من معايير التزكية للمناصب القيادية

د. راشد بن علي البلوشي –
أستاذ اللغويات المساعد –
جامعة السلطان قابوس –

كثيرة هي المعايير المتبعة في تزكية وتعيين الموظفين للمناصب القيادية في المؤسسات المختلفة، منها المعرفة بمهام الوظيفة والدراية بآليات العمل وبالقوانين ذات الصلة، وكذلك القدرة على التعامل مع الموظفين وتحفيزهم والإلمام بمهارات التواصل وأخلاقيات العمل، وغير ذلك مما لا يتسع المجال لذكره.
ولكننا أحيانا ما نتجاهل أحد أهم هذه المعايير، وهو ضرورة أن يكون الموظف المراد تزكيته للمنصب القيادي ذا فكر قيادي تجديدي غير تقليدي، يمتلك من الإبداع في أساليب الإدارة ما يمكّنه من الإتيان بأفكار جديدة وأساليب مطوِرة للأداء الإداري، ومن الابتكار ما يمكّنه من الإدارة بطريقة غير تقليدية (بمعنى أنه لن يقوم بتقليد من سبقه في ذلك المنصب)، ولديه من المهارات ما يمكّنه من القيادة بطريقة جديدة تعود بالنفع على المواطنين (أو الزبائن عموماً) وبالنفع والإلهام على بقية الموظفين، ومن القدرات ما يمكّنه من التعامل مع التحديات والمستجدات بدون اللجوء إلى الوسائل القديمة العقيمة. وطبعا هذا يستلزم ،أولاً أن يكون لدى الموظف المُزكَى للوظيفة القيادية إيمان عميق بأن الإبداع والابتكار والتجديد ليست فروض كفاية يقوم بها الأكاديميون (وطلبة العلم والفنيون)، وإنما هي فروض عين على كل من ائتمن على شأن من الشؤون العامة (بغض النظر عن درجته الوظيفية)، وثانياً أن يكون متسلحاً بمهارات التحليل والتفكير الناقد وحل المشكلات.
و بتعبير آخر ، فإن مَن يستحق التزكية للمنصب القيادي لا بد له من أن يكون قادراً ليس فقط على أن يقود العاملين معه إلى تحقيق الأهداف (في ظل ظروف طبيعية ليس فيها تحديات تحد من قدرته على الإبداع)، وإنما يجب أن يكون قادراً على تحقيق كل ما استطاع إليه سبيلاً من المكتسبات والإنجازات الجديدة التي تعكس قدرته على التعامل مع القضايا والمشكلات. (لا نقول بأن تسيير شؤون العمل بالطريقة الصحيحة ليس مهماً أو ضرورياً ، ولكننا نقول بأنه ليس كافياً إذا كان من الممكن إضافة إنجازات أخرى لعملية الإدارة). وهنا يتجلى الفكر القيادي التجديدي في أن هذا الموظف لم يقم بتقليد مَن سبقه في إدارة تلك المؤسسة (بعقيدة «مشي حالك!» العقيمة) بل إنه اتخذ مما أنجزه سلفه في المنصب نقطة بداية لتحقيق المزيد من الإنجازات عن طريق تبني منهج «الإبداع في الإدارة»، من ذلك ما يتعلق بتسهيل إجراءات العمل (قدر المستطاع) أو بالقيام بها بطريقة أقل جهداً أو بإلغاء ما ليس ضرورياً منها أو بالتغاضي عن تطبيق بعض الإجراءات أو الأمور البسيطة (إن لم يكن في ذلك خطر على سير عملية الإدارة بسلامة ومصداقية) إذا كانت المكاسب للمؤسسة وموظفيها والمواطنين كبيرة أو بتقليل التكلفة أو بغيرها من الوسائل التي تؤدي إلى تقليل الجهد أو المال حتى يستطيع المرؤوسون تأدية مهامهم وكذلك التفكير في أساليب جديدة لتنفيذ هذه المهام مما يساعدهم على تطوير أساليبهم في العمل وبالتالي تكوين فكر تجديدي تتراكم فيه الخبرات، فتكون النتيجة الطبيعية لقيادة مبدعة مرؤوسين مبدعين كل في موقعه.
