الحراصي: عملت في المطبعة الحكومية منذ عام 1970 وشهدت ميلاد الإصدار الأول من عمان

مطبعة النجاح .. انطلاقته الأولى نحو العمل –
«الأنترتيب» و«اللينوتيب» أول طابعتين صحفيتين.. تعمل الأولى بالتنضيد اليدوي والأخرى بالتنضيد الآلي للحروف –
حاوره: سالم بن حمدان الحسيني –

يسرد خلف بن محمد الحراصي في هذا اللقاء قصة كفاحه المثيرة والرائعة في معترك هذه الحياة المليئة بالمصاعب والمشاق.. ويروي تفاصيل مشواره مع الصحافة التي يربط معها بعلاقة وثيقة منذ ستينات القرن الماضي أي منذ عام 1960 حيث كانت البداية من مطبعة النجاح بمملكة البحرين مرورا بالمطبعة الحكومية بمسقط حتى تحولت إلى جريدة عمان اليومية للصحافة والنشر والإعلان. لا يزال الحراصي يذكر صدور العدد الأول من الجريدة وكان ذلك بتاريخ 18 من نوفمبر 1972م تزامنا مع العيد الوطني الثاني للبلاد، حيث انطبعت بصمة أنامله في العدد الأول منها حينما كانت طباعة الأحرف عن طريق التنضيد اليدوي للحروف عن طريق صف الحروف النحاسية حرفا حرفا حتى يكتمل السطر، فيخرج سطراً من رصاص، ثم يتوالى صبُّ الأسطر حتى تكتمل الصفحة.. نقرأ المزيد من الحوار مع المخضرم خلف بن محمد بن خلفان الحراصي في الحوار التالي حيث يقول:

حدثنا الحراصي في مستهل حديثه عن مشواره مع الصحافة حيث قال: أنا من مواليد عام 1367 هجرية حيث ولدت بولاية نخل، وبداية عملي كان بمملكة البحرين الشقيقة حيث عملت بمطبعة النجاح وكان ذلك في عام 1960م وكان سني آنذاك 16 عاما، استمر عملي بتلك المطبعة أكثر من عشر سنوات متقطعة حيث كنت أعمل لسنتين أو ثلاث ثم أعود الى السلطنة لعدة أشهر ثم أعود ثانية الى البحرين وكانت طبيعة عملي في تلك المطبعة جمع الأحرف، أخذت بعدها شهادة الخبرة وعندما رجعت الى السلطنة عملت في المطبعة الحكومية وكان موقع المطبعة بمدينة مسقط ثم تم نقلها الى بيت الفلج ثم تحولت بعد ذلك الى الجريدة الحكومية وأخذت اسم جريدة عمان.
وأضاف: أفتخر بأن كان لي شرف العمل بهذه الجريدة حيث طبعت بصمة أناملي العدد الأول من إصدارها وكان ذلك بتاريخ 18 من نوفمبر 1972م تزامنا مع العيد الوطني الثاني للبلاد، وكان عدد صفحاتها آنذاك 8 صفحات فقط تصدر أسبوعية ثم صدرت مرتين في الأسبوع بعد ذلك أخذت تصدر يوما بعد يوم ثم صدرت بشكل يومي ما عدا الجمعة حتى استقر بها الإصدار لتصدر بشكل يومي على هذا النحو الذي نراه اليوم.
ويسترجع الحراصي ذكرياته الأولى فيقول: التحقت بالمطبعة الحكومية فور قدومي من مملكة البحرين وكان ذلك بتاريخ 1-7-1970م وكان مقرها ببيت الفلج حيث كانت تطبع المطبوعات والمنشورات الحكومية، والتي تحولت فيما بعد الى جريدة عمان عام 1972م ثم انتقلت الى منطقة روي التجارية قبل ان تنتقل الى مقرها الجديد بمدينة الإعلام بالقرم.
وأوضح ان الجريدة كانت تطبع آنذاك بطريقة بدائية جدا.. وكان مسمى القسم الذي اعمل به قسم جمع الأحرف، وكانت طريقة عملنا صف حروف اللغة إلى جوار بعضها لتكوّن بها كلمة حسب موقع الحروف المكونة لتلك الكلمة فقد يكون الحرف في اول الكلمة بشكل وبوسطه بشكل آخر وفي آخرها بشكل مختلف وهكذا‏..‏ ومع رص الحروف والكلمات تكتمل السطور‏..‏ ثم جاءت ماكينة الجمع السطرية وأصبحت سطرا فوق سطر وبعدها جاء جمع البرومايد وأصبح عمودا وعمودين وثلاثة‏.
وقال: ما زلت أذكر ماكينة الطباعة التي تسمى «الأنترتيب» وهي أول مطبعة تم جلبها لتلك المطبعة الحكومية حيث كانت تطبع الأحرف بطريقة متقدمة نوعا ما حيث كانت تطبع الأحرف عن طريق التنضيد اليدوي بانتقاء الحروف من الصندوق وترتيبها في أداة تسمى المِصَف حتى ينتهي السطر كاملاً، وقد توضع حشوات بين الكلمات تناسب طول السطر، فلا يزيد على المقاس المقرر ولا ينقص، ثمّ يصفّ السطر الثاني والثالث وهكذا. ثم جلبت مطبعة أخرى اكثر تقدما واسمها «اللينوتيب» وهي مطبعة تقوم بطباعة الأحرف عن طريق التنضيد الآلي السطري وهي طريقة آلية سريعة نوعا ما لتنضيد الحروف في أسطر حيث نقوم بانتقاء حروف كلمات السطر الواحد على لوحة مفاتيح الآلة، فيتوالى نزول الحروف النحاسية فوق منصة حتى يكتمل السطر، ويتوالى صبُّ الأسطر حتى تكتمل الصفحة، إلا أن هذه العملية لا تزال بها الكثير من الإشكاليات حيث إنه في حال حدوث خطأ في حرف واحد من حروف السطر علينا إعادة صف السطر كله مِن جديد، وكانت تلك العملية شاقة للغاية.
وأضاف: في بدايات وظيفتي في المطبعة الحكومية كنت اتقاضى راتبا شهريا قدره 45 ريالا عمانيا فقط، ويعد هذا المبلغ من أحسن الرواتب في ذلك الوقت، فذلك الدخل كان يغطي احتياجاتي واحتياجات أسرتي بشكل كامل.

