كيف يرى فهمي هويدي قضية التطرف الديني؟

عبد الله العليان –

لا شك أن ظاهرة التطرف والإرهاب، ظاهرة مركبة ومعقدة،ومن الإنصاف أن تكون النظرة إليها شاملة ومتوازنة،ولا تقف عند عامل واحد فقط ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى التي ربما تكون هي العامل الحاسم في هذه المشكلة أو الظاهرة التي تجتاح العالم كله، وليس عالمنا العربي والإسلامي فقط . فالبعض يرجع قضية الإرهاب والتطرف إلى الجهل وقلة العلم والفهم بأمور الدين والدنيا، والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج الفقر والبطالة في العديد من المجتمعات العربية، والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج القمع السياسي والاستبداد وغياب الحرية والديمقراطية ويراها البعض الآخر مشكلة نفسية واجتماعية و أسرية..الخ. فالتطرف والغلو والتكفير، له أسباب عديدة، وبعض هذا الإرهاب يقتاد ويستفيد من عدم الاستقرار ،ومن القمع، والاستبداد،و المظلومية، ليكسب أنصاراً تحت هذه الظروف والأسباب. وأصبح شعار الإرهاب بات الآن سيفاً مسلطاً بلا معايير دقيقة لتقييده، وهذه إشكالية ربما تساعد في ازدهار الإرهاب في استئصاله..ومع ذلك يرى الكاتب والمفكر فهمي هويدي في كتابه (التدين المنقوص)، أن الفكر المتطرف ليس نبتاً شيطانياً ظهر في حياتنا بغير مبرر وبلا مناسبة،لكنه ابن شرعي لما هو قائم، وحصاد لما زرع من غرس ، وحاصل جمع أسباب مرصودة تحت الأعين. ومن الخطأ البين أن يفصل ذلك الفكر عن مجمل الظروف التي أفرزته. أو أن يكون مدخلنا للتعامل معه هو الاتهام والمحاكمة».و يطرح فهمي هويدي أن مسألة فهم ظاهرة التطرف الديني، ضرورية ومهمة، وأن المعالجة الأمنية وحدها ليست حلا ناجزاً وتاماً للقضاء على هذه الظاهرة، ولذلك فإن «هدف المناقشة ليس تبرير واقع معين، ولكن محاولة فهمه، والبحث عن المداخل الصحيحة للتعامل معه، من منطلق العلاج لا العداء، والتقويم لا البتر، واستخلاص كل خير ممكن من عناصر الظاهرة الإسلامية، ليضاف إلى رصيد الأبناء والتقدم في هذه الأمة». لكن الأستاذ هويدي يرى أن من العدل والتقييم العادل التفريق من أفعال بعض المتطرفين والدين،لأن بعض ذوي الأفكار العلمانية المتطرفة ـ و هويدي يفرق بين هؤلاء وبعض العلمانيين المعتدلين المنصفين ـ فالأمر يحتاج إلى هذا التمييز الذي يفرق بين غالبية الأمة التي تتمسك بالدين الصحيح التي ترفض هذا التطرف والإرهاب، وبين هذه الجماعات المتطرفة، حتى وإن رفعت شعار الإسلام» والذين يعتبرون كل تدين تطرفاً ليسوا طرفاً في هذه المناقشة، ولا مجال لخطابهم، إذ بينما نتحدث عن دائرة محدودة من الشباب، فإن منطقهم هذا يضعهم موضع خصومة مع الأغلبية الساحقة من شعب مصر».
ويرى الأستاذ فهمي هويدي أنه لابد من التفرقة بين التطرف الفكري وبين فعل يتقارب معه،»الفكر ـ كما يقول هويدي ـ نناقشه ونفتح صدورنا وقلوبنا له إلى آخر الحدود. أما الفعل، فهو يمكن أن يظل موضع مناقشة طالما هو ملتزم بالقانون وضوابطه. أما تجاوز القوانين واللوائح، فهو خارج بدوره عن إطار المناقشة. وعلى كل من اقترف انتهاكاً من أي نوع للقوانين واللوائح، أن ينتظر عقاباً لا حوارا». فالإشكالية ،كما يرى الأستاذ‏ فهمي هويدي، هي في الرؤية الأحادية عند البعض في التقييم لهذه الظاهرة، والخلط والتعميم في المفاهيم، وهذا من أسباب أخطاء المعالجة لقضية التطرف الديني،فخطاب البعض من متطرفي الجانب «يخلط بين التعصب والتطرف من ناحية،وبين التدين من ناحية ثانية ليس وليد هذه الأيام، وإنما تردد بشكل مقتضب وغير مباشر خلال العقدين الماضيين. من رفع شعار «تجفيف الينابيع» الذي انطلق من الادعاء بأن التدين هو البيئة الحاضنة للتطرف والتربية المنتجة له. وادعى أن التصدي للأصل كفيل بالخلاص من مختلف الشرور التي تفرعت عنه، هكذا في خلط ساذج أو خبيث بين التدين الصحيح الذي يرسي أساس النهوض بالمجتمع، وبين التدين المغلوط والمغشوش الذي يخاصم المجتمع ويعلن الحرب عليه.