من أزمة إلى أزمة.. تحولات دول الحزام العربي الشمالي

د.صلاح ابونار –

جاء إعلان مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراقي، ان الاستفتاء الكردي على استقلال كردستان عن العراق، سوف يجري في موعده المقرر في 25 الجاري، ليمنحنا مؤشرا جديدا على عمق الأزمة التي باتت الدولة العربية تواجهها.
ومن الأدق ان ننسب الأزمة، إلى قطاع من دول الحزام العربي الشمالي وليس إلى الدولة العربية عامة، أي إلى قطاع من تلك الدول العربية التي درج الاصطلاح السياسي على دعوتها : الدولة العربية الراديكالية.
ماذا يعني هذا الاصطلاح؟ يعني دولة ما بعد الاستقلال التي انطلقت مسيرتها من مصر 1952، وبعد معركة السويس 1956 توسعت شرقا صوب سوريا والعراق، وفي الستينات توسعت غربا صوب الجزائر ثم ليبيا. ولكن ثقلها السياسي وشكلها الأكثر نقاء ظل في الشمال العربي، رغم توسعها جنوبا في الستينات صوب اليمن ومن بعدها السودان.
ولدت تلك الدول وتحددت مسارات تطورها، عبر تفاعل ثلاثة سياقات. سياق حركات التحرر الوطني ومآلاتها واخفاقاتها، وسياق الحرب الباردة بامتدادته الدولية والإقليمية، وسياق الصراع العربي الإسرائيلي وحروبه المتوالية.
وكان العسكريون هم طليعتها المؤسسة، والنواة الحقيقية والصلبة التي أدارتها، ومن حولهم تكونت نخب مدنية. واستوحت تلك الدول هياكلها التنظيمية، ومساحة من لغتها السياسية من دول المعسكر الشرقي المندثر، واعتمدت مسارا للتنمية الاقتصادية مستوحى من نفس المصدر. وفي سياساتها الداخلية، صادرت المواطنة السياسية لصالح المواطنة الاجتماعية، والمشاركة السياسية لصالح الاصطفاف السياسي، والتمايزات الاجتماعية لصالح الكل الوطني الاجتماعي، والمشروع الخاص لصالح المشروع العام. وفي قلب المنظومة الموجهة لسياساتها الخارجية، سنجد مفاهيم وقيم القومية العربية والقضية الفلسطينية والتحرر الوطني، عبر مزيج متفاوت من الإيمان الحقيقي والنفعية السياسية والتوظيف الدعائي.
ومن الصعب وضعها على خط بياني واحد. فلقد تفاوتت وفقا لدرجات جذرية وأصالة التوجهات، ووفقا لقدرات وتمكن القائمين عليها. كما تفاوتت في مسارها داخل الحالة الواحدة، وفقا لمسار الصراعات بين القوى المسيطرة على الدولة، ووفقا لمسار ونتائج أزمات الموارد وتوزيعها والصراع عليها، والاهم وفقا لمسار تناقضاتها وصراعاتها الخارجية وتدفقات النظامين الإقليمي والدولي.
انطلقت مسيرة تلك الدول الصاعدة من تفاعلات أزمة السويس1956. ولكن عصرها الذهبي كان قصيرا إذ جاءت هزيمة 1967 الصاعقة وتداعياتها لتطلق مسيرة تدهور متواصل كانت أصول ومقدمات عوامله البنيوية الداخلية موجودة داخلها. حتى إذا دخلنا سنوات العقد السابق على انتفاضات 2011، سنجد اثنتين منهما: هما العراق والسودان، في عضوية ما اطلق عليه «الدول الفاشلة» أو على الأقل قريبة منها . ثم جاءت موجات 2011، لتلحق بهما سوريا وليبيا واليمن، وتمنح العراق موقعا خاصا.
تعرف « الدولة الفاشلة» عبر رصد فشلها في أداء وظائفها التقليدية والأساسية.
الوظيفة الأمنية : حماية حدود الدولة ضد الخارج، والحفاظ على وحدة إقليمها ضد النزعات الانفصالية، وفرض النظام العام عبر الاحتكار الشرعي لأدوات العنف، ونزع سلاح القوى الأهلية داخل الدولة.
