مخاطر الاستثمارات الدولية في الأسواق الأجنبية

د. محمد رياض حمزة –
mrhamza1010@gmail.com –

شهد عام 2016 تقلبات حادة أثرت على الأسواق العالمية وامتدت تبعاتها إلى دول الخليج خاصة مع استمرار تراجع أسعار النفط، إذ بقيت السيولة محدودة نسبيا رغم الإصلاحات التي قامت بها الحكومات.
وأظهر استطلاع لبنك الإمارات للاستثمار حول الثروات في دول مجلس التعاون الخليجي 2017، أن 85% من المستثمرين الخليجيين يتوقعون تراجعا في وتيرة الأداء الاقتصادي خلال العام الحالي. وأن 18% من المستثمرين يرون أن الظروف الاقتصادية السلبية محليا، دفعتهم لإيقاف العديد من المشاريع . ووفقا لاستطلاع ، فإن المستثمرين يفضلون الاستثمار في أعمالهم الخاصة والتركيز على تنميتها بدلا من تجميدها. حيث إن 35% من المستثمرين يخصصون جزءا كبيرا من ثرواتهم لمشاريعهم الخاصة.
وتؤكد الوقائع التي تكرر حدوثها منذ الأزمة المالية العالمية 2008 أن الاستثمارات الدولية تنطوي على خطورة أكبر مِن الفرص المحلية، ولكنَّ العوائد المحتمَلَةَ مِن الاستثمارات الخارجية أكبر مما يدفع المستثمرين القبول بالاستثمارات المتوسطة المدى والأقل مخاطرا .
ووفق نظرية الاحتمالات ( رياضيا) والتنبؤ بالمخاطر التي قد تتعرض لها الاستثمارات الدولية كافة. وفي ضوء «معامل» الخسائر التي تكبدتها مختلف أنواع الاستثمارات الدولية ، فإن ضباية توجهات الاقتصاد العالمي بين تخلي الولايات المتحدة عن عولمة التجارة وبين رغبة معظم دول مجموعة العشرين في بقائها فإن المرجع أن تتعرض الاستثمارات الدولية لمزيد من الخسائر بسبب تصاعد المخاطر.
تتعرض الاستثمارات الدولية إلى عدد غير قليل من المخاطر التي يمكن تلخيصها بما يلي:
• التأثير المتبادل بين الأسواق الدولية والمحلية: تتأثر الأسواق المحلية بالتقلبات السلبية التي تتعرض لها لأسواق العالمية ولا تتأثر الأسواق العالمية بالتقلبات التي قد تطرأ على الأسواق المحلية إلا بقدر . لكن الأسواق العالمية تعززها قوة الأسواق المحلية.
• التكاليف : الاستثمار في الأسواق الدولية يمكن أنْ ينطوِيَ على تكاليفَ أعلى للمستثمرِ؛ نتيجةً لارتفاعِ تكاليفِ المعاملات و إدارةِ المحافظ و تكلِفة ضرائبِ الاستثمارِ وغيرِها من الرسوم غير المتوقَّعة في البلدان الأجنبية.
• كفاية المعرفة بالأسواق الخارجية: إن عدم إحاطة المستثمر بالأسواق الأجنبية يمكن أن تترتب عليه خسائر كبيرة. إذ أنَّ أهم أسس الاستثمارِ في الأسواق الدوليةِ هي معرفة المستثمرِ بأحوال السوق حاضرها و التنبؤ بمستقبلها . وخلاف ذلك تعرضت استثمارات كثيرة لخسائر فادحة خلال الأزمة المالية العالمية 2008.
• مخاطر أسعار الصرف : تتعرض الاستثمارات الدولية لمخاطر التقلب في أسعارِ الصرف بين العُملات، وعادةً مَا يُقاس التقلبُ في سِعْرِ الصرف بمعدل العائد الشهري الذي يحققه المستثمرُ الذي يمتلك رصيدًا مِن عُملةٍ معيَّنة .
