طرد الجواسيس .. أمريكا تخسر أكثر من روسيا

نيكولاس شميدله –
ترجمة قاسم مكي –
نيويوركر –

في ديسمبر من العام الماضي التقى ضابطان من الاستخبارات الروسية في منطقة واشنطن العاصمة “بمصدر “ محتمل كانا يأملان في أن تتوافر لديه معلومات قيمة تتعلق بما يجري داخل البيت الأبيض في ظل إدارة أوباما. وفي أثناء اللقاء مع المصدر بحث الروسيان عما يمكن أن يقودهما إلى معرفة الخطوات التي قد تتخذها إدارة أوباما (في أيامها الأخيرة) لمعاقبة روسيا على تدخلها في انتخابات عام 2016. وبحسب أحد كبار المسؤولين الأمريكيين لم يكن الروس على علم بأن مصدرهم لم يكن في الواقع جاسوسا مزروعا في البيت الأبيض ولكنه  أحد عملاء الاستخبارات المضادة الأمريكية. لذلك لم تتسرب أي من الخيارات التي كانت تدرسها  إدارة أوباما إلى الروس. لقد تم إجهاض ذلك المسعى الاستخباراتي الروسي. لكن وفقا لذلك المسؤول، ثمة مشكلة أكبر من ذلك فهو يقول : يوجد في الولايات المتحدة الآن عدد من العملاء الروس المعلنين وغير المعلنين أكثر من أي وقت آخر خلال الأعوام الخمسة عشرة الماضية. يقول « إنهم هنا بأعداد كبيرة ويحاولون بهمة ونشاط  التغلغل في قطاعات عديدة في الحكومة والصناعة والمجال الأكاديمي.» يتولى مكتب التحقيقات الفيدرالية مسؤولية كشف وتعقب الجواسيس الأجانب على التراب الأمريكي. ولكن المسؤول الكبير المذكور يقول إن المكتب يواجه « مشكلة عددية. فمراقبة شخص واحد فقط وضمان عدم إفلاته من المراقبة يحتاج إلى عدد كبير من الأفراد.» وفي أثناء مداولات البيت الأبيض التي حاول الضابطان الروسيان وفشلا في الحصول على معلومات عنها طرح  جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية وقتها طرد أكبر عدد ممكن من ضباط الاستخبارات الروسية. وذكر لي المسؤول أن المسألة كانت بالنسبة لكومي «إدارة حالة» وأبلغني مشارك في تلك المداولات أن أحد أعضاء فريق الأمن القومي اقترح أيضا في لحظة ما معاقبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما طرح آخر فكرة تفويض وكالة الأمن القومي بتهكير حسابات البريد الإلكتروني الخاصة بالمسؤولين الروس بهدف تسريب معلومات مربكة وربما مثيرة للشبهات. وفي 29 ديسمبر أعلن البيت الأبيض طرد 35 دبلوماسيا روسيا بزعم ارتباطهم بمحاولة روسيا « التأثير على الانتخابات وإضعاف الثقة في المؤسسات الديمقراطية بالولايات المتحدة وبذر الشك حول نزاهة عمليتنا الانتخابية وتقويض الثقة في مؤسسات حكومة الولايات المتحدة.» ولم يكن المسؤول الكبير متأكدا من أن الضابطين المذكورين كانا من بين أولئك الذين تم طردهم. ولكن سواء حدث ذلك أم لا « فمن أعيدوا إلى بلدهم يشكلون جزءا ضئيلا من إجمالي عدد أولئك الذين كان من الممكن طردهم.» وفي حين أن طرد 35 روسيا خفف نوعا ما من الضغط على عملاء الاستخبارات المضادة بمكتب التحقيقات الفيدرالية إلا أن ردا مماثلا من موسكو (بطرد 35 ضابطا بوكالة السي آي أيه مثلا) كان من شأنه إيجاد مشكلة أخرى أعظم في روسيا. فإذا فعلت روسيا ذلك يقول المسؤول الأمريكي «سنكون حينها قد تعرضنا لضربة ساحقة. وسنفقد القدرات البسيطة التي نملكها هناك.» وفي وقت من الأوقات في أثناء مداولات إدارة أوباما أرسل جون تيفت، سفير الولايات المتحدة في روسيا، برقية إلى واشنطن يعبر فيها عن هذه المخاوف التي كان يشاطره فيها رئيس محطة السي آي