متابعة المعاملات المالية المشبوهة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

خلال السنوات الماضية أصدرت مجموعة العمل المالي (الفاتف) 40 توصية دولية تتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وهذا ما جعل السلطات المحلية في كل دولة عضو إبداء المزيد من الاهتمام والحرص تجاه أي بلاغ مالي مشبوه للتحقق منه. وأصبحت هذه البلاغات التي ترد من المؤسسات المحلية والعالمية تشهد زيادة مستمرة. فعلى المستوى المحلي بالسلطنة على سبيل المثال، فقد بلغ عدد البلاغات الواردة للمركز عن المعاملات المالية المشبوهة في العام الماضي 2016 نحو 623 بلاغا وفق إحصائيات المركز الوطني للمعلومات المالية بشرطة عمان السلطانية، بعد أن سجل المركز 286 بلاغا في عام 2015 بنسبة زيادة قدرها 118%.

ويعتبر هذا مؤشرا إيجابيا نتيجة للوعي والخبرة والتدريب وتبادل المعلومات في هذا المجال سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. ورغم هذا العدد الكبير من البلاغات، ونتيجة للحرص الذي تبديه الجهات المعنية والتدقيق في تلك البلاغات بحيث لا يقع أي شخص ضحية وشاية أو بلاغ كاذب أو معلومات خاطئة، فقد تم إحالة 29 معاملة مشبوهة فقط من تلك البلاغات إلى الجهات التنفيذية، بالإضافة إلى إحالة 137 معلومة للأمانة العامة للضرائب تتضمن مخالفات ضريبية. هذه المعلومات تم الإفصاح عنها في ندوة أقيمت قبل أيام بغرفة تجارة وصناعة عمان تحت عنوان “دور المركز الوطني للمعلومات المالية فيما يخص قطاعات المال والمصارف والتأمين بحضور المسؤولين في المركز الوطني للمعلومات المالية والشرطة والادعاء العام وأعضاء اللجنة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
اليوم يقوم المركز الوطني للمعلومات المالية بدور كبير في الكشف عن هذه الجرائم، ولديه اتصالات مع المؤسسات المماثلة في الخارج لمتابعة القضايا المالية المشبوهة، ويقوم بتلقي وتحليل وإحالة تقارير المعاملات المشبوهة المتعلقة بمشاكل غسل الأموال وتمويل الإرهاب والأساليب والطرق التي يتبعها الجناة في هذا الشأن، وكيفية كشف وملاحقة هذه الأنشطة الإجرامية التي أصبحت تشكل تهديداً حقيقياً للدول ولأمنها ومصالحها.
وجاء صدور المرسوم السلطاني رقم 30/‏‏2016 لقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والذي تضمن إنشاء المركز الوطني للمعلومات المالية بدلاً من وحدة التحريات المالية، في إطار اهتمام وحرص السلطنة على رفع مستوى فاعلية الإجراءات المتخذة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. واستناداً لهذا القانون فان المركز الوطني للمعلومات المالية يسعى من خلال الخطة الإستراتيجية (2016-2020) إلى التركيز على بناء القدرات ورفع المستوى المهني للعاملين في مجالي مكافحة جريمة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، عن طريق التدريب الفعال وتبادل الخبرات وتقديم الإرشادات والتوعية اللازمة للمؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية والجمعيات والهيئات غير الهادفة للربح، وذلك بالتعاون والتنسيق مع الجهات الرقابية، والجهات المختصة .
ويلاحظ من خلال التقرير الأخير للمركز أن عدد الفعاليات والأنشطة والبرامج التي قام بها المركز في ازدياد مطرد، وذلك في إطار الفاعلية الوطنية للمكافحة، كما أن عدد الإخطارات الواردة للمركز عن المعاملات المشبوهة قد ارتفع عن العام السابق بنسبة 118%.
