الشعبوية .. أسبابها وآثارها !!

دانييل دريزنر –
ترجمة قاسم مكي –
واشنطن بوست –
إحدى الشكاوى المعهودة من علم السياسة الأكاديمي أن علماءه سلحفائيون في التفاعل مع الظروف المتغيرة في العالم. فقد انقضى عامان بعد الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر قبل ظهور أول موجة من الأبحاث الجادة عن الإرهاب في دوريات العلوم السياسية. أما الآن، فتفصلنا 10 أعوام عن بداية أزمة الرهونات العقارية الرخيصة ولم يتم بعد إجراء أبحاث كافية في مجال الاقتصاد السياسي العالمي عن هذا الموضوع. بعض الظواهر مثل القومية الشعبوية ليست محسوسة كالهجوم الإرهابي أو الأزمة المالية. ولكن رغما عن ذلك نُظِّمَت ثلاثة مؤتمرات حول هذا الموضوع بالضبط في الشهر الماضي في ثلاث مدن خلال فترة استغرقت 10 أيام وكنت من بين حضورها. لم تكن هذه المؤتمرات متطابقة في المحاور التي تناولتها. فقد ركز بعض المشاركين على الاستقطاب، وآخرون على العولمة، وسواهم على السياسة الخارجية. ولكن ما كان لافتا اختلاف مشارب وتنوع اهتمامات علماء السياسة والباحثين الآخرين من الحاضرين. فقد شارك علماء العلاقات الدولية وخبراء علم السياسة المقارن ودارسو الشؤون الأمريكية والمنظرون السياسيون. كما تم تمثيل تخصصات أكاديمية أخرى بما في ذلك التاريخ والقانون بجانب واضعي سياسات سابقين. ولم تكن هذه الدرجة من التركيز المتعدد التخصصات على موضوع القومية الشعوبية شيئا عاديا. فمن الواضح أن رئاسة ترامب يمكنها، كما يبدو، شغل اهتمام العقل الأكاديمي. إذن ما (الجديد) الذي تعلمته أنا (من هذه المؤتمرات ؟) لا يزال هنالك الكثير الذي يمكن تعلمه. ولكن ثمة أشياء قليلة يمكن استخلاصها منها.
أولا، لقد بولغ في أثر العولمة على الشعبوية وسيظل الحال كذلك. بحسب معظم الأبحاث، لم تكن آثار العولمة على تأييد الناخبين للأحزاب الشعبوية كبيرة بالقدر الذي أفتى به الخبراء. لقد كان أولئك الذين عانوا من صدمات سلبية قصيرة الأجل في العالم المتقدم بسبب إلغاء الوظائف الذي نجم عن منافسة الواردات يؤيدون في الغالب الأحزاب الشعبوية. لكن هذا الأثر كان متواضعا وكانت الدوافع الأخرى التي تقف وراء الشعبوية أقوى منه بكثير. يتسق هذا الحكم، بالمناسبة، مع النتائج الأولية التي توصلت لها مجموعة دراسة الناخبين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016. وقد وجدت هذه المجموعة أن «آراء الناخبين عن التجارة الحرة لم يكن لها تأثير هام على استعدادهم للتخلي عن الأحزاب التي اعتادوا على التصويت لصالحها». ولكن الترويج لهذه الأطروحة سيستمر. لقد كان أهل الفكر الذين حضروا تلك المؤتمرات شديدي الارتياب من بيانات استطلاعات الرأي العام. ففي أعماقهم كانوا يؤمنون بأهمية العولمة الاقتصادية.
إلى ذلك، ستركز المزيد من الأبحاث في الغالب على العولمة بدلا عن الأسباب الأخرى لاعتبارات منهجية (تتعلق بطرائق البحث) ثمة أسباب كثيرة وراء الركود الاقتصادي للطبقة الوسطى. ولكن صدمة الصين تمثل حدثا خارجيا حقا بآلية تمييز واضحة. هذه طريقة طريفة للقول أن من السهل جدا استخدام انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية كآلية سببية بدلا عن استخدام عوامل أخرى قد لا تكون مستقلة حقا. وبالنسبة لعلماء السياسة فإن توظيف هذا الحدث لمعرفة كيفية استجابة المواطنين للعوامل الاقتصادية السلبية أسهل بكثير من لجوئهم إلى الأسباب التي يصعب عزلها مثل الأتمتة. وفي أثناء كتابة وتوزيع هذه الأوراق العلمية، تركز التغطية الصحفية على الصين والعولمة بدلا عن الأسباب الاقتصادية على نحو أعم.
ثانيا، لا يمكن التمييز التام بين المظالم الاقتصادية والسخط أو الحنق الناشئ عن أسباب ثقافية. ثمة اتجاه للنظر إلى المظالم الاقتصادية والقلق الثقافي كأسباب منفصلة. ولكن إحدى أفضل الأوراق التي شاهدتها في هذه المؤتمرات أشارت إلى أن الظروف الاقتصادية السلبية يمكنها أن تدفع الناخب نحو اتجاهات أكثر استبدادية تقود بدورها إلى احتدام القلق الثقافي. لقد كانت معظم الأبحاث التي أطلعت عليها حول هذين السببين تولى أهمية أكبر للحنق الثقافي. ولكن هذين العاملين أكثر تشابكا مما كنت أتصوَّر قبل شهر من كتابة هذا المقال.
ثالثا، حالة الولايات المتحدة استثنائية حقا. فعدم المساواة لا ينتج عنه دائما استقطاب سياسي ولكن من المرجح أكثر أن يحدث مثل هذا الاستقطاب في أنظمة الأغلبية البسيطة (الانتخابية.) وكما قال أحد علماء السياسة المرموقين فإن البناء السياسي الولايات المتحدة مهيأ بالضبط لذلك.» لهذا السبب نجد لدى الاستقطاب آثارا أكثر وضوحا في الولايات المتحدة. كما كان أثر اللامساواة غير متماثل (على الحزبين) فالجمهوريون اتجهوا أكثر نحو اليمين قياسا باتجاه الديمقراطيين نحو اليسار. سبب ذلك بسيط. فاحتمال تصويت الفقراء أقل بكثير في الولايات المتحدة. وفي البلدان التي تشهد مشاركة أكبر من الفقراء في الاقتراع فإن الأحزاب اليسارية الشعبوية هي التي تحقق تقدما سياسيا كرَدِّ فعل على تزايد اللامساواة.
رابعا، ستواجه الحوكمة العالمية أوقاتا صعبة في المستقبل. فالشعبويون يميلون إلى كراهية النخب والمصادر الموازية أو المقابلة للسلطة والتعديات على السيادة. إن الحوكمة تتقن إنتاج كل هذه الأشياء الثلاثة مما يجعلها هدفا سهلا للشعبويين حول العالم. إلى ذلك، عملت الولايات المتحدة كمرساة لتثبيت النظام العالمي الليبرالي الذي يشكل أساسا لمعظم هياكل الحوكمة العالمية. وبالنظر إلى أن الفرع التنفيذي للحكم في الولايات المتحدة يدار اليوم بواسطة مجموعة من أنصاف العارفين تحت قيادة قائد أعلى قليل الخبرة فذلك يعني أن الضامن الرئيسي لقواعد اللعبة العالمية صار غير موثوق إلى حد كبير.
• الكاتب أستاذ السياسة الدولية بمدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس