الخليلي: الأمة الإسلامية كانت مثالا بين الأمم بمبادئها الخيرة وسلوكها المستقيم وشريعتها العادلة

عليها أن تعرف حقيقة الإسلام وجوهره وأنها خير أمة أخرجت للناس –
متابعة: سالم بن حمدان الحسيني –
أوضح سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة أن الأمة الإسلامية عليها أن تعرف حقيقة الإسلام وجوهره، وأنها خير أمة أخرجت للناس، فهي لا تعز إلا بهذا الدين، حيث كانت في شتات وضعف وقد رفع الله شأنها بالإسلام فكانت أمة تسود العالم بمبادئها الخيرة وسلوكها المستقيم وشريعتها العادلة وكانت مثالا بين الأمم ولما انحرفت عن الإسلام صارت تترسم خطى الآخرين، وقد أمرت أن تسير على النهج الصحيح. وأكد سماحته على ضرورة ترسيخ التربية الإسلامية في جميع المراحل الدراسية لأجل ترسيخ مبادئ الخير في حياة الأمة ولأجل الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي في حياة الناس، مشيرا إلى أن الناس بحاجة إلى إصلاح الاجتماعي والأخلاقي بشتى أنواعه وأنهم بحاجة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تكون هي العلاقة التي تشد بعضهم إلى بعض حتى يترابطوا بحبل الولاية.
وأشار إلى أن المعاناة التي يعانيها البشر اليوم سببه بعد الإنسان عن منهج الله، إذ الإنسان لا يصلح إلا بالدواء الذي أنزله الله سبحانه وتعالى.. مؤكدا على ضرورة تربية الأبناء على العفة والحياء منذ الطفولة الأولى.. ذلك ما جاء في محاضرة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة في محاضرة له بجامعة نزوى تحت عنوان «الإصلاح».. فإلى الجزء الثالث والأخير من هذه المحاضرة:

يسترسل سماحة الشيخ الحديث قائلا: إن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بيّن في آيات شتى كيف أن الذي يصر على مخالفة أمر الله هو منبوذ في الأمة، حسبكم قصة ابن نوح عليه السلام، الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم الى الله، يواصل ليله بنهاره، ومع ذلك انحرف ابنه حيث عصى أباه ولم يطع أمره قال له: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) وعندما هلك مع الهالكين أخذت نوحا عليه السلام عاطفة الأبوة: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، فجاء الجواب القاطع من الله سبحانه: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ).. لماذا؟ (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) وربما ظن الناس انه كان على غير ملة أبيه، وانه كان على ملة أولئك القوم الكافرين، ولكن ما جاء التعليل بهذا حسبكم القرآن، فالقرآن عندما يذكر حكما تم تأتي بعده جملة مبتدئة بـ»إن» إنما تدل تلك الجملة على التعليل، كما في قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تعليل لقوله: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ)، وأيضا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) وكقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) وهناك عشرات الآيات التي تدل على ذلك ولعلها تتجاوز المائة فما فوق، فإذن قوله تعالى: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) هذه الجملة تعليل لقوله تعالى: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) لأنه عمل عملا غير صالح ويؤكد ذلك ما جاء في قراءة الكسائي وهو احد القراء السبعة فقد قرأها «انه عَمِل غير صالح» وهذه القراءة نص في هذا الموضوع، بل حتى القراءة الأخرى لأن قوله: (انه عمل غير صالح) فقد جيء بالمصدر هنا في مكان الفعل لأجل المبالغة، فإذن هذا دليل على أن من كان على غير نهج الحق لا يتساوى مع البررة، وكذلك قوله تعالى: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)، فما قال الله تعالى: (فإن الله لا يرضى عنهم)، وإنما قال: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) لأجل البيان بأن الفسوق هو السبب في عدم رضى الله سبحانه وتعالى عنهم. والآية هنا تشير الى أن الفسوق هو سبب لهذا الحكم، ومعنى هذا أن هذا الحكم انه ينطبق على كل فاسق والفسوق هو الخروج، فكل من حاد عن أمر الله تعالى فقد فسق، كما قال الشاعر: فواسقا عن قصدها جوائرا.. مشيرا الى أن الأصوليين يقولون بأن الحكم على المشتق يؤذن بان أصل ذلك الاشتقاق علة لذلك الحكم. فإذن الناس بحاجة الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وان تكون العلاقة التي تشد بعضهم الى بعض حتى يترابطوا بحبل الولاية ما دل عليه قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