بداياته العلمية

أما عن بداية مشواره العلمي قبل التحاقه بهذا العمل فقال: في بداية طفولتي لم أكن راغبا في طلب العلم بالرغم من محاولة والدي- رحمه الله- لتعليمي عن طريق إلحاقي بمدارس القرآن الكريم «الكتاتيب»، إلا ان بدايتي الحقيقية كانت من ولاية بركاء ففي ذلك الزمان كنا نذهب في فصل الشتاء للسكنى بولاية بركاء وحينها لم تكن السيارات متوفرة وكانت وسيلتنا للانتقال عن طريق الجمال، وشد انتباهي هناك مجموعة من الصبية تحلقوا حول مدرسهم تحت شجرة «صبارة» يتعلمون القرآن الكريم تحت ظلالها، وما زلت اذكر اسم المعلم آنذاك وهو المعلم محمد بن ناصر البوسعيدي، فإذا بي أنزل من على ظهر الناقة لألتحق بهم في تلك الحلقة، وكنت أبلغ من العمر آنذاك 14 عاما وخلال شهر واحد من التحاقي بتلك المدرسة استطعت تعلم القراءة والكتابة وشيء من قواعد النحو بعدها اعتمدت على نفسي في حفظ القرآن الكريم حتى استطعت أن أحفظه عن ظهر قلب خلال أربعة أشهر فقط، ثم أوكل إليّ المعلم مهمة تدريس أقراني بتلك المدرسة، ولما عدت إلى ولايتي نخل خلال فصل الصيف التحقت بالدروس التعليمية التي تقام في المسجد تعلمت من خلالها ملحة الإعراب وتحفة الأعيان، وبعدما استقر بي المقام في مسقط التحقت بالمدرسة السعيدية ببرنامج محو الأمية خلال الفترة المسائية إلا أنني لم أكمل تعليمي حيث التحقت بالعمل في المطبعة الحكومية.
وأشار إلى أن من الأحداث التي اذكرها خلال تلك السفرة حدث أن احترقت السفينة التي كنت قادما عن طريقها من مملكة البحرين الى السلطنة وهي سفينة كبيرة مكونة من سبعة طوابق تحمل أعدادا كبيرة من البشر ومن الأحمال الأخرى، وكنت في تلك الرحلة بصحبة خالي وأيضا برفقة أربعة اشخاص آخرين من ولاية نخل، ولا أدري ما هو السبب المباشر لحريق السفينة إلا أنني اذكر في ذلك اليوم كانت الأجواء ممطرة وكانت الأجواء مظلمة يتخللها الرعد والبرق الشديدان فلربما كان السبب المباشر هو بسبب البرق، وكانت الحادثة حينها قبالة سواحل دبي، ومن حسن طالعنا ان صادف في تلك اللحظة وجود سفينة أخرى بالقرب من السفينة التي كنا نستقلها، وقد كتب الله سبحانه وتعالى لنا النجاة حيث هب طاقم تلك السفينة بإنقاذنا، إلا ان هناك الكثير ممن فقدوا حياتهم في تلك الحادثة، وما زلت اذكر اهتمام حكومة دبي بالحادثة كثيرا حيث وفروا لنا كل ما نحتاج إليه من مؤونة وكساء ومأوى وغذاء.
وعن الذكريات الأخرى التي يستذكرها الحراصي يقول: من الذكريات الجميلة أيضا رحلتي الى الديار المقدسة حيث ذهبت حج بيت الله الحرام مرتين بحمد الله، واعتمرت اكثر من مرة، ومن ذكريات الحجة الأولى ان كنت بصحبة الشيخ هلال بن زاهر الخروصي (راعي الإبريق) وقد عرف الشيخ هلال بهذا اللقب حيث كان – رحمه الله – يحمل إبريقاً أينما ذهب سواء داخل السلطنة أو خارجها، وقد عُرف عن هذا الإبريق أنه لا ينفذ منه الماء مهما استُخدم، حيث انه من الأشخاص البارعين في علوم الروحانيات وعلوم السر والأوفاق، وأيضا من البارعين في علوم الفقه والتاريخ والأدب وكانت للشيخ كرامات، ومواقف مثيرة للعقل، ومن تلك المواقف التي شهدتها بنفسي في رحلتي تلك ان نفد الماء من زادنا وشربنا من ذلك الإبريق أنا ومن كان برفقتي في تلك الرحلة وعددهم كبير فلم ينفد الماء من الابريق وبقي مملوءا حتى آخر شخص شرب منه.