وباختصار ، فإن مَن يجب أن يحصل على التزكية للمنصب القيادي هو مَن يمتلك رؤية جديدة في تسيير أمور العمل في المؤسسة المعنية (من خلال ما تَوفر من إمكانيات وموارد) أو مَن قد استثمر ما يكفي من الوقت والجهد والتفكير في الوصول إلى برنامج طموح يقود من خلاله المؤسسة بطريقة تقلل الخسائر وتزيد المنافع (لا أجندة تخدم مصالح شخصية أو تخص جماعة أو طرفا بعينه وإنما تخدم الوطن بجميع مكوناته). ومن أهم الأسس التي تسهّل الحكم على المرشحين لشغل منصب قيادي هو ما إذا كان لديهم رصيد من الأفكار التطويرية والإنجازات التجديدية خلال فترة خدمتهم في وظائفهم السابقة. فمثلاً، ليس من المنطقي تزكية شخص لشغل منصب «مدير عام» إذا لم يستطع الإتيان بفكرة جديدة أو بأسلوب إبداعي في الإدارة أو بحل لمشكلة تتطلب أموراً فوق التطبيق البحت أو الضيق للقوانين عندما كان «مدير دائرة» أو «رئيس قسم». بمعنى أن التزكية للمنصب القيادي تكون مِن حق مَن اعتبر تسيير أمور العمل واجباً وليس إنجازاً إضافياً. وبتعبير آخر فإن التجديد والإبداع والتطوير وغيرها من الإنجازات الإضافية هي ما يميز المجددين عن المقلدين الذين لا يستغلون مواهبهم ومهاراتهم في الارتقاء بالعمل الإداري وتطويره. وقبل الانتقال من هذه النقطة نود التنبيه إلى أن ما ندعو إليه ليس الإدارة القيادية التي يتمرد فيها المسؤول على المسؤولين الأعلى منه رتبة، أو ينقلب فيها على الأنظمة والقوانين المسيِرة للعمل، أو يتجاهل فيها آليات العمل في المؤسسة المعنية، ولكننا باختصار ندعو إلى إدارة واعية تتفاعل مع المسؤولين الأعلى رتبة والموظفين المرؤوسين وآليات العمل والقوانين ذات الصلة بأسلوب تُحلل فيه الأمور والقضايا والمشكلات إلى تفاصيلها بطريقة نقدية لإسهامات كل مكونات العملية الإدارية (المسؤولين الأكبر والموظفين وآليات العمل والقوانين المختصة) في تسيير العمل، وكذلك بطريقة نقدية للقضايا والمشكلات الموجودة بهدف الوصول إلى حلول وقرارات مستنيرة تراعي المواطنين والموظفين، حتى وإن استدعى ذلك التغاضي عن بعض الإجراءات، بدلاً من أخذ الحلول من الصندوق الجاهز (ذي الحلول القديمة) الذي تركه من شغلوا ذلك المنصب من قبل (مع أهمية التعلم من خبراتهم وأخطائهم).
