الدولة العميقة في الولايات المتحدة

بنجامين والاس ويلز – نيويوركر –
ترجمة قاسم مكي –
بعد مضي عدة أسابيع من بداية إدارة ترامب، انتقل الاستقطاب الحاد الذي شهدته الانتخابات إلى الجهاز البيروقراطي الفيدرالي (للدولة الأمريكية.) وكانت هنالك مشاهد تمرد واضحة من جانب الموظفين الفيدراليين الذين أقلقتهم نوايا ترامب. فمسؤولو الوكالة الأمريكية لحماية البيئة عملوا على دفع أعضاء مجلس الشيوخ للاعتراض على تعيين سكوت برويت ، مرشح ترامب لرئاسة الوكالة. ووقع نحو ألف دبلوماسي بوزارة الخارجية وثيقة رسمية تعترض على الحظر الواسع النطاق الذي فرضه ترامب (على دخول القادمين من سبعة بلدان مسلمة إلى الولايات المتحدة.) كما سرَّب مسؤولون حكوميون حاليون وسابقون تفاصيل اتصالات تم اعتراضها بين مايكل فلين وسفير روسيا لدى الولايات المتحدة مما أجبر ترامب على التخلي عن فلين بعد 24 يوما فقط من تنصيبه. أعاد هذا النوع من التمرد ونجاحاته المبكرة إلى الساحة موضة الدولة العميقة. وهي نظرية تستخدم عادة في تحليل الأنظمة الاستبدادية التي يقال إن شبكات مكونة من أشخاص داخل جهازها البيروقراطي تتمكن من فرض إرادة خفيَّة خاصة بها. وفي الثقافة الشعبية، نجد أوضح تَجَلٍّ للدولة العميقة في «دار أدال» كبير الجواسيس القاسي الفؤاد في المسلسل التلفزيوني الأمريكي «أرض الوطن.» وهو شخصية غريبة بالنسبة للمشاهدين الأمريكيين مما دفع منتجي المسلسل إلى أن يطلقوا عليه اسما يبدو شرقَ أوسطي. توظف الحكومة الفيدرالية مليوني شخص. وهي تميل بتعاطفها نحو أكثر من اتجاه واحد. ففي حين أن العديد من العاملين في الحكومة الفيدرالية قد يرغبون في معارضة البيت الأبيض إلا أن آخرين (خصوصا موظفو دوريات الحدود والهجرة الذين كثيرا ما كان ترامب يشير إلى تأييدهم له في أثناء حملته الانتخابية) بادروا من تلقاء أنفسهم ( دون استئذان أو توجيه) في القيام ببعض الأعمال المثيرة للقلق دعما لسياسة ترامب. ففي أثناء سريان حظر السفر، منع موظفو الجمارك ومراقبة الحدود في المطارات العائلات والمحامين وحتى أعضاء الكونجرس من مقابلة الأشخاص الذين احتجزوا بموجب أمر الحظر. كما توسعوا في تقدير من يلزمهم احتجازهم. وعند الحدود في ولاية فيرمونت أعيدت مواطنة كندية جاءت للتسوق من حيث أتت بعد أن صادر أحد موظفي المعبر هاتفها النقال ووجد به أدعية باللغة العربية. وكانت واحدة من بين قادمين مثلها سئلوا عن مشاعرهم الشخصية تجاه دونالد ترامب. لقد تواصلت هذه الأحداث حتى بعد منع قضاة فيدراليون الحكومة من تطبيق الأمر التنفيذي بحظر السفر. وفي أطلنطا، قال محام مختص بقضايا الهجرة إن مراقبي الهجرة والجمارك كانوا يتنقلون من باب إلى باب في أحياء يقطنها أشخاص من أصول إسبانية للتحقق من وثائقهم الثبوتية. وفي لوس أنجلوس، قيل إن هؤلاء المسؤولين ذهبوا إلى مقر محكمة الهجرة للتحقيق مع أقارب مقدمي الالتماسات عن وضعهم القانوني. وفي بلدة الأسكندرية بولاية فيرجينيا ذهبوا باكرا في أحد الأيام إلى «مأوى لوقاية الفقراء من البرد» تابع لإحدى الكنائس وأوقفوا الرجال ذوي الأصول اللاتينية في صف مقابل الجدار وأخذوا بصماتهم للتحقق مما إذا كانت لديهم خلفية إجرامية. وفي إل باسو، احتجزوا امرأة كانت ضحية عنف منزلي داخل مبني محكمة حين جاءت للحصول على أمر حماية. وفي سياتل، زعم محامون لمهاجر شرعي تم احتجازه أن موظفي الإدارة التنفيذية للهجرة والجمارك استخدموا الحبر الأبيض لتغيير محتوى استمارة أنكر فيها موكِّلهم أن يكون عضو عصابة بحيث يبدو وكأنه اعترف بعضويتها. فإذا كان خصوم ترامب قد استخدموا للهجوم فكذلك أيضا مؤيدوه. إن الوضع غير مستقر وقد لا تهدأ الأمور بسرعة. فالرئيس، كما يبدو، يثق فقط بدائرة صغيرة جدا من مستشاريه. لقد ذكرت شبكة «سي بي إس» الأمريكية أن ترامب إبان زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو البيت الأبيض مؤخرا «لم يشارك ولا مسؤول واحد من وزارة الخارجية في اجتماعاته معه بمن في ذلك وزير الخارجية ريكس تيلرسون أو نوابه » وقاد المحادثات حول السلام في الشرق الأوسط، بدلا منهم ، زوج ابنته جاريد كوشنر. وقيل إن اللواء بحري هاوارد، وهو أول من اختاره ترامب للحلول محل فلين مستشارا للأمن القومي، رفض المنصب لأنه يعتبره تافها لا يمارس فيه نفوذه إلا عبر وساطة ستيفن بانون، كبير إستراتيجيي ترامب، ومن خلال كيلي مكفرلاند الموالية لترامب أيضا . إن الإدارات الجديدة كثيرا ما تجهد نفسها لتعريف أجهزتها الفيدرالية بالأيدولوجيات الجديدة . ويبدو أن مشروع ترامب يلتف تماما حول الحكومة الفيدرالية في معظمها. وما يثير القلق أن ذلك الالتفاف قد يقود إلى استقالات وإلى استنزاف الجهاز البيروقراطي وإضعاف قدرته على إدارة البلد. ولكن هذا الوضع يشكل أحد الهموم في الأجل الطويل. أما الهم الأكثر راهنية فهو حدوث انهيار واسع النطاق في السلطة. والأدلة التي تتجمع في هذه الفترة المبكرة من حقبة ترامب تشير إلى وضع أكثر غرابة وإبهاما يشجع فيه رئيس جديد كل الأطراف على العمل كما يَحْلُو لَهَا.