وكانت القضايا المالية المشبوه تسند في السابق لوحدة التحريات المالية بشرطة عمان السلطانية بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (79/‏‏2010) بتاريخ 28/‏‏6/‏‏2010م. وقد نصت المادة (6) من القانون إنشاء وحدة مستقلة تسمى وحدة التحريات المالية تخضع لإشراف مساعد المفتش العام للشرطة والجمارك، بحيث تتلقى البلاغات والمعلومات من المؤسسات المعنية، والقيام بأعمال التحليل والتحري لما يرد إليها من بلاغات ومعلومات في شأن المعاملات المنصوص عليها في القانون المشار إليه، بالإضافة إلى طلب أية معلومات أو بيانات أو مستندات من الجهات المبلغة والجهات المختصة. كما تقوم بإبلاغ الادعاء العام بما يسفر عنه التحليل والتحري عند قيام دلائل على ارتكاب أي من جريمتي غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو أية جريمة أخرى. وتطلب من الادعاء العام اتخاذ الإجراءات التحفظية في شأن الجرائم المنصوص عليها في القانون وذلك وفقاً للأحكام المقررة في قانون الإجراءات الجزائية. كما أن حالة الاشتباه بأية جريمة منصوص عليها في هذا القانون فإن الأمر يستدعي بوقف تنفيذ المعاملة لمدة لا تزيد على (48) ثمان وأربعين ساعة ، ويجوز للادعاء بناء على طلب الوحدة الأمر بتمديدها لمدة لا تتجاوز (10) عشرة أيام إذا تكشفت أدلة ترجح أن المعاملة يشتبه بمخالفتها لأحكام القانون. كما تقوم الجهة المعنية بتزويد الجهات المبلغة وجهات الرقابة المختصة بنتائج التحليل والتحري في البلاغات التي تلقتها الوحدة وذلك وفقاً للضوابط والإجراءات التي تحددها اللائحة، بجانب قيامها بإصدار التعليمات والإرشادات الضرورية للمؤسسات المالية والمهن غير المالية والجمعيات والهيئات غير الهادفة للربح في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومن مهام الوحدة متابعة تنفيذ متطلبات مراقبة النقل المادي عبر الحدود للعملة والأدوات المالية القابلة للتداول لحاملها والاطلاع على استمارة الإفصاح عن النقد والأدوات المالية بالتنسيق مع الإدارة العامة للجمارك، بالإضافة إلى إعداد ونشر تقارير دورية عن أنشطة المركز تتضمن الإحصائيات والتطبيقات والاتجاهات العامة والأساليب التي يتم من خلالها غسل الأموال أو تمويل الإرهاب ، مع اقتراح الآليات المناسبة لمكافحتها، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية لما يتوفر لديها من بلاغات ومعلومات ، وأن تضع الوسائل الكفيلة بإتاحتها للسلطات القضائية. وإضافة إلى تلك المهام التي يقوم بها المركز فهناك تبادل للمعلومات والتنسيق مع الجهات المختصة في السلطنة وغيرها من الجهات في الدول الأجنبية والمنظمات الدولية طبقاً لأحكام الاتفاقيات الدولية أو الثنائية التي تكون السلطنة طرفاً فيها، أو تطبيقاً لمبدأ المعاملة بالمثل على أن تستعمل المعلومات لأغراض مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يقوم المركز بإعداد تقرير سنوي عن أنشطته في مجال مكافحة جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب يتضمن كافة ما قام به من أعمال بشأن البلاغات الواردة إليه، ومقترحاته في شأن تفعيل نظم المكافحة، بالإضافة إلى وضع برامج تدريبية متخصصة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب .
فهذه الأنشطة المالية المشبوهة في حال نجاحها بالدخول إلى القنوات النظيفة، فإنها سوف تشكّل أحد التحديات الكبيرة التي ستواجهها الاقتصادات المحلية في وجود تنافس كبير مع المؤسسات التجارية والاستثمارية الجادة، حيث إن الأموال المهربة والقذرة لا تعطي الفرصة المساوية للأعمال التجارية أن تنمو بصورة طبيعية ومرنة وتدريجية، وتؤدي إلى نفور الاستثمارات المحلية والخارجية في ظل التلاعب من قبل المؤسسات المشبوهة. وفي هذا الشأن، يؤكد المسؤولون في الغرفة بأن مثل هذه الندوات تشكّل أهمية خاصة للقطاع الخاص عموما، والقطاع المالي والمصرفي بدرجة خاصة، ولها آثار إيجابية لحماية الشركات والمؤسسات من الممارسات المشبوهة التي هي في جميع الأحوال ضارة ومعطلة للتنمية الشاملة التي تشهدها الدولة.
اليوم فإن المركز الوطني للمعلومات المالية لا يقتصر دوره في تلقي البلاغات والمعلومات من المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية والجمعيات والهيئات غير الهادفة للربح وغيرها وإنما تقوم بمتابعة وتنفيذ متطلبات مراقبة النقل المادي عبر الحدود سواء للعملات المحلية والأجنبية، بالإضافة إلى متابعة الجرائم الأصلية الناجمة من تجارة الأسلحة، والإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، والقرصنة البحرية والرشوة والفساد وغيرها.
وأخيرا نشير إلى أن قيمة التحويلات المالية للعاملين من السلطنة إلى العالم الخارجي بلغت في عام 2016 نحو 3.952 مليار ريال عماني (10.2 مليار دولار أمريكي)، وهو مبلغ ضخم يتم تحويله سنويا من البلاد دون أن نعرف إن كان هذا المبلغ نظيفا أو يشمل الأموال القذرة التي تم جمعها من قبل هؤلاء الوافدين من مهن وضيعة ومخلة بالقوانين، وهذا ما يجب متابعته وذكره في التقرير السنوي أيضا.