ولكن للأسف، ما نراه في كثير من بلداننا هو أقرب إلى العكس. بمعنى أننا غالباً ما نزكي من لا يمتلك الفكر التجديدي والقيادي بدعوى أن المجددين الذين يفكرون قبل أن ينفذوا يمكن أن «يبهدلوا الدنيا» أو أنهم سيتمردون على مَن زكاهم أو أن نجمهم سيسطع قبل نجمه. ولهذه الأسباب وغيرها نسعى لتزكية من سيقوم بالعمل بنفس الطريقة القديمة التي لا تمت للإبداع بصلة ولا ترغب في تحقيق الإنجازات الممكنة ولا تهتم لمعالجة المشكلات بطرق جديدة، وأساليب واعية لما يمكن توفيره أو إنجازه عند القيام بمهام العمل. وعندما يتم تعيين هؤلاء المسؤولين غير القياديين في المناصب القيادية فإنهم يقومون بمطالبة موظفيهم بالإبداع والابتكاراللذَيْن لا يحسنونهما هم. وهنا يقدِم المُزكِي (وهو المستشار والمؤتمن، بنص الحديث الشريف) مصلحته (أو مصلحة من يسيّره) على مصلحة الوطن فيرغب أن يكون الموظف الذي يزكيه ظلا له في تلك المؤسسة فيقود بفكره هو وينفذ أجندة لا تتعارض مع مصالحه ولا ينتج عنها ما يسيء له أو يقلل من شأنه أو يوجد بديلاً له. ولذلك فإنه يحلو للكثيرين منا تزكية مَن سوف يديرون أو يقودون بالطريقة المعهودة، وذلك لأن التغيير ربما يؤثر على مصالحنا أو يزيد من مهام وظائفنا الإشرافية. وطبعاً يهتم الذين نزكيهم بأن لا تتأثر مصالحنا أو تزيد واجباتنا حتى نزكيهم لمنصب أكبر في المستقبل. وبدلاً من استخدام مهاراتهم ومواهبهم في تسيير شؤون العمل بطريق واعية يقوم هؤلاء الحريصون على مصالح وراحة من زكاهم بكل عمل يمكن أن يكسبهم ثقة المسؤولين الأعلى منهم رتبة (كالتزلف والظهور في المناسبات الاجتماعية والتظاهر بالإتقان في العمل)، والذين يعتبر رضاهم من أهم معايير الحصول على الترقية القادمة أو التزكية للمنصب الأعلى.
وتكون إحدى نتائج هذا النهج غير السليم أن بعض المؤسسات تدار من خارجها من قِبَل مسؤولين ليست لهم دراية بتفاصيل وآليات العمل بالمؤسسة المعنية أو بخصوصية حالات الموظفين التابعين لها. ومن ثم نستغرب حقيقة أننا لسنا أمة منتجة إدارياً. والأدهى هو أن الفساد على الصعيد الإداري يتبعه فساد (أو ضياع للموارد) على الصعيد الأكاديمي في المؤسسات التعليمية والبحثية لأن معظم إداريي هذه المؤسسات حتى وإن كانوا أكاديميين أصلاً يتعاملون مع المؤسسات الأكاديمية على أنها وحدات إدارية أو مصالح حكومية أو شركات تجارية بدون مراعاة أن أسمى هدف للمؤسسة الأكاديمية هو أن تسير عمليتي التدريس والتعلم وكذلك العملية البحثية (بكافة مراحلها وتفاصيلها) بطريقة سليمة وفعالة بغض النظر عما إذا كانت جميع اللوائح والإجراءات متبعة حرفياً.
وبما أن النتيجة الطبيعية لقيادة مبدعة هي مؤسسة مبدعة فإن النتيجة الطبيعية لقيادة تقليدية هي في أفضل الحالات مؤسسة تقليدية وفي أسوأ الحالات مؤسسة عقيمة ترفض التطوير والتجديد. ناهيك عن الخسارة الناتجة عن تضييع الوقت (وهو الحياة) بالنسبة للموظفين والمواطنين وإهدار المال والجهد (وهما وقود الحياة) من خلال تسيير العمل بأساليب يمكن استبدالها بما هو أفضل وأكثر توفيراً. طبعا لا نتمنى أن تزيد الأمور سوءاً بتحول المؤسسة التقليدية إلى مؤسسة اكثر سوءا أو فاسدة أحيانا، ذلك أن مَن يرفض التغيير للأفضل غالباً ما يكون شخصاً مستفيداً بطريقة أو بأخرى من سير العمل بالطرق القديمة مثلاً كإعطاء مناقصات لشركات معينة لأن العادة جرت على ان تأخذ هذه الشركات المعينة هذه المناقصات أو لعلاقة بين هذه الشركات وبعض مسؤولي المؤسسة رغم وجود شركات أو عروض أفضل وذلك على سبيل المثال بالطبع .