والوظيفة الاجتماعية في أساسياتها: تأمين وجود وعمل خدمات المرافق الأساسية، مثل شبكات الطرق والكهرباء والمياه والصرف الصحي والمراكز الصحية والمدارس.
والوظيفة المؤسسية: أي الوجود الفعال والمنتظم لمؤسسات الدولة الأساسية: الجيش والأمن والأجهزة المركزية.
كيف يمكن فهم طبيعة الأزمة التي نشبت واستشرت داخل تلك الدول؟ أمامنا مساران للتحليل: مسار التناقضات والأزمات الهيكلية التي تخللت بنية هذه الدول، ومسار العمليات السياسية التي انطلقت داخلها أعقاب انتفاضات 2011.
كان المسار الأول مقدمة ضرورية لفشل الدولة، إلا انه لم يكن في حد ذاته قادرا على توليد هذا الفشل في اكتماله السياسي. إذ كانت التناقضات والأزمات الهيكلية في حاجة إلى أزمة سياسية عامة، تقود إلى اختلال جذري في التوازن بين الدولة والقوى الاجتماعية، وانحسار واسع وسريع لقدرة الدولة على القمع السياسي . وعبر توسط تلك النتائج انطلق تأثير الأزمات البنيوية، عبر تفاعلها مع السياقات السياسية الخاصة والعامة الفاعلة في مسار الأزمة السياسية.
تجلت تلك الأزمة السياسية العامة عبر ثلاثة أشكال. الحروب الأهلية الممتدة(السودان)، والحروب الخارجية الممتدة(العراق)، والانتفاضات الجماهيرية الواسعة ( ليبيا واليمن وسوريا).
ماهي أبعاد ما دعوناه التناقضات والأزمات الهيكلية؟ تتعدد تلك التناقضات والأزمات، وما يهمنا الأساسي والعام منها، وفي هذا الصدد سنرصد تناقضين.
يتمثل الأول في التناقض بين سلطة الدولة والنخب المسيطرة عليها والتعددية العرقية داخل مجتمعاتها. اتخذت تلك التعددية عدة أشكال:تعددية بني الروابط الأولية العامة، وتعددية المذاهب والتعددية السلالية – اللغوية، والتعددية الجهوية. ولقد كان هذا التعدد حصيلة ثلاثة مواريث تاريخية.
أولهم ميراث المجتمع التقليدي، المنظم على قاعدة التمايز عبر الروابط الأولية والانتماءات المذهبية والسلالية. مجتمع عرفته كل الحضارات عند مرحلة من تطورها، واخذ في التراجع أمام تقدم المجتمع الحديث القائم على قاعدة التجانس، عبر آليات: الجماعة القومية والثقافة المشتركة والتنظيم الجماعي الحر للمجال المدني العام.
وثانيهم ميراث التعددية الدينية في ظل الحضارة الإسلامية، القائم على التعايش السلمي المقرون بنوع من إدارة الأقليات الدينية لمساحة من علاقاتها وتنظيماتها الجماعية، وهو نفس النظام الذي قننته السلطة العثمانية باسم نظام الملل.
وثالثهم ميراث التقسيم الاستعماري للمنطقة العربية، الذي رسم حدود الدول العربية كامتداد للتشكيلات السياسية العربية السابقة بتراتبياتها، ولكن مع تعديلات في المساحة والحدود تحددت وفقا لعوامل جيو- سياسية وتوازنات السيطرة الاستعمارية.
ولم تكن المشكلة غائبة عن وعي النخب الحاكمة الجديدة. وهكذا سعت للسيطرة عليها عبر السياسات الإدماجية. إدماج اجتماعي عبر سياسات المواطنة الاجتماعية مثل الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم العام، وإدماج اقتصادي عبر التنمية وتطوير البني الأساسية وإعادة توزيع الدخل والتوظيف العام، وإدماج ثقافي عبر الاحتكار الإعلامي وتوظيف الأيديولوجيا القومية.
إلا ان ذات النخب أطلقت سياسات أخرى، كان من شأنها تنشيط الدماء في شرايين تلك التناقضات.