أما عن ذكرياته الرمضانية فقال: بدأت بالصوم في سن مبكرة حيث كان صومي الفعلي من عمر 12 عاما تقريبا حيث كانت المعيشة صعبة الى حد ما لعدم توفر هذه المأكولات التي تملأ موائدنا اليوم مما لذ وطاب من أنواع الفواكه والمعجنات وغيرها، فقد كانت مائدة الإفطار من التمر والماء وربما اللبن في بعض الأحيان، وذلك بسبب ضعف المعيشة لعدم توفر الدخل وكنا نتناول وجبة العشاء بعد صلاة المغرب مباشرة، ثم نؤدي صلاة التراويح، ولم يكن هناك مجال للسهر طول الليل، لعدم وجود الكهرباء، فقد كنا ننام مبكرا حتى نصحو لصلاة الفجر في جماعة.
وبيّن الحراصي ان معيشة الناس في ذلك الوقت صعبة للغاية وكان الناس يعتمدون على انفسهم في الزراعة وكان اغلب غذائهم منها، حيث كانوا يزرعون البر، وينتجون منه الطحين، وكنت امارس مهنة الزراعة حيث زرعت البر وأذكر في مرة من المرات حصدت ما يقارب من 18 جونية من حبوب البر، وقد حاولت أيضا ان ازرع الأرز ولكنه لم يحصد، إلا انه في منطقة مجاورة هناك تتمتع بغزارة المياه نجحت فيها زراعة الأرز وقد تم حصاد ما يقارب من 14 جونية من الأرز، وكذلك هناك كانت محاولة لزراعة القهوة ولكنها لم تحصد، وأذكر ان سعر جونية الأرز في تلك الفترة خمسة قروش فرنسية، الا ان اغلب الناس يعتمدون على الزراعة المحلية، ويطحنون حبوب البر بأنفسهم بالطريقة التقليدية التي كانت تسمى «الرحى».
أما عن وسائل النقل المتوفرة آنذاك فيقول: اغلب تنقلات الناس عن طريق الدواب، حيث كانت الوسيلة الجمال والحمار حيث كانت السيارات قليلة جدا لا تكاد تذكر، وما كان موجود منها فهي سيارات النقل الكبيرة التي تنقل البضائع، كذلك الشوارع المسفلتة قليلة جدا، والشارع الرئيسي القادم من مسقط ينتهي الى ولاية بركاء فحسب، واذكر انني عندما اود الذهاب من بلدتي نخل الى مسقط عن طريق السيارة انطلق منذ الصباح الباكر وأصل الى مسقط مع غروب الشمس، وكانت اجرة النقل 4 قروش فرنسية، واذا اردت ان تأتي ببعض الأغراض او الأطعمة فلا بد لك من ان تجتاز «الفرضة» وهي عبارة عن بوابة بمدينة روي لا يمكن للمسافر أن يمر منها إلا بعد تجاوز بعض الإجراءات ومن ضمنها دفع العشور للمعوشري وهي عبارة عن مبلغ مالي مقابل البضائع التي بحوزة المسافر وهي بمثابة الضريبة او الجمارك بالمفهوم العصري.. مشيرا الى انه اقتنى اول سيارة عن طريق المزايدة حيث أقيم في تلك الفترة مزاد بوزارة الاعلام، حيث اشترى من خلاله سيارة مستعملة بـ70 ريالا عمانيا من نوع مازدا صالون، وظلت عنده ثلاث سنوات، بعد ذلك باعها بـ 330 ريالا عمانيا.
وعن طريقة الناس في استطلاع الأهلة أوضح ان طريقة رصد الأهلية في ذلك الزمن عند طريق مكتب الوالي أو القاضي فيختار الوالي من الشهداء العدول الذي يتمتعون بحدة النظر للاستعانة بهم في رؤية الهلال، حيث يتم اختيار المكان المرتفع والمكشوف للاستطلاع، وبعدما يتم التثبت من ثبوت الرؤية تطلق الأعيرة النارية عن طريق المدافع التي عادة ما تكون موضوعة في القلاع او في البروج العالية المبنية على الجبال وذلك لإعلام الناس بثبوت رؤية الهلال، ومن ثم يتم تناقل الاخبار الى البلدان المجاورة.