• المخاطر السياسية: تلك المخاطرُ التي يَتعرَّضُ لها المستثمرون الدوليُّون وتأخذ أساليب عديدة وكلها تتسبب بخسائر المستثمرين لبدوليين:
ــ فعندما تتأزم العلاقات السياسية بين دول المستثمرين والدول التي يَستثمر في مؤسساتها غير مواطنيها ، مما قد يصار إلى تجميدها أو حتى مصادرتها . ومصطلح المخاطر السياسية يستخدم عادة لوصفِ مختلِفِ المخاطرِ، التي تَأتي مِن ممارسة الأعمال التِّجاريةِ تَحتَ ولاية حكومةٍ أجنبيةٍ ونظامِها القانونيِّ. وتتراوحُ المخاطرُ السياسيةُ مِن مجرَّدِ مخاطرَ محدودةِ التأثيرِ إلى مخاطر استيلاءِ الحكومةِ الأجنبيةِ كليَّةً على عملياتِ الاستثمار، وهناك كثيرٌ من المخاطر القانونية في مجال الاستثمار الدولي.
ــ ومن المخاطر السياسية التي تنشأ إبرام المعاهَداتُ التي تشجع الاستثمار الدولي، لكنَّ حدوثَ تغيُّراتٍ في تلك المُعاهدات أو الاتفاقياتِ بينَ الدُّولِ تُؤَثِّر سلْبًا على الاستثمارات الخاصة أو الأعمالِ التِّجارية، على سبيلِ المثالِ معاهَداتُ الحدِّ أو التخفيضِ مِن الكربون تؤثِّرُ تأثيرًا مباشرًا على تكْلِفة أنواعٍ واسعةٍ مِن الأعمالِ التِّجارية مع دخْلٍ قليلٍ نسبيًّا للمستثمرين.
يضاف إلى ماتقدم أن من بين المخاطر السياسية المضافة والمتوقعة تتمثل بفوز «دونالد ترامب « رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية الذي جاء بأجندة سياسية واقتصادية قد تنطوي على تغييرات في توجهات الأسواق العالمية بسبب إصراره على تطبيق سياسة الحمائية التجارية التي تناقض ما دأبت دول العالم الكبرى من اتفاقيات تجارة حرة ثنائية وبصيغة مجاميع . فالمتوقع أن تتأثر الاستثمارات الدولية وتحديدا تلك التي توجد حاليا في الولايات المتحدة أو التي ستستثمر مستقبلا.
وكما يبدو اليوم أن أزمة 2008 وخسائرها نُسيت، فالأموال العربية ما زالت وجهتها الغرب وفقاً لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد). وبالمقابل فإن تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إلى الدول العربية فقد تراجعت بنسبة 10 % ، من 44.3 مليار دولار عام 2014 إلى نحو 40 مليارا في نهاية 2015 . ولكن قيمة التدفقات ظلت ضعيفة جداً مقارنة بمستواها القياسي الذي بلغ 96.3 مليار دولار عام 2008. ولوحظ أيضا ارتفاع كبير في تدفقات الاستثمارات من الدول العربية إلى العالم ، إذ سجل قفزة بلغت 96 %. من 14.5 مليار دولار عام 2014 إلى 28,4 مليار عام 2015. وبلغت حصة 4 دول خليجية 86.2 % من حجم هذه التدفقات موزعة بين 9.3 مليار دولار من الإمارات، و5.5 مليار دولار من السعودية، ونحو 5.4 مليار من الكويت، و4.3 مليار دولار من قطر.
