اقتصاد حرب يبحث عن عدو بديل

عاطف‏ ‏الغمري –

شغلت النخبة صانعة الفكر السياسي في أمريكا منذ عام 1991، إثر تفكك الاتحاد السوفييتي، بمناقشات محورها «البحث عن عدو بديل للعدو السوفيتي السابق».
.. والسؤال: هل تحتاج أي دولة لعدو، بينما العكس هو الصحيح منطقيا؟.. ولماذا تحتاج دولة إلى عداوات ليس لها مبرر وطني، حسب المنطق؟.
في هذا الوقت – ومن خلال متابعتي لما كان يدور من مناقشات في الولايات المتحدة – لاحظت أن اسم الصين كان أول ما طرح كعدو بديل، لكنه استبعد، ثم طرح بعده وبقوة تعبير «العدو المسلم». في محاولة لربطه بظهور تنظيم القاعدة، وما أصبحت ترمز إليه من نزوع إلى الإرهاب، ونشره في العالم، باسم الدين الإسلامي. لكن هذه الدعوة لم تلق نجاحا، ولعل الرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون، قد وقف بقوه ضد هذا التفكير، وقال صراحة: إن الإرهاب لا يرتبط بأي دين، فهو يمكن أن يقوم به مسلمون، أو مسيحيون، أو يهود. وبالتالي لا يمكن تصنيف الإرهاب بأنه إسلامي.
لكن الإلحاح على البحث عن عدو بديل ظل قائما.
وإذا رجعنا إلى مصادر لها ثقلها في الولايات المتحدة، سعت إلى إظهار ما وراء هذه الدعوة، سنجد منها كتاب «قوة النخبة»، الذي أثار جدلا واسع النطاق بين مختلف شرائح وطبقات المجتمع. ولم تزل آثاره ووجوده في أمريكا للآن.
الكتاب تأليف عالم الاجتماع الأمريكي الشهير ريتشارد رايت ميلز، والذي نبه فيه إلى التداخل بين مصالح ثلاث قوى تتربع على قمة المجتمع والحكومة، أبرزها قيادات المؤسسة العسكرية، والمؤسستان الاقتصادية والسياسية.
وهذا التداخل بين هذه المؤسسات يضع العمل العسكري، أي الحروب، على قمة أولويات المؤسستين الأخريين، وهو ما جعل بعض المفكرين يقولون أن الاقتصاد الأمريكي هو «اقتصاد حرب».
واقتصاد الحرب صار مصطلحا يعبر عن احتياج المؤسسة العسكرية، لمعارك وحروب، تحافظ على ازدهار صناعة السلاح. والذي يلقي بنتائجه على الجانب المدني من الاقتصاد والمرتبط به، في إطار شبكات إنتاجية مرتبطة بشكل ما ببعضها.
وضمن الدراسات التي تناولت الحرب العالمية الثانية، قيل إن تحول اقتصاد أمريكا إلى اقتصاد حرب، كان قد بدأ مع بداية الحرب العالمية الثانية، كذلك ارتبط تضخم الإنتاج العسكري، بتعزيز النفوذ السياسي للولايات المتحدة في مناطق العالم المختلفة.
ارتبطت سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة بهذا المفهوم، بتطبيق إجراءات، الهدف منها خلق مناطق توتر، واشتباكات مسلحة، وحروب محلية، وإقليمية، استخدمت أساليب الفوضى الخلاقة، وتغيير الأنظمة، وهي سياسات اعترف الرئيس ترامب بوجودها، وإعلان رفضه لها.
ثم إن صناعات السلاح في أمريكا، والتي تعتبر الأولى في العالم، يقوم نشاطها على خطوط إنتاج طويلة الأجل، يمكن أن يؤدي توقفها دون استكمال برامج الإنتاج، إلى ركود، وكساد، لا بد وأن يلقى نتائجه على قطاعات الاقتصاد المدني.
وكان الرئيس ايزنهاور قد حذر الأمريكيين في نهاية حكمه من تحالف المؤسسة الصناعية – العسكرية والتي أسماها The military Industrial Complex وهى عبارة عن علاقة تحالف بين صناعات السلاح ووزارة الدفاع. وهو تحالف يقوم على مفاهيم الحرب بلا نهاية.
كثير من الرؤساء كانوا ملتزمين بهذه الحقيقة ويلاحظ في عهد جورج بوش بالذات، أن إستراتيجيته للسياسة الخارجية، أعطت أسبقية لاستخدام القوة العسكرية، قبل الدبلوماسية، وهو ما وصف وقتها بعسكرة السياسة الخارجية.
من ثم كان استخدام المنظمات الإرهابية في تنفيذ سياسات الفوضى، والحروب الداخلية ضد الدولة، أو ضد دول باعتبار أن هذه المنظمات كانت عابرة للحدود الإقليمية. وذلك بهدف خلق بيئة الحرب المستمرة.
ومع تطور مفهوم حروب المواجهات المسلحة بين الجيوش، إلى مفهوم حرب الجيل الرابع، وهو ما أفصحت عنه مصادر أمريكية في عام 1989، فقد تبين حسب دراسات صدرت في أمريكا منها Fourth Generation War أن حرب الجيل الرابع تعتمد على عملاء من داخل دول المنطقة وهي دول إسلامية، يستهدفون مجتمعاتهم، بعمليات في خلفية الدولة، أي خارج المدن، أو في داخلها.
هذه رؤية مستخلصة من وقائع موثقة، أمريكية، ربما تحمل إجابة على السؤال، لماذا كان الإلحاح على إيجاد عدو، بديل عن العدو السوفييتي السابق.