قصة قصيرة – تعلم ولا يعلم

شريفة التوبية –

قالوا إن الكتابة تمنح كاتبها عمراً آخر فكَتبَته، لتحياه عمراً متأخراً أو ضائعاً مما بقى لهما من عمر الحكاية، قالوا إن الكتابة تمنح كاتبها حيوات لم يعرفها ولم يختبرها من قبل فكتبته، لتحياه كما حلمت به يوماً، قالوا إن الكتابة راحة لوجع الروح، فكتبته لتستريح بالكتابة من وجعها به، قالوا إن الكتابة جنون فكتبته لتجن به أكثر، ومع كل كتابة كانت تغيب ويغيب، ومع كل كتابة كانت تتلاشى ويتلاشى، ومع كل كتابة كانت تشهد موته ولا يشهد حياتها، كانت تغيّبه كلما كتبته وهي التي أحبته جداً كما أحبها وغيبته وهي في منتهى الاحتياج إليه ..

كَتبته وهي تعلم أنه ما عاد يقرأ ولا يعلم ما الذي تعنيه الكتابة لها، كانت تعلم أن المسافة بينها وبينه تلك المسافة الواقعة بين الألف والياء، وتلك المسافة بين ميلاد الفكرة وموتها، وكانت تعلم أن الحروف كلها لن تكوّن كلمة تعيده إليها أو تأخذها إليه، كانت تعلم أن الصورة التي تحطم زجاجها وسقط إطارها لا يمكن أن تعود كما كانت، كانت تعلم بموته قبل أن يعلم هو، وكانت تعلم أنها ستجلس طويلاً أمام جثته المسّجاة أمامها دون أن تجرؤ على مواراة جثته كما فعل الغراب في قصة قابيل وهابيل، وكانت تعلم أنها عاجزة عن إعلان موته أو حتى الاعتراف بحياته، وكانت تعلم كل شيء وهو لا يعلم……….
لم يكن يعلم عن ذلك السحر الذي تقوم به كل مساء لتبقيه حياً رغم موته، لم يكن يعلم أي سحر أزرق كانت تقوم به وهي تحوله إلى كائن خرافي مسحور لتمارس حياتها معه على الورق، وأن كل ما بينهما ليس سوى تزاوج زرقة الحبر مع بياض الورق، ولا يعلم أنه حكايتها، وأنه بطلها الورقي، بعد أن أصبح عاجزاً عن قراءة نفسه في عينيها التي سكنهما منذ اللحظة الأولى في لقاءهما العابر بشارع السلطان قابوس، ولم يعد قادراً على تذوق طعم عصير ( البينا كلادا ) الذي طلبه لها في لقائهما الأول، لم يعد قادراً على الاستماع لصوت عبادي الجوهر
( قالوا ترى مالك أمل في قربها لو يوم
إبعد وجنب قربها وهذا هو المقسوم
قلت اسكتوا يا عاذلي ما أبدل قمر بنجوم )
لم يكن قادراً على استرجاع تلك اللحظة التي اصطدم فيها ( تنكر الماء ) بسيارة صغيرة فتوقفت حركة الشارع، فبقيا عالقان حتى انقشع الزحام، لم يعد يستطيع العودة إلى مساءات شاطىء قصر البستان وإلى الحكايات التي لا تقال سوى أمام البحر، لم يكن قادرا على الشعور بلسعة الحرائق التي يشعلها في كيانها من مجرد لمسة عابرة.
تكتبه لتشعل فتيل الحكاية بقلبها في مساءاتها المعتمة الباردة، تقترب منه، تلمس جثته الباردة، تدفئة بشعلة روحها، تتجاوز تلك المسافة التي رسمها لهما القدر، تقترب منه، ترجوه أن يتحرك وأن يشعر بالحياة التي هي عليها، تدفئه بحطب الكلمات المحترقة في مدفئة الكتابة، لكنه أكثر برودة من أن يصيبه الدفء، وأكثر صمتاً من أن تثيره الحكايات فيقول شيئاً، لم يعد بإمكانه سماع كل هذا النقر على جهاز الكتابة، لم يعد يغضب ولا يغار من حروفها، ولم يعد يسأل عن آخر ما كتبت.
ترتد إليه كلما نوت الكتابة ليشعل ما انطفأ في روحها من وهج العلاقة الغريبة التي لم تنته رغم الموت، فكما يبدو أن الموت لا ينهي الحكاية، ما زالت تحيا مفتونة بتلك الحكاية التي بدايتها ( كان يا ما كان ) لتهرب إليه كل ما احتاجت إلى اليقين الذي لم يعد موجوداً منذ لحظة غيابه، تكتبه شوقاً فترتد إليه كارتداد طفل صغير إلى حضن أمه، حاولت استبدال الحكاية، صلّت كثيراً لأجل أن يغير القدر تلك الحكاية بحكاية أخرى ولكن فات الأوان، فالقدر لا يبدل حكاياته ولا يغير أبطاله، أنه يختارهم بعناية فائقة، وليس لها أن تستبدل أبطال الحكاية كما تشاء، لم تكن سوى السارد لحكاية مكتوبة قبل وجودها ووجوده، تلك الحكاية الواقعة في منتصف الطريق بين موت وحياة، لتعيش ذلك الشعور ( المر العذب ) بحضوره وغيابه، تمد أجنحتها المنكسرة كطائر جريح فيمد القدر يده ليمسك بطرف خيوط اللعبة المتشابكة، ليكونا معاً، حيث لا يمكنه الذهاب بمفرده، ولا يمكنها أن تتركه وحيداً في مثل هذه الليلة المعتمة العاصفة الماطرة، هذه الليلة التي تشبه تلك الليلة البعيدة حين انطفأت الكهرباء فتلمسا الطريق سوياً واضعاً يده في يدها وعينه في عينيها ……، ومن يومها والطريق لم ينته والليل لم ينته والحكاية لم تنته.

