عبد الحليم حافظ كاتبا وعبد السلام النابلسي شاعرا

يوسف القعيد –
كتب عبد الحليم حافظ عن أساتذته في الحياة. وكتب عبد السلام النابلسي شعرا عن عبد الحليم حافظ، وهي كتابات نفتقدها كثيراً جداً من أهل الفن الآن. أين أيامنا من أيامهم؟ سؤال يدمي القلب ويوجع الضمير. لكن لنقرأ أولاً ما كتبه حليم وما نظمه النابلسي.
كتب حليم عن أساتذته:
– علم الأيام ودروس الليالي علوم ودروس لا تعترف بها الجامعات. ولا تدرس في كتب. وإذا كنت أعرف أنني لم أتخرج في جامعة. فإنني أؤكد أن جامعة الحب والحياة أعمق في دروسها وأبلغ أثراً.. وها هم أساتذتي في مدرسة الحياة.
الفقـــر
عرفته في مقتبل العمر وتعلمت منه القناعة. كان أبى ميتاً وأمي سبقته إلى دنيا الخلود. وكان الرزق شحيحاً والسماء ضنينة وخال لنا يعولنا! الفقر علمني قيمة القرش وقت أن كنت تلميذا وكانت تمر بي أيام لا أجد فيها القرش فأمشي المسافات الطويلة دون تعب. ويبلى الحذاء فتتعقد الأمور أكثر. غير أننا كنا دائماً ننشد الستر. لا يعنينا ما نأكل طالما يرانا الناس مستورين والفقر علمني الإيمان بأن الله لا ينسى المخلوق. ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. والله يرزق طيور السماء فكيف بالإنسان!. الفقر درس بليغ من دروس الحياة إذا صبرت عليه. إذا أردت أن تقهره بأسلحة نظيفة. بعرقك ودموعك. ولكنه – أي الفقر – أُس الرذائل إذا أردت أن تقهره بأسلحة ليست من صنع الضمير.
الغنـــى
وجاء الغنى. وعرفت أنه ليس أكبر المنى ولا قمة الأمل. فقد بلغته مع المرض. كان كفاحي مضنياً لم تحتمله صحتي فلم أحس الغنى. وفي أيام الغنى عرفت لوناً من الناس تجذبه الثروة في أي وعاء تكون. وأحسست بأناسٍ يستغلونني. وما أنا بالبخيل وما أنا بالذي أحب أن أسعد بمالي وحدي. ثم كشفت لي الأيام عن خسة في البعض لم تفقدني الثقة في الباقين. فإن لي أصدقاء حميمين هم العزاء عن المستغلين الطامعين. إن الغنى علمني أن المال ليست له قيمة. السعادة الحقيقية هي الصحة. فإن المال لا وزن له إذا كنت تشكو علة. علمني الغنى أن المال يجيء لننفقه في سبيل السعادة. على أن السعادة ليست المقامرة ولا النزوات. السعادة هي في مواجهة حاجات الآخرين. في إحساسك بأنك تؤدي للناس نفعاً. وما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط!.
المرض
علمني المرض حكمة كنت أسمعها وأرددها كالببغاء ولا أفهم معناها: – الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى -.
علمني المرض أن الصحة أثمن ما في الوجود. وعلمني المرض أن الناس يحبونني وأن هذا الحب كنز أكبر من كل الأرصدة في البنوك. فإنني حين ذهبت إلى لندن لم أحس يوماً واحداً أنني بعدت عن القاهرة. كنت كل يوم أتلقى عشر مكالمات ومائة خطاب ووفوداً تجيء تتمنى لي الصحة. وعلمني المرض درس الطاعة. فإنني أخللت بشروط الأطباء بضع مرات فدفعت الثمن أياماً أخرى قضيتها في فراش المرض، وما أحلى دروس الطاعة وما أنفعها.
علمني المرض الصبر. فالليالي الطوال في الفراش البارد تحطم الأعصاب ومرغماً صبرت عليها!. وعلمني المرض أن أقرأ كثيراً.. ومن قراءاتي الكثيرة ازداد وزني.. في الفكر والعمق والتأمل.
اليتم!
علمني اليتم قيمة الحنان وحولني الحنان – مع خطوي نحو الثلاثين – حولني إلى طفل صغير. الكلمة الحنون تأسرني، العطف الحنون يطربني. ثم علمني اليتم درس الاعتماد على النفس. صحيح أن من الأهل من علمنا وأقام أودنا. إلا أننا كنا ننظر إلى المستقبل نظرة توجس. ولهذا كنا نريد أن نكون أبطال بيوتنا.