من جهة أولى صادرت المواطنة السياسية، أي المجال السياسي العام بما يرتبط به من ثقافة سياسية ووسائط تنظيمية . وقاد ذلك إلى انكفاء قطاعات واسعة على روابطهم الأولية وتوغلهم في عالمها. فهناك سيجدون مجالا شرعيا للتنظيم الجماعي لمصالحهم، وقيادات طبيعية قادرة على مخاطبة الدولة، ونسق خاص من الرموز الثقافية قادر على موازنة النسق العام الهابط من الدولة.
ومن جهة ثانية شهدت بنى تلك النخب ومؤسساتها المركزية، نوعا من انتقال منطق الروابط الأولية والجهوية والانتماءات المذهبية، ليصبح جزءا من منطق تكوينها الذاتي. وصف غسان سلامه تلك العملية بمصطلح« تريف السلطة» في سياق تحليله للدولة العراقية. وهذه العملية شهدتها أيضا الدولتان السورية والليبية، عبر أشكال ودرجات مختلفة. جرت تلك العملية مع توالي أزمات النخب العسكرية، والتغير في مصادر تكونها الاجتماعي، والتضخم الحضري للمدن الكبرى عبر التدفقات الريفية، وانحسار سلطة النخب المدنية ومعها التقاليد الليبرالية.
وسوف نجد التناقض الثاني بين تضخم قوة الدولة وانكماش قوة المجتمع. انطلق هذا التضخم أساسا من النمو الهائل للوظيفة التنموية للدولة .غير ان هذا الوجه الحميد رافقته أوجه غير حميدة، أهمها تضخم قوة الأجهزة الأمنية، وضعف النضج المؤسسي، وتسيد الدولة للمجال العام. وكان الوجه الآخر لهذا التضخم هو انكماش قوة المجتمع. غير ان هذا الانكماش جرى عبر سياقات جعلت منه انكماشا محملا بمخاطر ضخمة.
فلقد تحقق في سياق تضخم حضري هائل، بمقتضاه تركزت كتل هائلة من مهاجري الأرياف والمدن الصغرى في عواصم ومدن كبرى. كتل يغلب عليها الذكور والشباب، يقطنون مدنا تغمرها البطالة، وتعاني استنزافا لمواردها ومرافقها، وهناك اصبحوا قوة جاهزة للانفجار.
كما جرى في سياق انحسار جذري لسطوة وشرعية الأيديولوجيات القومية للنظم الحاكمة. وهكذا اضحى عالم السياسة القومية مفرغا من المعاني الصلبة، فتقدمت المعاني الدينية لتشغل الفراغ.
وفي النهاية جرى هذا في سياق من العنف السياسي. فمع تصاعد أزمات تلك الدول لم يكن أمامها سوى التسلح، العنف المادي والمعنوي. وكنتيجة لعجز المجتمع عن مواجهة العنف، أخذت قطاعات في اختزان الغضب، ليتراكم في انتظار لحظته المواتية. والغضب المختزن طاقة تمرد سياسي مختزنة، وأيضا طاقة عنف جماعي مختزنة. وما سيحدد وجهته هو سياق المواجهة الذي سينفجر فيها، عبر تفاعله مع طبيعة القوى السياسية الضالعة في المواجهة. ونحن لا نستطيع تفسير، العنف الذي انزلقت إليه بعض القوى السياسية الأهلية في سوريا وليبيا واليمن، إلا بوضع هذا العامل في جملة العوامل المفسرة.
ها نحن نصل للمسار الثاني للتحليل. إذا نظرنا إلى العمليات السياسية، التي أدخلت تلك الدول إلى فئات الدول الفاشلة، أو الوقوف بالقرب منها، سنلاحظ بسهولة دور تلك التناقضات. غير أنها لم تكن كافية في حد ذاتها لكي تدفع بها إلى تلك الهوة السياسية، فهناك عوامل اخرى كان لها دورها الأساسي.
منها ما يتصل بتأثير الانتصار السلمي في الخبرتين التونسية والمصرية، الذي وجه النظامين السوري والليبي صوب العنف المفرط بتداعياته . ومنها ما يتعلق بالانقسامات الحادة داخل القوى الأهلية، والتي قلصت قدرتها على الإدارة العقلانية للصراع، وبناء التحالفات الضرورية، وتبني استراتيجيات الانتقال الناجحة، وتحديد المسافة الصحيحة من تدفقات القوى الخارجية. ومنها ما يتعلق بكثافة وعنف واتساق تدخلات القوى الإقليمية والدولية.