الإصلاح الاجتماعي

وأضاف سماحته: ومن الإصلاح الاجتماعي الذي لابد منه إصلاح التربية، فترسيخ التربية الإسلامية في جميع المراحل الدراسية أمر ضروري لأجل ترسيخ مبادئ الخير في حياة الأمة ولأجل الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي في حياة الناس، فالناس بحاجة الى إصلاح الاجتماعي والأخلاقي بشتى أنواعه ومن ذلك الأسس التربوية وتطهير وسائل الإعلام من كل انحراف سواء كان إعلاما مقروءا أو كان مكتوبا أو كان مسموعا، فلننظر كيف بنى الأخلاق القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى يقول: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فعلى المؤمنين والمؤمنات أن يلتزموا هذه الأوامر، والله سبحانه وتعالى بدأ بالرجال أولا، أمرهم ان يغضوا من أبصارهم وان يحفظوا فروجهم لأن حفظ الفرج إنما هو ثمرة لغض البصر، ثم عطف العنان على النساء فأمر المؤمنات بما أمر به الرجال من غض الأبصار وحفظ الفروج، مع المحافظة التامة على كرامة المرأة وصونها لشرفها وصونها لكرامتها، فالمرأة يجب أن لا تبتذل وعلى الرجل ان يصون المرأة وعلى المرأة ان تصون نفسها، ومن ذلك تربية الحياء في الرجال والنساء جميعا، فالحياء شعبة من الإيمان كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». ولا ريب أن الحياء فطرة والإيمان فطرة، والإسلام بكل ما جاء به من أخلاق وآداب وأحكام هو فطرة وإنما الإنسان يعاكس هذه الفطرة وعندما يبدأ في الانحراف شيئا فشيئا يهون عليه بعد ذلك أن يعاكس هذه الفطرة تماما، ويصبح هذا الإنسان ممسوخا، ولذلك من الضرورة بمكان أن يربى الرجل على الحياء من أول الأمر، منذ طفولته الأولى وتربى المرأة أيضا منذ طفولتها الأولى على العفة والحياء وهذا يقتضي أن لا يسمح بالاختلاط الذي لا حدود له، ولا ضوابط له، بل كل ما كانت المرأة بمعزل عن الرجل من حيث الدراسة ومن حيث العمل كان ذلك افضل لها، وكذلك بالنسبة الى الرجل.

التأثر والتأثير

وأضاف: نحن اطلعنا الآن في بعض ما قرأناه في الصحافة ان في بريطانيا رأوا ان المدارس غير المختلطة انجح من المدارس المختلطة وكثير من البريطانيين يحاولون ان يعلموا أولادهم في المدارس الإسلامية الخاصة، لما يرون فيها من المحافظة على هذه الناحية، ولكن نحن ننساق وراء الآخرين، انسياقا لا حدود له لنظهر انفسنا أننا متمدنون وأننا متحضرون وهذه هزيمة نفسية أصابت هذه الأمة فرزأتها في اعز ما تملك، فعندما كان المسلمون أقوياء كان الآخرون يتأثرون بهم، وعندما ضعف المسلمون صاروا هم يتأثرون بالآخرين وينقادون وراء الآخرين. فيجب أن تحكّم شريعة الله تبارك وتعالى، وتقام حدوده، ولا يضبط الإنسان إلا ذلك، وعندما كانت تقام شريعة الله سبحانه وتقام حدوده كان الأمن ضافيا على الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، أما عندما أهملت الشريعة أخذت الجرائم تتزايد باستمرار، مشيرا الى ان هذه المعاناة التي يعانيها البشر سببه بعد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى والإنسان لا يصلح إلا بالدواء الذي انزله الله سبحانه وتعالى لأنه من الله الذي يعلم السر في السموات والأرض.. (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)، وقوله تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، فالإنسان صنع الله، وكيف يمكن أن يعالج الإنسان ويصلح إلا بما انزل الله سبحانه وتعالى، ونحن نجد أن النصوص القرآنية واضحة في ان البعد عن منهج الله سبحانه وتعالى إنما هو اتباع للجاهلية، فالله سبحانه وتعالى قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وقال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، ثم قال: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).. مضيفا الى أن كل حكم يخالف القرآن الكريم إنما هو حكم جاهلي فعلى هذه الأمة أن تتحرر من ربقة الجاهلية وان تعرف حقيقة الإسلام وجوهر الإسلام، فالأمة لا تعز إلا بهذا الدين، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فان ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله» فهذه الأمة كانت في شتات وفي ضعف وإنما رفع الله سبحانه وتعالى شأنها بالإسلام فكانت أمة تسود العالم بمبادئها الخيرة وسلوكها المستقيم وشريعتها العادلة وكانت مثالا بين الأمم ولما انحرفت عن الإسلام صارت وراء الأمم الأخرى تترسم خطى الآخرين، فعلى الأمة ان تكتشف هويتها وان تعلم من هي، إنما هي (خير أمة أخرجت للناس) أمرت أن تسير على النهج الصحيح.