عطر :المثقف العربي وأناه المنتفخة

رندة صادق –
مهما كان مقام الإنسان أو مستواه الاجتماعي أو جذوره وأصوله، أو أي من صفاته المعنوية والمادية ومهما كان رصيده في قلوب الناس أو في خزائن المال ،لا يعني شيئا ان لم تكتمل دائرة وعيه وفهمه للحقيقة ولعل أكثر الناس المرشحين لهذا الوعي من يطلق عليهم مجتمعهم اسم (المثقفين)، فمن هم هؤلاء المثقفون، وهل هم أمميون أم مناطقيون؟ هل هم منتمون الى ديانات أم الى أعراق وجنسيات؟ وهل تصنيف المثقف الغربي والمثقف العربي تصنيف يصف جوهر كلمة مثقف؟
مجموعة من التساؤلات التي تفرض نفسها أمام انتفاخ الأنا تحديدا عند المثقف العربي، نعم المثقف العربي صاحب الإشكالية الكبرى لأنه من وجهة نظري هو أساس تردينا الفكري.
هذه “الذات المنتفخة” لدى كثير من المثقّفين العَرب، يقابلها حجم التواضع الصادم الذي نراه عند المثقّفين الغَربيين أو حتى عند مثقفي الشرق الأقصى.
عند بحثي في أسباب انتفاخ “الأنا “عند “المثقف العربي” أدهشني أنه متكلم بارع يقص علينا قصصه الشخصية عن عظمة وعيه، ويستحضر لنا نماذج دمجها بحسب أهوائه وميوله الدينية والبيئية بعيدا عن الواقع الموضوعي، إذن المثقف العربي عنصري مغلف بالانفتاح وذلك لسبب أساسي يتعلق بالتعليم ،فالبيئة التعليمية في الوطن العربي هي الركيزة الأساسية في تضخّم “الأنا” واستفحالها عند المثقفين العرب، فبخلاف ثقافة التَلقين والحفظ عن ظهر قلب للمناهج التعليمية، والاختفاء التام لما يُسمّى بالتفكير النقدي في العملية التعليمية بالوطن العربي، فإن علاقة المدرس وتلميذه أو الأستاذ الجامعي وطلابه يشوبها العديد من الشوائب والعيوب حيث ما زال الأستاذ يصدق أن: من علمني حرفا صرت له عبدا. فالتعالي بالتعاطي مع الطلاب يخلق غطرسة منتفخة تحتكر المعرفة، مع العلم ان التلميذ اليوم يملك وسائل المعرفة المتصلة بالعولمة،وهذا الواقع نجده بكل مراحل التعليم الأساسي والثانوي والجامعي حيث تتجسد اكبر مصائبنا، فعلى سبيل المثال: في القائمة العالمية لأفضل الجامعات في العالم لا نجد اكثر من خمس أو ست جامعات عربية مصنفة كجامعات عالمية وهذا وحده كفيل أن يحبطنا ويرشدنا إلى حجمنا في العالم الأكبر، وبالطبع معظم حملة الدكتوراة المصنفين بهيئة التدريس هم كارثة الكوارث فهم لا يحملون من علمهم إلا لقب “الدكتور” فهؤلاء يمارسون غطرسة من نوع خاص،هم الصفوة بالنسبة الى طلابهم ما يقولونه قانونا وما يفعلونه سُنة،هذه العلاقة المشوهة بين أساتذة الجامعة وطلابهم من أهم أسباب انتفاخ الأنا، فهم الحاضنة التي تنمو فيها شخصية المثقف العربي الذي سيخرج على
هذه الأمة بادعاءاته وتورم الأنا السرطانية عنده. بالحصيلة سنجد أدمغة متلقية ببغائية لا تجيد البحث والتحليل والنقد،فالتعليم بات طريقة لها مريدونها، وليس عالما واسعا من المعرفة، من هنا يمكننا ان نجيب على سؤال المثقف الأممي بسؤال اتركه لعقولكم: أليس من الضروري ان يكون المثقف أمميا يرى العالم الأكبر ويقاربه الى عالمه الأصغر، ولا يكتفي بالنظر الى العالم من ثقب صغير في زاويته فيغرقنا بالجهل الأكبر؟
الحقيقة أنا لا أهاجم المثقف العربي، بل أرغب في تعرية قباحة دوره، ليخرج من المسميات التصنيفية ليدخل في نظرة أشمل تنزع عنه التصنيف، فيصبح المثقف الذي يملك القدرة في وعيه لذاته على احتضان معرفة لا يكتفي باكتسابها بل يجتهد لتنميتها ولا ترتبط ببيئته أو حدوده الجغرافية،بل تشمل وجوده الإنساني وهذا لا يلغي انتماءه بل يُوسع افق استيعابه لقانون الاختلاف الإنساني الثقافي، فنخرج من منطق المفاضلة ونستأصل انتفاخ الذات عند المثقف العربي لنردم الهوة فيما بيننا أولا ثم مع العالم الخارجي ويعيد تموضعه الإنساني لا النوعي.

randanw@hotmail.com