هذه الفكرة عبر عنها ذات مرة تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية الذي تصدره مؤسسة الأهرام، ثم ترددت بعد ذلك في كتابات عدة، أشرت إلى بعضها في الأسبوع الماضي، خصوصا من قال إن ظاهرة التدين في مصر تصاعدت وبلغت مرحلة الخطر، واعتبر ذلك مما يعزز ثقافة التخلف». ولذلك يشير الأستاذ هويدي، إلى أهمية الإصلاح الديني أن يكون أن يكون منطلقاً من الداخل وليس من الخارج، حتى تكون المعالجة من صميم واقعنا والبيئة الفكرة ذاتها ،إذا سلمنا بالحاجة إلى الإصلاح الديني، فإن ذلك الإصلاح يفقد شرعيته إذا كان مفروضا من الخارج، ثم إن ذلك الإصلاح لا يتم في فراغ، لأنه وثيق الصلة بالتحولات الاجتماعية والسياسية في كل بلد، وبالخصوصية الثقافية لكل بلد. ثم انه يتعذر تجهيزه وترويجه بأسلوب “تيك أواي”، لأن الأفكار ، كما يرى فهمي هويدي ، لا تصنع حسب الطلب، وإنما أحياناً تستجيب لمتقضيات الواقع ولا يكتب لها الحياة والنمو إلا إذا خرجت من رحمه». لان ذلك «الإسلام المعدل» الذي يريدون لن يستطيع أن ينال من حاكميه المرجعية الأساسية المتمثلة في القرآن والسنّة. وإسقاط «الجهاد» مثلا من الكتب المدرسية أو التهوين من شأنه، وكذلك حذف الآيات التي تفضح بني إسرائيل. لن يطوي الصفحة أو يستأهل القيمة من الوجدان الإسلامي، كما أن تأويل التعرض لغرض ما لن يحول دون ان يأتي لكي يؤولها في اتجاه معاكس، لأن التجربة ،كما يقول هويدي ،«أثبتت ان سياسة “تجفيف الينابيع” أفقدت الثقة بالقائمين عليها، بأكثر مما قلصت مساحة التدين عند المتلقين لها. كما أثبتت أن الناس حين يدركون حقيقة التجفيف الذي يصيب الينابيع، فأنهم سرعان ما يتحولون إلى ينابيع أخرى تشبع أرواحهم وتستجيب لأشواقهم. ان التطرف غير الإرهاب، فالتطرف في اللغة هو الوقوف في الطرف، إي انه اختيار شخصي لموقف يبتعد فيه المرء عن نقطة الوسط، أو الاعتدال، وهو ليس ضارا كله، لأن كثيرا من المبدعين العظام، وأغلب الذين غيروا مسار التاريخ لم يكونوا مخلوقات وسطية، ولكنهم أناس من ذوي الرؤى النافذة والمواهب غير العادية، نذروا أنفسهم لبلوغ مقاصد معينة، شخصية أو اجتماعية وتفانوا في محاولاتهم تلك، ولولا التطرف الذي طبع سلوكهم لما أخرجوا لنا إبداعاتهم أو حققوا إنجازاتهم المختلفة، وهؤلاء هم رموز التطرف النبيل، إذا جاز التعبير، وهم يختلفون جذريا عن رموز التطرف الضار، الذي يختار من الآراء أكثرها تشدداً، ومن المواقف أكثرها شذوذا، ويعمدون إلى تعسير الدين والحياة على الناس، والى اتهام مخالفيهم بالفسق أو الكفر، وهذا التطرف الأخير ـ وأولى به سابقه ـ يختلف عن الإرهاب، إذ في حين أن التطرف رأي وموقف متشدد في نهاية المطاف، إلا أن الإرهاب له خصلة أخرى، هي انه يستخدم العنف في محاولة التغيير، أي انه يتجاوز الرأي المتشدد الذي لزم المرء به نفسه، إلى استخدام العنف الذي يعمد إلى ترويع الآخرين، وفرض الرأي عليهم بالقوة.ومشكلتنا، كما يقول هويدي، مع التطرف مقدور عليها، حيث الرأي يفند ويقارع ويصوب برأي آخر، ولكن المشكلة الأكبر هي مع الإرهاب الذي يهدد بما يحدثه من ترويع أمن المجتمع واستقراره.إن التطرف موجود في كل المجتمعات البشرية كما يؤكد هويدي، والأمريكيون يقولون إن هذا السلوك إذا ظل في حدود 5% من الناس، فإنه لا ينبغي أن يبعث على القلق، حيث يظل ذلك جزءا من حيوية المجتمع وتنوع إيقاعاته، أما إذا تجاوز التطرف تلك الحدود فإنه يغدو جديرا بالملاحظة والدراسة،ان الناس كقاعدة، كما يرى هويدي وكثيراً ما يتحدث عن ذلك ـ دعك من الاستثناءات ـ لا يولدون متطرفين ولا إرهابيين، ولكنهم يصبحون كذلك بفعل ظروف معينة. ومن الخطأ إرجاع ذلك السلوك إلى سبب واحد يسري على كل المجتمعات، إذ الأمر يختلف من مجتمع إلى آخر. بل ان المجتمع الواحد قد تتغير فيه خرائطه من طور إلى آخر، فيفرز متطرفين أو إرهابيين في طور، بينما ينجح في تقليص مساحة ذلك الجنوح في طور آخر».
ولا شك أن رؤية الأستاذ‏ فهمي هويدي تتصف دائماً بالاعتدال كعادته، وهذه الرؤية استطاعت أن تجد لها آذنا صاغية،عندما جرت في الثمانينات من القرن الماضي في مصر، الحوارات الشهيرة مع بعض الجماعات الدينية في السجون، وأدت إلى مراجعاتهم لفكرهم، والاعتراف بخطئهم.