكمال المهمة مع الأخذ في الاعتبار أنها لا تزال في بداية الطريق.