اعتمدت على نفسى وتعلمت من اليتم أن أقف على قدمي سريعاً وأكافح بلا ضجر. وأصنع غدي بيدي. لعل السبب الأول في أكثر قصص الفشل أحاسيس عند الشباب أنهم إذا فشلوا سيجدون رصيداً من الحنان عند الأم ورصيداً من المال عند الأب. أنا لم أكن هذا ولا ذاك ولهذا انطلقت على طريق لا يعرف الكسل ولا الملل.
الشهرة
حبي في الشهرة مع حرصي على كرامتي. علمني أن أشد حيلي وحدي وأمضي على الطريق لا أقف. ولما حصلت على الشهرة تعلمت أن لها ثمناً يجب أن يُدْفَعْ. المظهر. السيارة، الملبس، والوسط. وكل هذه أعباء لا فرار منها غير أن الثمن. أفدح الثمن هو بعدي عن الناس. عن الحياة البسيطة. غير أنني أدفع هذا الثمن راضياً. هل أغالط وأقول إنني أتمنى ألا أكون مشهوراً لكي أتمتع بهذه الحريات!.
ولعل أصعب ما في الشهرة. هو محافظتك على مكانتك عند القمة. فإنني رأيت كثيرين يتهاونون من فوقها لأنهم حين بلغوها لم يكترثوا لأكثر من البلوغ. لم يستطيعوا عملية الاستمرار. وأدركت لماذا تهاووا كأوراق الخريف. والغرور أول مزالق القمة! وقانا الله شره وعدواه.
الحب
وعلمني الحب كيف أحس: فإن دروس الحب لا تقل في نفعها عن دروس الموسيقى. وإذا كنت لم أجرب حباً أعتبره حب العمر. فإن زورق الحياة يمضي بنا ولا يخلو أمره من نسمة رقيقة تمنحه للأمام دفعة!. وهذه النسمات مرت بحياتي وعلمتني أن الحب الحقيقي هو الحب الذي لا مصلحة فيه. لا تجارة.. لا مساومة. وهو الحب الذي يخلو من تهمة التدبير السابق فأنت لا تقول لنفسك سأحب هذه الفتاة وأكره تلك. ولكن الحب أحلى ما في الحياة وأحلى ما فيه العذاب!. أدعو لكم بالحب موش بالعذاب، أدعو لكم بالحياة.
نشر هذا الكلام العذب والجميل بقلم عبد الحليم حافظ في مجلة الكواكب التي تصدر عن دار الهلال عدد 432 – الصادر فى10 نوفمبر 1959.
أما شعر عبد السلام النابلسي عن حليم، فكان عنوانه: نجوم على الأرض، عبد الحليم حافظ وقائل هذا الشعر الممثل الكوميدي: عبد السلام النابلسي. يقول فيه:
سبحان من وهب.. حنجرة من ذهب
صوتا تصدح الموسيقى في نبراته
وتترنح الألحان في نغماته
وتذوب العذوبة في طياته
الطرب والتطريب صفوة صفاته
والحنين الولوع سمة سماته
والأنين من أنّاته والآه من آهاته
هكذا هو طول حياته
صوت دخل على الأصوات عنوة
واحتل مكانه غنوة غنوة
وظن الناس أنه نزوة
وقالوا دخانا أو هو نشوة
وفاتهم أنه تجديد لا ترديد
وأصالة معدن فلا تشبيه ولا تقليد
بل إحساس وشعور
وتشنيف أذان وتغريد طبول
بل قل إنه مثل باقة من زهور
يختار من ألوانها ألحاناً ويشدوها حباً وغراماً وأشجاناً
إنه دمعة بل هو شمعة
تراه دق ورق حتى لتحسبه خيال خيال أو ظل أظلال
يكاد من شفافيته لا بيان
وتسمعه روحاً وتراه حيناً بعد حين
لا يعرف الاعتدال إلا في قامته. دائم الحرب بين نفسه وعافيته
يهمل الطب والطبيب. ويحفل بالحب والحبيب
يجمع أحياناً جموحاً ويأبى إلا طموحاً
نشر هذا الشعر في مجلة ­الكواكب 5 سبتمبر 1966
رحم الله الجميع.