ترجمات : ماكرون ولوبان وحدود النزعة القومية

جيديون راكمان –
الفاينانشال تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

أكدت الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية الاتجاه الجديد في السياسة الدولية. فمن بلد إلى آخر، لم يعد أهم انقسام سياسي بين اليسار واليمين ولكن بين الاتجاهين القومي والعالمي. لقد كان العام الماضي عام الاختراق بالنسبة للقوميين مع (التصويت بنعم) في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا وانتصار دونالد ترامب في الولايات المتحدة. ولكن الانتخابات الفرنسية توحي بأن فرنسا ستظل، ومعها معظم بلدان اليابسة الأوروبية، على الجانب العالمي من خط الانقسام الجديد. وستكون المنافسة بين مارين لوبان وإيمانويل ماكرون في الجولة الأخيرة للانتخابات يوم 7 مايو مباراة تقليدية بين مرشحين أحدهما قومي التوجه والآخر عالمي النزعة.
فلوبان تريد إخراج فرنسا من العملة الأوروبية الموحدة وزيادة الرسوم الجمركية وتشديد الضوابط الحدودية وقمع الهجرة. أما ماكرون فمؤيد متحمس للاتحاد الأوروبي ويؤمن بالتجارة الحرة وباتخاذ موقف ليبرالي نحو اللاجئين. أما استطلاعات الرأي العام التي تنبأت بدقة أن ماكرون سيهزم لوبان بفارق ضئيل في الجولة الأولى للتصويت فتشير الآن إلى أنه سيحقق فوزا حاسما في الجولة النهائية وسيفوز بأكثر من 60% من الأصوات. بالطبع هنالك الكثير الذي يمكن ألا يمضي في صالحه خلال الفترة من الآن وحتى الجولة القادمة.
فمارين لوبان محاورة تلفزيونية ماهرة. وماكرون خبير مالي ووزير سابق ثري وعرضة لتصويره كأحد أعضاء النخبة البعيدة عن هموم الناس. كما من الممكن أن يتعثر بفضيحة أو هفوة. ولكن الاحتمال القوي أن استطلاعات الرأي ستكون دقيقة وأن المرشح صاحب التوجه العالمي (ماكرون) سيحقق فوزا واضحا. ولأن المنافسة بين ماكرون ولوبان جزء من صراع أيديولوجي عالمي، سيراقب باقي العالم نتيجة التصويت في فرنسا باهتمام شديد. وسيتم استقبال الانتصار المتوقع لماكرون بفرح وحبور في بروكسل وبرلين وبخيبة أمل في الكرملين والمكتب البيضاوي وبخليط من المشاعر في لندن . لقد أسست لوبان حملتها الانتخابية على مواضيع مماثلة لحملة ترامب بالرغم من أن لغتها أكثر اعتدالا إلى حد بعيد من لغة الرئيس الأمريكي. فمرشحة الجبهة الوطنية مثلا لم تقترح أبدا حظرا «على النمط الترامبي» على دخول المسلمين إلى فرنسا.
لقد باركت عائلة لوبان في حماس ترشح ترامب لرئاسة الولايات المتحدة. كما أشار الرئيس الأمريكي بدوره، من خلال تلميحات قوية على تويتر، إلى أنه يؤيد لوبان في فرنسا وتوقع فوزها. وفي حين أن ترامب نفسه سيخيب أمله إذا فاز ماكرون لكن من المرجح أن مستشاريه للأمن القومي الذين لديهم آراء أقل غرابة من آراء رئيسهم سيشعرون بالارتياح. أما خيبة أمل روسيا في حال فوز ماكرون فستكون أكثر صراحة. فماكرون هو المرشح الرئيسي الوحيد في الجولة الأولى للتصويت الذي يؤيد خطا متشددا ضد روسيا فلاديمير بوتين.
كما أقرضت البنوك الروسية حملة لوبان بسخاء(كجزء من استثمار الكرملين في حملة التشويش داخل الاتحاد الأوروبي)، وسيكون رد الفعل البريطاني تجاه فوز ماكرون مزيجا من الارتياح والخوف. فحكومة تيريزا ماي تقاوم توصيف خروج بريطانيا من الاتحاد بأنه «فورة قومية» وتؤكد على استمرار دعم بريطانيا للتجارة الحرة والاتحاد الأوروبي القوي. ولكن المشكلة بالنسبة لبريطانيا هي أن الاتحاد الأوروبي نفسه يرى بوضوح في خروج بريطانيا تجليا (تمظهرا) للنزعة القومية داخل أوروبا. وهو تجل (بحسب الاتحاد) يلزم التعامل معه بحزم شديد. بهذا المعنى، سيكون الفوز المرجح لماكرون خبرا محزنا ومفرحا معا لبريطانيا. فماكرون يمثل الاتحاد الأوروبي القوي والموحد الذي تزعم حكومة ماي أنها تريده.
والمشكلة من وجهة نظر لندن تكمن في أن هذه القوة والوحدة سيتم التعبير عنها في الغالب من خلال اتخاذ موقف متشدد جدا إزاء خروج بريطانيا من الاتحاد مع المطالبة بتسوية مالية كبيرة من بريطانيا ومقاومة عقد أية اتفاقيات خاصة معها سواء حول حرية انتقال الأشخاص أو تقديم الخدمات المالية. أما فوز لوبان فسيضع أوروبا في مسارات جديدة وخطرة . ولكنه قد يعين على تسهيل مشكلة خروج بريطانيا المحدودة بالنظر إلى أنه لن يعود هنالك اتحاد أوروبي أصلا كي يتم الخروج منه. وفي السياق الأوروبي الأوسع ينبغي النظر إلى فوز ماكرون المتوقع في سياق انتكاسات اليمين القومي في الانتخابات الأخيرة في النمسا وهولندا وكذلك حظوظه المتدهورة في ألمانيا حيث عادت الشعبية التي يحظى بها حزب البديل لألمانيا الشعبوي إلى الرقم الأحادي (أقل من 10%) في استطلاعات الرأي العام. ويترجح باستمرار حصول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على تفويض جديد في الانتخابات الألمانية في سبتمبر القادم . لقد استلمت الأحزاب القومية السلطة في بولندا والمجر ولكن (البلدان التي تشكل) الجزء المركزي الأصلي للاتحاد الأوروبي تقاوم المد القومي.
وفي بروكسل سيتم الترحيب بانتصار ماكرون وسينظر إليه كفرصة لإعادة تشغيل «المحرك» الفرنسي الألماني الذي ظل، تقليديا، يمد الاتحاد الأوروبي بطاقة الانطلاق. ولكن النشوة ستكون في غير محلها. فماكرون يعد بكل الأشياء «الصحيحة» عندما يتعلق الأمر بالإصلاح الاقتصادي. ولكن أن يكون قادرا فعلا على الوفاء بها فذلك شيء آخر. لقد ثبت أن تخليص فرنسا من دورة النمو الضعيف وارتفاع البطالة وتصاعد المديونية تتجاوز قدرة سلسلة متعاقبة من الرؤساء الإصلاحيين ظاهريا بمن فيهم جاك شيراك ونيكولاي ساركوزي، بل وحتى الرئيس الحالي فرانسوا أولاند . لقد فشل أولاند على الرغم من تعيينه وزير اقتصاد شابا وديناميكيا اسمه إيمانويل ماكرون . فأين هو الآن (إيمانويل ماكرون؟)