منذ زمن طويل تطاردها فكرة الكتابة عنه وما كانت مهيأة لهذا الفعل، لم تكن ترغب أن تفسد وهم ما تحياه من موت بالكتابة، تختلط الأشياء أمامها فلا هو قادر على الاستيقاظ ليؤكد لها أن ما تحياه حلماً أم حقيقة ولا هو قادر على شرح فلسفة ما هما عليه، تراقبه، تتأمل ملامح وجهه، عينيه التي أحبتهما منذ اللحظة الأولى حينما نظر إليها فسألها :
– شفتك من قبل ؟!!
– ما قادرة أتذكر، بس شكلك ما غريب أبداً ؟
– أنا شفتك من قبل متأكد
– يمكن ..!!

هناك منطقة ما في هذا الكون جمعتهما معاً قبل هذا اليوم، وما هذه الأجساد سوى مادة يقودها القدر للقاء مدبر، ليس هناك شيء أتى بمحض صدفة،لكن كيف يصبح هذا الفقد الذي يسكن الروح موت ويصبح هذا الموت حكاية حياة ؟!
تكذّب المرايا التي ترى فيها موته لتكتبه وجعاً عذباً على سطور الحكاية، تنسج محبته خيوطاً بخيال عاشق محترف، تستخرجه من رحم الموت كلما نوت الكتابة ويممت وجه الحنين في روحها نحو روحه التي لم تغادرها كما غادرتها أشياء أخرى، تراه بجانبها، تضع يدها على رأسه، تعبث بشعره الأجعد، تنتظره أن يتحرك وأن يفعل شيئاً، تراه يقتلع أذنه، يمنحها إياها كما فعل فان جوخ مع حبيبته الماكرة، لكنها تخبره أنها ليست بمكر حبيبة فان جوخ وهو ليس بجنونه، لا يقول شيئاً، ما زال هادئاً بما يكفي لإثارة جنونها، وصامتاً بما يكفي لإثارة براكين الثرثرة الموجعة في روحها، تحرق حكاية موته كلمة كلمة، تتأمله يحترق في محرقة الكتابة، تنثر رماده في تلك الحكايات الكثيرة التي لم تقلها والكلمات التي لم يسمعها والحروف الكثيرة المتناثرة هنا وهناك بين أروقة روحه وروحها.
تكتب له.. ما أطول غيابك، وما أقصر صبري على الاحتمال……
لكنه ما عاد يجيد الرد ولا يتقن لغة العتاب وربما لا يفهمها، تتدثر بما كان كي تبقى كما كانت، تعانق روحها روحه عناق عاشق مشتاق، قد تخرج روح من جسد ولكن لم تخرج روح من روح، تواصل الكتابة إليه كما كانت تفعل كل مساء، لكن لا شيء سوى البياض على الورق، تبحث عنه في قصائد العشق التي كان يكتبها لها كل مساء، تشمه غياباً في رائحة باقات الورد، تجالسه حنيناً وغربة في المقهى الذي كانا يلتقيان فيه بفصل الحكاية الأول، تتذوق مرارة غيابه بقطعة الحلوى التي يقدمها لها النادل مع فنجان القهوة، تتجرعه علقماً مع كل قطرة قهوة تحتسيها دون أن يقاسمها القطرة الأخيرة في الفنجان، تقتسم قطعة الحلوى إلى نصفين، تخبئها له رغم أنها تعلم أنه لم يعد قادراً على اشتهاء الحلوى أو تذوقها.
يطاردها غيابه، وتطارد هي حكايته،فكيف لها أن تحتمل كل هذا الغياب وهذا الحضور في آن واحد ..؟!
ينتهي الليل والحكاية لا تنتهي، يصبح الحنين وجعاً مُشتهى أمام وجع الحقيقة المختبئة خلف وهم الحكاية، تواصل الكتابة رغم أنها الآن تعلم وربما كان يعلم أيضاً أن كل ما تبقى من الحكاية هو ذلك الجزء المفقود الذي لا يمكنها الاعتراف به أو حتى كتابته (……..).