أما على صعيد أرصدة الاستثمار الأجنبية المباشرة الصادرة من الدول العربية فقد بلغت نحو 298.5 مليار دولار في نهاية عام 2015، ومثلت 1.2% من الإجمالي العالمي البالغ 25 تريليون دولار. وتصدرت الإمارات قائمة الدول العربية بقيمة 87.4 مليار دولار، تليها السعودية بـ 63.3 مليار دولار، ثم قطر في المرتبة الثالثة بقيمة 43.3 بليون. ويقدر عدد الشركات العربية العاملة في العالم بنحو 1500 شركة تستثمر في 5045 مشروعاً، وتقدر الكلفة الاستثمارية للمشاريع العربية بين عامي 2003 حتى مارس 2016 بنحو مليار 590 مليار دولار، وهي موزعة على 148 دولة عربية وأجنبية.
ومن تبعات أزمة 2008 على صناديق التحوط فإن تقارير المتابعة المالية تؤكد أن خسائر تلك الصناديق ما زالت تتفاقم فقد بلغت منذ بداية العام الجاري 1.8 %. حسب (المؤشر العالمي لأبحاث صناديق التحوط ) . وقال المؤشر إن ذلك يعد أسوأ أداء لها منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وخلال الربع الأخير من عام 2015 و والربع الأول من عام 2016 فإن قيمة التدفقات المالية المغادرة لصناديق التحوط عبر العالم بلغت 16.6 مليار دولار، فيما تشير التقارير إلى أن عدد صناديق التحوط التي أغلقت عبر العالم خلال العام الماضي قد وصل إلى 979 صندوقا.
و بحلول عام 2015، أصبح عدد صناديق التحوط حول العالم 9000 صندوق تقوم بإدارة نحو ثلاثة تريليونات دولار، إلا أن موجة الإغلاقات الأخيرة والخسائر التي تعرضت لها تشير في نظر البعض إلى أن علامات الاستفهام في أقل تقدير تحيط بمستقبلها.
وبالفعل فقد خفضت بعض صناديق التحوط مثل مجموعة “تيدور” الاستثمارية التي تبلغ أصولها المالية 11.6 مليار دولار، وتعد أحد أقدم صناديق التحوط وأكثرها غلاء فيما يتعلق برسومها ونسبة الاستقطاعات من الأرباح، إذ خفضت كل من الرسوم وحصتها من الأرباح المحققة من 2.75 إلى 2.25 % ، بعدما تراجع نصيبها من الأرباح من 27 إلى 25 % ، وقد سوغت المجموعة تلك الإجراءات بالرغبة في الإبقاء على مستثمريها وعدم انسحابهم منها، ومع هذا فإن المستثمرين لم يكونوا راضين عن تلك الاستقطاعات التي اعتبروها ضئيلة، حيث قاموا بسحب نحو مليار دولار من استثماراتهم في مجموعة “تيدور”. وتعد الرواتب التي يحصل عليها كبار المديرين في صناديق التحوط أحد أبرز القضايا التي تناقش حاليا في تلك الصناعة، ورغم أن الصناديق تأثرت بضغوط تقلبات الأسواق العالمية منذ بداية العام، بانخفاض كبير في الاستثمارات، إلا أن الخسارة لم تؤثر في الرواتب والمكافآت المالية للمديرين في صناديق التحوط والمصنفة بين أعلى الرواتب والمكافآت المالية في العالم، وأشارت بعض التقارير الاقتصادية إلى أن إجمالي الرواتب والمكافآت المالية التي حصل عليها العاملون في صناديق التحوط عبر العالم بلغ 13 مليار دولار في عام 2015 بزيادة 10% عن عام 2014.
فالمتوقع أن تُرحّل تبعات وخسائر الأزمات التي تتعرض لها النظم الاقتصادية الغربية إلى الأموال الأجنبية المستثمرة أو المودعة في المؤسسات المالية الغربية بأساليب أبعد ما تكون عن نزاهة جوهر الائتمان.
وبعد فهل بقي للثقة بالائتمان في التعامل الاستثماري في الغرب أي معنى؟
وهل تعلّم المستثمرون العرب من الدروس التي لا تزال تتوالى منذ أزمة 2008.؟