في نقاش وثيقة حماس الجديدة

ماجد كيالي  –
كاتب فلسطيني –

حاولت حركة حماس في وثيقتها الجديدة التي صدرت أمس الأول أن تقوم بمقاربات تجعلها أكثر تماسا مع الفكر السياسي الفلسطيني، الذي ظلت تنأى بنفسها عنه، منذ انطلاقتها عام 1988. وبشكل عام فقد تجلت هذه المقاربة، في عدة مجالات، لعل أهمها يكمن في الآتي:
أولا: في تبنيها للكثير من البنود الواردة في الميثاق الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير، الذي تم صوغه في أواخر الستينيات.
وثانيا: في اقترابها من مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع، وإن بعباراتها الخاصة التي تشترط عدم الاعتراف بإسرائيل ومواصلة الكفاح لتحرير كل فلسطين.
وثالثا: في تبنيها مختلف أشكال النضال، وليس فقط الكفاح المسلح، كما كان الأمر سابقا.
ورابعا: في حديثها عن أهمية المنظمة كإطار جامع للفلسطينيين وأهمية الانضواء في أطرها.
بيد أن هذه المقاربة، أو المحاولة المتأخرة بدت متداخلة لعدة أسباب، أولها: هيمنة حماس على قطاع غزة مع حال الانقسام الفلسطيني التي نجمت عن ذلك.
وثانيها: أنها أتت في وقت بدا فيه الفكر السياسي الفلسطيني متقادما، وقد تآكلت بديهياته وبالأخص منها ما يتعلق بمركزية القضية الفلسطينية في العالم العربي، وبالصراع العربي – الإسرائيلي، والكفاح المسلح.
وثالثها: يتمثل في حقيقة أفول خيار الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع، بحكم رفض إسرائيل، وضعف الفلسطينيين وتعذر قدرتهم على فرض مثل هذا الخيار.
ورابعها: هبوط تيارات الإسلام السياسي مع انحسار حركة الإخوان المسلمين وصعود التيارات الإرهابية.
ومع أهمية المقاربات السياسية الحاصلة إلا أن الوثيقة لم توضح موقف حماس من عدة مسائل يمكن أن تمثل أهمها في الآتي:
أولا: هل حركة حماس حركة دينية أم وطنية؟ ففي هذا الموضوع لم تقطع حماس مع طابعها كحركة دينية، ومثلا لم تلغ الميثاق الذي يبين مبادئها التأسيسية وإدراكاتها النظرية منذ قيامها – حسبما أشار الكاتب.
ومع الاعتراف بحق أي كيان سياسي بانتهاج الخلفية النظرية التي يريد إلا أن المسألة هنا لا تتعلق بهذا الحق ولا تمس به، بقدر ما تتعلق بجدوى أو مغزى إدخال بنود إنشائية في الوثيقة الجديدة تؤكد على طابعها كحركة إسلامية وسعيها لتطبيق رؤيتها، التي تعتقد بها للإسلام، في واقع نشهد فيه تعددية إسلامية، وخلافات بل واقتتالا بين التيارات الإسلامية ذاتها، في أكثر من بلد، في حين تدعي كل جماعة أنها هي التي تحتكر صحيح الإسلام.
وكان بوسع حركة حماس الاكتفاء بأن تستمد من الإسلام قيمه المتعلقة بالمساواة والعدل والحرية، لتأكيد ذاتها كحركة سياسية وطنية وتجنب الغرق في هذه المتاهة، على حد قول الكاتب، وضمنه تنزيه الإسلام من مآرب السياسة وصراعات السلطة.

ثانيا: لم تقطع حماس بين طابعها كحركة وطنية فلسطينية وبين كونها جزءا من منظومة الإخوان المسلمين العالمية، وقد تضمنت وثيقتها حديثا عن أمة إسلامية وما يستتبع ذلك، في حين نعرف أن هذا يدخل في حكم المتخيل، في عالم تبدو فيه كل دولة إسلامية ذات أولويات خاصة لا علاقة لها بغيرها. والحال فربما كان الأصوب إذا عبرت عن تضامنها مع قضايا الشعوب الأخرى، مسلمة أو غير مسلمة، وأن تعزز من ذاتها كحركة وطنية فلسطينية، وعدم تحميل ذاتها فوق ما تحتمل كما يبدو.
ثالثا: لم تجب حركة حماس عن السؤال المتعلق بأفق سلطتها في غزة وارتباط ذلك بالمشروع الوطني الفلسطيني. ومثلا ماذا ستفعل حماس بقطاع غزة مع مليوني محاصر مع الافتقاد للموارد والاعتماد على إسرائيل في المياه والمحروقات والمواد التموينية والمعابر؟ كيف ستدير صراعها مع إسرائيل لتحرير فلسطين؟.
أيضا، هل ستجعل حماس من قطاع غزة قاعدة للتحرير بإطلاق الصواريخ أو شن عمليات عسكرية بين فترة وأخرى؟ أم ستجعل منها أنموذجا لدولة فلسطينية قادمة بالتركيز على التنمية ورفع مستوى التعليم وبناء المجتمع الفلسطيني؟ هل سيبقى القطاع تحت سيطرتها رغم الحصار ورغم ما يعانيه أهله جراء ذلك؟ أم ستحاول إجراء مراجعة لمسيرتها في السلطة، وضمن ذلك إعادة توحيد الكيان الفلسطيني القائم، بين الضفة وغزة؟ هذه كلها وغيرها أسئلة تفرض نفسها وإن كانت الإجابة لن تكون سريعة.