ايه في موسكو، بحسب المشارك الذي كان طرفا في تلك المداولات. لقد طرحت سؤالا لستيف هول، وهو رئيس محطة سابق  بوكالة السي آي أيه في موسكو، حول عدم التوازن الظاهر بين القدرات الأمريكية في روسيا وقدرات روسيا في الولايات المتحدة. قال هول إنه لن يتحدث بالتحديد عن مكامن القوة والضعف في عملية جمع المعلومات الاستخبارية الأمريكية ولكنه أوضح أن « الروس يجعلون من الصعب جدا على ضباط الاستخبارات الأمريكيين العمل في روسيا وذلك على نحو يكاد يستحيل على مكتب التحقيقات الفيدرالية أن يفعله هنا.»  كان ضباط السي آي أيه في أثناء الحرب الباردة يحتاجون إلى القيام بجولات ملحمية تستغرق عدة ساعات حول موسكو قبل أن يتصلوا بأهدافهم كي يضمنوا عدم تعقبهم (من قبل الروس) .فهل الأجواء في موسكو الآن مقيدة للحركة كما في السابق؟ يقول هول « يمكن القول إن حجم الموارد والوقت والجهد المطلوب لإدارة عملية ناجحة داخل روسيا لم يتغير منذ أيام الحرب  الباردة » وفي الأثناء أشرف بوتين على توسيع نطاق العمليات الاستخبارية الروسية داخل الولايات المتحدة ، كما  يبدو . في مارس 2001 طردت إدارة بوش خمسين جاسوسا روسيا مزعوما بعد ما اكتشف مكتب التحقيقات الفيدرالية أن أحد عملائه ويدعى روبرت هانسين كان يتجسس لصالح موسكو. وبعد تسعة أعوام لاحقا  اعتقل المكتب عشرة ضباط استخبارات روس ( غير شرعيين) كانوا يعيشون في الولايات المتحدة  لأعوام  تحت غطاء شديد من السرية. كما صارت العمليات الإلكترونية الروسية أكثر تعقيدا باطراد حيث يتم شن هجمات «مُقعِدة» على بلدان مجاورة مثل استونيا وجورجيا وأوكرانيا. لقد اتضحت هذه القدرات الجديدة الواسعة النطاق وكذلك طموحات بوتين المتزايدة في أثناء  الانتخابات الأمريكية عام 2016 حسبما ورد في تقييم الاستخبارات الوطنية غير المصنف عن شهر يناير. يزعم هذا التقرير أن حملة «التدابير النشطة» الروسية ذات جوانب متعددة.  فقد كانت «مزيجا» من الأنشطة الإلكترونية وحملات التضليل الإعلامي العلنية. وكان بها أيضا مكوّن بشري قوي. فبعد أن أعلن أوباما عن قرار الطرد في 29 ديسمبر الماضي ، توقعت إدارته ردا مماثلا من موسكو. ولكن لم  يكن مسؤولو الإدارة على علم وقتها بأن مايكل فلين، مستشار الأمن القومي القادم لدونالد ترامب، كان يتصل بالسفير الروسي سيرجي كيسلياك كي يلمِّح له بأن إدارة ترامب ستراجع العقوبات حين يتولى ترامب الحكم. ففي اليوم التالي قال بوتين « لن نطرد أي أحد.» مثل هذه المبادرة التي تعبر عن حسن النية (من جانب بوتين) تبدو كأثر من الماضي البعيد. ففي الشهر الماضي وبعد أن صوَّت مجلسا النواب والشيوخ بأغلبية كبيرة جدا لصالح فرض جولة جديدة من العقوبات ضد روسيا وورد عن البيت الأبيض أن ترامب سيوقع مسودة العقوبات أعلن بوتين، ردا على ذلك، أن حكومته ستخفِّض عدد العاملين بالسفارة والقنصليات الأمريكية في روسيا بحوالي  755 موظفا. سيؤثر هذا الخفض أساسا على المواطنين الروس الذين يعملون في هذه المرافق كمترجمين وسائقين وأفراد اسناد. وليس واضحا حتى الآن كم عدد ضباط الاستخبارات الأمريكيين الذي سيُطلَب منهم  مغادرة روسيا. لكن الشيء الواضح هو أن الطرد المتبادل للجواسيس يلحق بواشطن ضررا أكبر بكثير من ذلك الذي يصيب به موسكو. يقول المسؤول الأمريكي الكبير « في الواقع  لدينا الكثير جدا الذي سنخسره قياسا بما سيخسرونه.»