السيادة لها معنى حتى في العالم المعولم

روبرت تُومبْس –
ترجمة قاسم مكي –
الفاينانشال تايمز –
لقد سبق أن ألقوا بالسيادة الوطنية منذ فترة طويلة في مزبلة التاريخ، فجوزيف تشمبرلين، وزير المستعمرات البريطاني، كان قد وصف أيام زمانه في عام 1902 بأنها «أيام الإمبراطوريات العظيمة وليست أيام الدول الصغيرة»، ولكن اليوم ذهبت ريح كل واحدة من تلك الإمبراطوريات العظيمة وبقيت الدول الصغيرة، رغما عن ذلك لم تختف عقيدة تشمبرلين هذه، فبعض معاونيه الشبان من الإمبراطوريين واصلوا التبشير بالرسالة، وفي شيخوختهم ساندوا الفدرالية الأوروبية، لقد ساءت فكرة الدول الصغيرة كل أولئك الذين كانوا يفكرون من خلال العقلانية والنظام والنفوذ وليس الديمقراطية المنفلتة عن الضبط، ويشمل هؤلاء دبلوماسيين وإداريين واقتصاديين وأكاديميين من اليسار واليمين. وكانت السيادة قد حملت مسؤولية اندلاع الحرب العالمية، فالأنظمة فوق الوطنية، من جهة أخرى، تحافظ على السلم، ولكن الحقيقة مختلفة عن ذلك، فقد نشأت كلا الحربين العالميتين الأولى والثانية عن الديناميات (القوى المحركة) الداخلية للإمبراطوريات الاستبدادية، ولم تتسبب فيهما القومية الشعبوية، وكانت الحرب مكروهة بشدة حتى في رايخ هتلر (الدولة الوطنية الألمانية في عهد هتلر)، أما المحاولات اليوتوبية لإيجاد نظام عالمي فوق وطني (عابر للحدود الوطنية) فلم تثمر شيئا يذكر، ورغما عن ذلك، بقيت تلك الرؤية. فالمدافعون عن الاتحاد الأوروبي يصرون على القول إنه يحافظ على السلم وأن انهياره سيرتد بالقارة إلى الاضطرابات القومية التي شهدتها في ثلاثينيات القرن الماضي. الاتحاد الأوروبي في الحقيقة نتيجة وليس سببا لسلام أوجدته الدول الوطنية الديمقراطية التي سحقت ألمانيا النازية وأسست الناتو، لقد اصطدمت المشاريع الإمبراطورية والفدرالية كلها بالسيادة الوطنية والديموقراطية، اللتين هما وجهي لنفس العملة، لا شك أن تشمبرلين كان قد اعتقد بأن وضع الناس سيكون أفضل في نظام فوق وطني تديره نخبة ذات مبادئ أخلاقية قوية، ولكن حتى إذا كان مصيبا في ذلك فقد سقطت هذه الحجة منذ زمن بعيد في معظم أجزاء العالم. ربما أن الإمبراطورية البريطانية هي التي أوجدت « العالم الحديث»، ولكن رعايا هذه الإمبراطورية كانوا يتخلون عنها في أسرع وقت أمكنهم أن يفعلوا فيه ذلك. لقد تمثل الإنجاز السياسي اللافت للاتحاد الأوروبي في إقناعه معظم الأوروبيين، الذين كانوا في بعض الحالات قد حاربوا من أجل سيادتهم الوطنية، بأن هذه السيادة لم تعد ذات معنى وأنها لا أكثر من وهم، وأن من الممكن تحويلها إلى «سيادة مشتركة» ضمن الاتحاد الأوروبي، وأن محاولة ممارستها على أي نحو من الأنحاء ستنجم عنها مشاكل، في العام الماضي قرر شعب بريطانيا بأغلبية بسيطة الدخول في تلك المخاطرة، وبرزت أسئلة حول سيادته التي تم التأكيد عليها مجددا، كيف تمارس؟ وبواسطة من؟ فالقوميون الإسكتلنديون يطالبون بحقوقهم السيادية الخاصة بهم. ويتبنى خصوم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نسخة متطرفة للسيادة البرلمانية، ويرى ناخبو الخروج عن الاتحاد أن التصويت الشعبي المباشر هو التعبير المطلق عن السيادة، إن الجذور البعيدة للسيادة الوطنية ضبابية وغير محسوسة، ربما سيتفق معظمنا على أن الرضى الشعبي يشكل جوهرها، ولكن هل هذه السيادة الضبابية مجرد أسطورة سياسية فات أوانها؟ كثيرا ما قيل لنا أن السيادة الوطنية في «عالم اليوم المعولم» بلا معنى مع فقدان الحدود لأهميتها وانتقال السلطات إلى الهيئات الدولية وغير الرسمية، ولكن هذه الفكرة يقينا «دوغما» آيديولوجية أكثر منها ملاحظة موضوعية. فحجم السلطة التي يمكن للدول ممارستها حتى على القوى الاقتصادية الرئيسية كبيرة، ومن المؤكد أنها أكبر مما في الماضي. وفي معظم البلدان تكون الدولة مسؤولة عما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي. كما أثبتت سياسة التيسير الكمي (في الولايات المتحدة) أهمية السيادة النقدية، إن الدول الصغيرة تزدهر. فاللاعبون الكبار هم الذين يواجهون مشاكل جذرية. والسلطات المتبقية للدول ذات السيادة، حتى في أضعف التقديرات، لها أهمية ضخمة، لقد زُعم أن الاتحاد الأوروبي أوجد حلا لمشاكل السيادة والسلطة الوطنيتين بتجميع وتوحيد السيادة لتعزيز السلطة، ولكن من الواضح أن ذلك الحل ليس ناجحا، فبالنسبة لأعضاء عديدين في الاتحاد، وأوضح ما يكون ذلك في حالة اليونان وإسبانيا وإيطاليا، كان تجميع السيادات الوطنية يعني نتائج سياسية واقتصادية وسياسية مدمرة. فالاتحاد يبتلع سيادات أعضائه مثل ثقب سياسي أسود، ولكن هذه السيادات المجمعة تتلاشى وتختفي، فإذا كانت السيادة تمنح الحق المعترف به في اتخاذ القرار النهائي فمن هو الذي يملك ذلك الحق في الاتحاد الأوروبي؟ وكما ذكر (فيلسوف السياسة البريطاني) توماس هوبز «فالسلطة ذات السيادة أقل ضررا من انعدامها»، ولا يترتب على كل ما يفعله الاتحاد الأوروبي ضرر يساوي الضرر الذي ينجم عن الأشياء التي يفشل في القيام بها، فهو لايمكنه حل المشاكل التي أوجدتها عملة اليورو، وهو ليس في مقدوره السيطرة على حركة السكان أو التوجيه بالمساواة في حق إقامتهم سواء بالنسبة للمهاجرين إليه أو من هم الداخل، لقد وصفت الإمبراطورية البريطانية بأنها «برونتاصور» (نوع من الديناصورات) له أطراف ضخمة وضعيفة ولا توجد لنظامه العصبي المركزي قدرة كافية لحماية هذه الأطراف أو توجيهها أو السيطرة عليها. نفس الشيء يمكن أن يقال عن الاتحاد الأوروبي الذي قد يدمره ضعفه، وكانت الإمبراطورية النمساوية المجرية القديمة لا تأمل في أكثر من إبقاء شعوبها في حالة سخط يمكن التحكم فيه، ويواجه الاتحاد الأوروبي اليوم مستقبلا شبيها بذلك، علينا أن نأمل في أن تتوقف المماثلة (بينهما) هنا. ربما في خلال أعوام قليلة ستدرك نخب أوروبا أن الفدرالية زقاق مسدود وأن أفضل أمل لأوروبا هو تشكيل رابطة لبلدان سيادية ديموقراطية لا توحد بينها «التوجيهات» ولكن تضامنات الجوار.
الكاتب مؤلف كتاب «الإنجليز وتاريخهم».